مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ} (15)

قوله تعالى : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين بالدلائل كونه عالما بما يسرون وما يعلنون ، ثم ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد ، ونظيره من قال لعبده الذي أساء إلى مولاه في السر : يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك ، كل هذا الخير الذي هيأته لك ولا تأمن تأديبي ، فإني إن شئت جعلت هذه الدار التي هي منزل أمنك ومركز سلامتك منشأ للآفات التي تتحير فيها ومنبعا للمحن التي تهلك بسببها ، فكذا هاهنا ، كأنه تعالى قال : أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم ، فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي ، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها ، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم ، أنا الذي ذللتها إليكم وجعلتها سببا لنفعكم ، فامشوا في مناكبها ، فإنني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض ، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن ، فهذا هو الوجه في اتصال هذه الآية بما قبلها .

المسألة الثانية : الذلول من كل شيء : المنقاد الذي يذل لك ، ومصدره الذل ، وهو الانقياد واللين ، ومنه يقال : دابة ذلول ، وفي وصف الأرض بالذلول أقوال : ( أحدها ) : أنه تعالى ما جعلها صخرية خشنة بحيث يمتنع المشي عليها ، كما يمتنع المشي على وجوه الصخرة الخشنة ( وثانيها ) : أنه تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها ، وبناء الأبنية منها كما يراد ، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر ذلك ( وثالثها ) : أنها لو كانت حجرية ، أو كانت مثل الذهب أو الحديد ، لكانت تسخن جدا في الصيف ، وكانت تبرد جدا في الشتاء ، ولكانت الزراعة فيها ممتنعة ، والغراسة فيها متعذرة ، ولما كانت كفاتا للأموات والأحياء ( ورابعها ) : أنه تعالى سخرها لنا بأن أمسكها في جو الهواء ، ولو كانت متحركة على الاستقامة ، أو على الاستدارة لم تكن منقادة لنا .

المسألة الثالثة : قوله : { فامشوا في مناكبها } أمر إباحة ، وكذا القول في قوله : { وكلوا من رزقه } .

المسألة الرابعة : ذكروا في مناكب الأرض وجوها ( أحدها ) : قال صاحب «الكشاف » : المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير ، وأبعده من إمكان المشي عليه ، فإذا صار البعير بحيث يمكن المشي على منكبه ، فقد صار نهاية في الانقياد والطاعة ، فثبت أن قوله : { فامشوا في مناكبها } كناية عن كونها نهاية في الذلولية ( وثانيها ) : قول قتادة والضحاك وابن عباس : إن مناكب الأرض جبالها وآكامها ، وسميت الجبال مناكب ، لأن مناكب الإنسان شاخصة والجبال أيضا شاخصة ، والمعنى أني سهلت عليكم المشي في مناكبها ، وهي أبعد أجزائها عن التذليل ، فكيف الحال في سائر أجزائها ( وثالثها ) : أن مناكبها هي الطرق ، والفجاج والأطراف والجوانب وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل ، ورواية عطاء عن ابن عباس ، واختيار الفراء ، وابن قتيبة قال : مناكبها جوانبها ، ومنكبا الرجل جانباه ، وهو كقوله تعالى : { والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أما قوله : { وكلوا من رزقه } أي مما خلقه الله رزقا لكم في الأرض : { وإليه النشور } يعني ينبغي أن يكون مكثكم في الأرض ، وأكلكم من رزق الله مكث من يعلم أن مرجعه إلى الله ، وأكل من يتيقن أن مصيره إلى الله ، والمراد تحذيرهم عن الكفر والمعاصي في السر والجهر .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ} (15)

الأرض ذلولا : مذللة لينة سهلة تستقرون عليها .

مناكبها : جوانبها ، أو طرقها وفجاجها .

النشور : إليه وحده مهمة نشركم ، أي إحيائكم من قبوركم للحساب والجزاء .

15- هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور .

أرسى الله الأرض بالجبال ، وحفظ سبحانه توازنها ، وأودع فيها الجاذبية ، وذلل الطرق ويسّر الرزق ، وأودع في الأرض أقواتها وأرزاقها ، ويسّر للإنسان طرق الكسب بالزراعة والصناعة والتجارة ، والعلوم والفنون وغيرها .

وأودع الله في الأرض المعادن والمياه ، والحديد والبترول ، وذلل الأرض لاستفادة الإنسان ، وفي ذلك دعوة من الله لنا ، لاستخدام طاقات الأرض وإعمارها ، فلا يكفي أن نستخرج البترول ، بل ينبغي تصنيع البترول والاستفادة بمشتقاته ، والناس لطول إلفهم بالأرض ينسون فضل الله عليهم في تسخير الأرض لهم .

ومعنى الآية :

لقد أنعم الله عليكم بأرض مذللة ممهدة للاستفادة بها في الزراعة والسير ، واستخراج ما في باطنها ، والبناء عليها ، فسيروا في الأرض ، وتمكّنوا من نواحيها ومناكبها ، وسيطروا على أرض الإسلام وبلاده ، واستفيدوا من خيرات بلادكم ورزق ربكم . وإلى الله مرجعكم فيحاسبكم على أعمالكم ، وفي الآية دعوة لأمة الإسلام أن تلتمس العزّ والسؤدد ، باستثمار خيرات بلادها ، وتعاون المسلمين فيما بينهم ، وأن يكون هناك تكامل بين الأمة الإسلامية وتعاون وترابط ، حتى نكون كما أمر الله تعالى : صفّا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

قال تعالى : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون . ( الأنبياء : 92 ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( ترى المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى )x .