{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره الموصول بعده ، ويكون ذكر الجملة مقدمة لفرضية صومه بذكر فضله ، أو { فَمَن شَهِدَ } والفاء لتضمنه معنى الشرط لكونه موصوفاً بالموصول ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم الوقت الذي كتب عليكم الصيام فيه ، أو المكتوب شهر رمضان ، أو بدل من الصيام بدل كل بتقدير مضاف ، أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان ، وما تخلل بينهما من الفصل متعلق ب { كتاب } [ البقرة : 183 ] لفظاً أو معنى فليس بأجنبي مطلقاً ، وإن اعتبرته بدل اشتمال استغنيت عن التقدير ، إلا أن كون الحكم السابق وهو فرضية الصوم مقصوداً بالذات ، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقاً إلى ذكر البدل يبعد ذلك ، وقرئ { شَهْرٍ } بالنصب على أنه مفعول لصوموا محذوفاً ؛ وقيل : إنه مفعول { وَأَن تَصُومُواْ } [ البقرة : 184 ] وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية/ بالخبر ، وجوز أن يكون مفعول { تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 184 ] بتقدير مضاف أي شرف شهر رمضان ونحوه وقيل : لا حاجة إلى التقدير ، والمراد : إن كنتم تعلمون نفس الشهر ولا تشكون فيه ، وفيه إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك وليس بشيء كما لا يخفى والشهر المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال ، ويجمع في القلة على أشهر ، وفي الكثرة على شهور ، وأصله من شهر الشيء أظهره ، وهو لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات صار مشهوراً بين الناس ، و{ ( رمضان ) مصدر رمض بكسر العين إذا احترق ، وفي «شمس العلوم » من المصادر التي يشترك فيها الأفعال فعلان بفتح الفاء والعين وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب كالخفقان والعسلان واللمعان وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في شنآناً إذا بغضته فما في «البحر » من أن كونه مصدراً يحتاج إلى نقل فإن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه كان شاذاً ، فالأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً ناشئ عن قلة الاطلاع ، والخليل يقول : إن من الرمض مسكن الميم وهو مطر يأتي قبل الخريف يظهر وجه الأرض عن الغبار ، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علماً للشهر المعلوم ، ولولا ذلك لم يحسن إضافة ( شهر ) إليه كما لا يحسن إنسان زيد ، وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده ، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان ، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان ، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ، وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
ولا تضف شهراً إلى اسم شهر *** إلا لما أوله الرا فادر
واستثن منها رجباً فيمتنع *** لأنه فيما رووه ما سمع
ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع اللام ووجوبها حال المضاف إليه فيمتنع في مثل : شهر رمضان ، وابن داية من الصرف ودخول اللام وينصرف في مثل شهر ربيع الأول وابن عباس ويجب اللام في مثل امرئ القيس لأنه وقع جزءاً حال تحليته باللام ، ويجوز في مثل ابن عباس أما دخلوه فللمح الأصل ، وأما عدمه فلتجرده في الأصل ، وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس كذا قيل وفيه بحث أما أولاً : لأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق ، ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك ، وتقبح أخرى كإنسان زيد وقبحها في { شَهْرُ رَمَضَانَ } لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم ، وأما ثانياً : فإن قولهم : لم يسمع شهر رجب الخ ، مما سمع بين المتأخرين ولا أصل له ففي «شرح التسهيل » جواز إضافة ( شهر ) إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين فادعاء الأطباق غير مطبق عليه ، ومنشأ غلط المتأخرين ما في «أدب الكاتب » من أنه اصطلاح الكتاب ، قال : لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجعلوا أول السنة المحرم ، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهراً إلا مع رمضان والربيعين ، فهو أمر اصطلاحي لا وضعي لغوي ووجه في ( رمضان ) موافقة القرآن ، وفي ربيع الفصل عن الفصل ، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور ، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم وحيث حذف أفاده وعليه يظهر الفرق بين إنسان زيد و{ شَهْرُ رَمَضَانَ } ولا يغم هلال ذلك . وأما ثالثاً : فلأن قوله : ( ثم ) في الإضافة الخ ، مما صرح النحاة بخلافه ، فإن ابن داية سمع منعه وصرفه كقوله :
ولما رأيت النسر عز ابن داية *** وعشش في وكريه جاش له صدري
قالوا : ولكل وجه ، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف ، وأما الصرف فلأن المضاف إليه في أصله اسم جنس والمضاف كذلك وكل منهما بانفراده ليس بعلم ، وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه ، ولا يكون لمنع الصرف مدخل فليحفظ ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت ، ومنع بعضهم أن يقال : رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً
«لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان » وإلى ذلك ذهب مجاهد والصحيح الجواز فقد روي ذلك في الصحيح والاحتياط لا يخفى وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه قاله ابن عمر وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة ، وكان اسمه قبل ناتقاً ، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن يكون وجه التسمية عند المسلمين ، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر .
{ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرءان } أي ابتدئ فيه إنزاله وكان ذلك ليلة القدر قاله ابن إسحق ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهو قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة : 183 ] وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصاً بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية ، وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية .
{ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما ( أنزل ) أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق ، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً ، وقيل : مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير .
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ( من ) شرطية أو موصولة والفاء إما جواب الشرط ، أو زائدة في الخبر ، و{ مّنكُمْ } في محل نصب على الحال من المستكن في { شَهِدَ } والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون ، و{ شَهِدَ } من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتاً أو علماً ، وقد قيل : بكل منهما هنا ، و{ الشهر } على الأول : مفعول فيه والمفعول به متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء ، وعلى الثاني : مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر وأل فيه على التقديرين للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في يصمه على الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم ، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب/ الصوم على من شك في الهلال وإنما قدر المضاف لأن شهود الشهر بتمامه إنما يكون بعد انقضائه ولا معنى لترتب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه وعليه يكون قوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مخصصاً بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما ، وعلى الأول : مخصص بالنظر إلى الأول دون الثاني وتكريره حينئذٍ لذلك التخصيص أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه والأول كما قيل على رأي من شرط في المخصص أن يكون متراخياً موصولاً ، والثاني : على رأي من جوز كونه متقدماً وهذا بجعل المخصص هو الآية السابقة ، و( ما ) هنا لمجرد دفع التوهم ورجح المعنى الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير وبأن الفاء في { فَمَن شَهِدَ } عليه وقعت في مخرها مفصلة لما أجمل في قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ } من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كل من أدركه ومدركه إما حاضر أو مسافر فمن كان حاضراً فحكمه كذا الخ ولا يحسن أن يقال من علم الهلال فليصم ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض لدخول القسم الثاني في الأول والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما كذا قيل ، لكن ذكر المريض يقوي كونه مخصصاً لدخوله فيمن شهد على الوجهين ، ولذا ذهب أكثر النحويين إلى أن الشهر مفعول به فالفاء للسببية أو للتعقيب لا للتفصيل .
{ يُرِيدُ الله } بهذا الترخيص { بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } لغاية رأفته وسعة رحمته ، واستدل المعتزلة بالآية على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى لأنه أراد التيسير ولم يقع مراده ، ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر ، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } من غير تخلف ، وفي «البحر » تفسير الإرادة هنا بالطلب ، وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال العباد عبارة عن الأمر وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا ، وتفسير اليسر بما يسر بعيد ، وقرأ أبو جعفر ( اليسر ) و( العسر ) بضمتين .
{ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علل لفعل محذوف دل عليه { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } الخ أي وشرع لكم جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر المستفاد من قوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وأمر المرخص له بالقضاء كيفما كان متواتراً أو متفرقاً وبمراعاة عدة ما أفطره من غير نقصان فيه المستفادين من قوله سبحانه وتعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ومن الترخيص المستفاد من قوله عز وجل : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } أو من قوله تعالى : { فَعِدَّةٌ } الخ لتكملوا الخ والأول علة الأمر بمراعاة عدة الشهر بالأداء في حال شهود الشهر ، وبالقضاء في حال الإفطار بالعذر فيكون علة لمعللين أي أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا عدة الشهر بالأداء والقضاء فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته نقصت أيامه أو كملت { وَلِتُكَبّرُواْ الله } علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص والتيسير ، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة ، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فوات بركات الشهر ، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه ؛ لأن مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللاً لما سبق ، ولذا قال من لم يبلغ درجة الكمال : إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل/ بحاله ولكونه مغايراً له بالإجمال ، والتفصيل يصح عطفه عليه ، وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً ، وإجمالاً ثانياً وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء ، وجوز أن تكون عللاً لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير ولتكملوا العدة أوجب عليكم عدة أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله : ليسهل أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الأعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة كما مر ، ولك أن لا تقدر شيئاً أصلاً وتجعل العطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل : بعد فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك ، وقيل : إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } عطفاً على { يُرِيدُ } إذ لا معنى لقولنا يريد لعلكم تشكرون ، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد ، ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها عدل بعضهم عن الجميع ، وجعل الكلام من الميل مع المعنى ؛ لأن ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل : رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ ، ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم ، والمراد من التكبير الحمد والثناء مجازاً لكونه فرداً منه ولذلك عدي بعلي ، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية ناسب أن يعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضاً ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن زيد بن أسلم أن المراد به التكبير يوم العيد ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه التكبير عند الإهلال ، وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول : { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله } وعلى هذين القولين لا يلائم تعليل الأحكام السابقة ، و( ما ) يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي الذي هداكموه أو هداكم إليه ، والمراد من الشكر ما هو أعم من الثناء ولذا ناسب أن يجعل طلبه تعليلاً للترخيص الذي هو نعمة فعلية . وقرأ أبو بكر عن عاصم { وَلِتُكَمِّلُواْ } بالتشديد .
