{ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا } أي اذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يغتروا بها ولا يضربوا عن الآخرة صفحاً بالمرة أو اذكر لهم صفتها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل وبينها لهم .
{ كَمَاء } استئناف لبيان المثل أي هي كماء { أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء } وجوزوا أن يكون مفعولاً ثانياً لأضرب على أنه بمعنى صير . وتعقب بأن الكاف تنبو عنه إلا أن تكون مقحمة . ورد بأنه مما لا وجه لأن المعنى صير المثل هذا اللفظ فالمثل بمعنى الكلام الواقع فيه التمثيل . وقال الحوفي : الكاف متعلقة بمحذوف صفة لمصدر محذوف أي ضرباً كماء وليس بشيء .
{ فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض } أي فاشتبك وخالط بعضه بعضاً لكثرته وتكاثفه بسبب كثرية سقي الماء إياه أو المراد فدخل الماء في النبات حتى روى ورف ، وكان الظاهر في هذا المعنى افختلط بنبات الأرض لأن المعروف في عرف اللغة والاستعمال دخول الباء على الكثير الغير الطارىء وإن صدق بحسب الوضع على كل من التداخلين أنه مختلط ومختلط به إلا أنه اختير ما في النظم الكريم للمبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصل الكثير ففي الكلام قلب مقبول { فَأَصْبَحَ } ذلك النبات الملتف إثر بهجته ونضارته { هَشِيمًا } أي يابساً متفتتاً ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقيل جمع هشيم وأصبح بمعنى صار فلا يفيد تقييد الخبر بالصباح كما في قوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا*** أملك رأس البعير إن نفراً
وقيل هي على ظاهرها مفيدة لتقييد الخبر بذلك لأن الآفات السماوية أكثر ما تطرق ليلاً . وتعقب بأنه ليس في الآية ما يدل على أن اتصافه بكونه هشيماً لآفة سماوية بل المراد بيان ما يؤول إليه بعد النضارة من اليبس والتفتت كقوله تعالى : { والذي أَخْرَجَ المرعى فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى } [ الأعلى : 4 ، 5 ] { تَذْرُوهُ الرياح } أي تفرقه كما قال أبو عبيدة ، وقال الأخفش : ترفعه ، وقال ابن كيسان : تجيء به وتذهب ، وقرأ ابن مسعود { تذريه } من أذرى رباعياً وهو لغة في ذري . وقرأ زيد بن علي . والحسن . والنخعي . والأعمش . وطلحة . وابن أبي ليلى . وابن محيصن . وخلف . وابن عيسى وابن جرير { تَذْرُوهُ الريح } بالافراد ، وليس المشبه به نفس الماء بل هو الهيئة المنتزعة من الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر مهتزاً ثم يصير يابساً تطيره الرياح حتى كأنه لم يكن ، وعبر بالفاء في الآية للإشعار بسرعة زواله وصيرورته بتلك الصفة فليست فصيحية ، وقيل هي فصيحية والتقدير فزها ومكث مدة فأصبح هشيماً { وَكَانَ الله على كُلّ شيء } من الأشياء التي من جملتها الانشاء والافناء { مُّقْتَدِرًا } كامل القدرة .
قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( 45 ) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ( 46 ) } .
هذا مثل كاشف يضربه الله للناس فيصف فيه حقيقة الدنيا في سرعة زوالها وانقضائها وأنها حطام دائر ما يلبث أن يفنى ويتبدد ليكون بعد ذلك أثرا بعد عين .
مثل يضربه الله للناس وفيهم المغرورون والغافلون والتائهون السادرون في الضلال والتفريط والغفلة ، الغائرون في الشهوات والملذات بكل صورها وضروبها .
والحياة برمتها- في الحقيقة- أشبه بماء المطر النازل من السماء إلى الأرض ليختلط به نباتها المختلف . فينمو ويزهو ويستوي على سوقه ويكون في غاية النضارة والحسْن ، ثم يأخذ بعد ذلك في الذبول والانحناء والتكسر ويأتي عليه الجفاف واليُبس ليصبح بعد ذلك ( هشيما تذروه الرياح ) من الهشم وهو كسر الشيء اليابس . والهشيم معناه النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء{[2825]} .
قوله : ( تذروه الرياح ) أي تسفّه وتفرقه ليتطاير في الفضاء وفي أجواء السماء ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) الله قادر على كل شيء . سواء في ذلك إنشاء الخلق أو إفناؤه أو أحياؤه من جديد .
هذه هي الدنيا حقيقتها ؛ فإنما هي مركبات من الأموال والأهواء والملذات والزخرف . أو هي أصناف مختلفة من الزينة والشهوات والتفاخر بالوجاهات والأموال وغير ذلك من المستلذات مما تشتهيه نفوس البشر . ثم قال ذلك كله إلى الفناء والزوال . وهكذا الإنسان يكون لا هيا سادرا في الشهوات والمستلذات وهو يمتد به العمر ليدنو به رويدا رويدا من الهرم وخرف الكبر . فما يلبث بعد ذلك أن يصير إلى الموت المحتوم . وحينئذ تفنى الأهواء والشهوات وتنقضي الحياة برمتها ، ليحين بعد ذلك وقت الحساب والمساءلات بدءا بالقبر حيث الظلمة وهول العذاب فيه ، ومرورا بالحشر وما فيه من فظائع الزحام والعطاش والذعر والكرب الشديد ، وانتهاء بالحساب الفاصل ، فإما إلى النجاة والجنة ، وإما إلى الهوان والنار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.