مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} (16)

ثم إنه تعالى بين أن بقاءهم مع هذه السلامة في الأرض إنما كان بفضل الله ورحمته ، وأنه لو شاء لقلب الأمر عليهم ، ولأمطر عليهم من سحاب القهر مطر الآفات . فقال تقريرا لهذا المعنى : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } وقال : { فخسفنا به وبداره الأرض } .

واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله : { أأمنتم من في السماء } ، ( والجواب ) عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين ، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع الجوانب ، فيكون أصغر من السماء ، والسماء أصغر من العرش بكثير ، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئا حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال ، ولأنه تعالى قال : { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله } [ الأنعام : 12 ] فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكا لنفسه وهذا محال ، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل ، ثم فيه وجوه : ( أحدها ) : لم لا يجوز أن يكون تقدير الآية : أأمنتم من في السماء عذابه ، وذلك لأن عادة الله تعالى جارية ، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى ، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته ( وثانيها ) : قال أبو مسلم : كانت العرب مقرين بوجود الإله ، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة ، فكأنه تعالى قال لهم : أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء ، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض ( وثالثها ) : تقدير الآية : من في السماء سلطانه وملكه وقدرته ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته ، كما قال : { وهو الله في السماوات وفى الأرض } فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين ، فوجب أن يكون المراد من كونه في السماوات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته ، وجريان مشيئته في السماوات وفي الأرض ، فكذا هاهنا ( ورابعها ) : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { من في السماء } الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل عليه السلام ، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه . وقوله : { فإذا هي تمور } قالوا معناه : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك ، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها ، فيذهبون والأرض فوقهم تمور ، فتلقيهم إلى أسفل السافلين ، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} (16)

شدة بطش الله بالمكذبين

{ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور 16 أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير 17 ولقد كذّب الذين من قبلهم فكيف كان نكير 18 أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات ويقبضن ما يمسكهنّ إلا الرحمان إنه بكل شيء بصير 19 }

المفردات :

الآمن : ضد الخوف .

من في السماء : هو ربكم الأعلى ، أو من في السماء عرشه .

يخسف بكم الأرض : يغيبكم فيها ، ومنه قوله تعالى : فخسفنا به وبداره الأرض . . . ( القصص : 81 ) .

تمور : تهتز وتضطرب ، وأصل المور : التردد في المجئ والذهاب .

16

التفسير :

16- أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور .

هذه الآيات تهديد ووعيد لكفار مكة الذين أنكروا الوحي والرسالة ، وفيها تهديد لك كفّار عنيد .

ومعنى الآية :

هل تأمنون بطش الله وعقوبته ، بأن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فظل يهوى فيها ؟ وهو سبحانه في السماء عرشه ، أو ملكه وملكوته ، أو أمره وقضاؤه ، وبيده الخلق والأمر ، وهو القادر على أن يعذبكم من فوقكم ، أو من تحت أرجلكم .

ونحو الآية قوله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم . . . ( الأنعام : 65 ) .