( ومن باب الإشارة ) :وشهر رمضان هو وقت احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجليات القرب الذي أنزل فيه القرآن ، وهو العلم الإجمالي الجامع هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع ، ودلائل مفصلة من الجمع ، والفرق فمن حضر منكم ذلك الوقت/ وبلغ مقام الشهود فليمسك عن كل شيء إلا له ، وبه ، وفيه ، ومنه ، وإليه ، ومن كان مبتلى بأمراض القلب والحجب النفسانية المانعة عن الشهود ؛ أو على سفر وتوجه إلى ذلك المقام فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إليه يريد الله بكم اليسر والوصول إلى مقام التوحيد ، والاقتدار بقدرته ولا يريد بكم العسر وتكلف الأفعال بالنفس الضعيفة ولتكلموا عدة المراتب ولتعظموا الله تعالى على هدايته لكم إلى مقام الجمع { ولعلكم تشكرون } [ البقرة : 185 ] بالاستقامة .
قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم لعلكم تشكرون } . الشهر من الإشهار وهو الإعلان والإظهار ، وفعله أشهر يشهر ، نقول شهر السيف أي سله ، وشهر فلانا أو أشهره أي أبرزه وجعله ظاهرا ، وشهر الحديث بين الناس أي أفشاه فاشتهر{[225]} .
ورمضان من الفعل رمض رمضا أي اشتد حره . وفي الحديث الشريف : " شكونا إلى رسول الله ( ص ) الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا " ورمض الصائم يرمض إذا احترقت جوفه من شدة العطش . والرمضاء هي الحجارة شديدة الحر ، ومنها اشتق اسم رمضان ، وقد سمي بذلك لما وافقت تسميته الزمن الذي سمي فيه إذ كان شديد الحر كالرمضاء ، ويجمع رمضان على رمضانات وأرمضة وأرمضاء ، وقيل أيضا رماضين{[226]} .
وثمة قول وجيه في تعليل هذه التسمية وهو أنه سمي بذلك ؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة . وذلك من الإرماض ومعناه الإحراق{[227]} .
وقوله : { الذي أنزل فيه القرآن } أي أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة ، وكان ذلك في شهر رمضان وفي ليلة القدر بالذات . وفي ذلك يقول سبحانه { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وبعد إنزال القرآن إلى السماء الدنيا في تلك الليلة الكريمة المباركة تقرر تنزيله منجما على النبي ( ص ) تبعا للأحوال والظروف ومقتضيات الحياة .
وقوله : { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } هذه حقيقة كاملة يقف عليها العارفون بهذا الدين ، العاملون بالكتاب الحكيم وما ينطوي عليه من روائع الإعجاز في مختلف المناحي والضروب ، سواء في ذلك روعة البيان والأسلوب أو روعة التشريع في كماله وشموله واتساعه بما يغطي واقع الحياة كلها ، أو روعة التربية وتهذيب النفس بما يصنع الأعاظم من الرجال والعظيمات من النساء على نحو فذ عجيب وكيفية غريبة لا نظير لها في تاريخ الأفراد والأناسي .
وذلك الذي يدفعنا للقول مبادرين بأن القرآن جاء للناس هدى ، فهو فيه هدايتهم وما يأخذ بأيديهم ونفوسهم وطبائعهم وأذهانهم وكل أسباب الحياة والمعايش إلى الخير والسعادة وإلى الأمن والرشاد ، وما يقتضيه ذلك من معاني العدل والفضل والاستقامة والتعاون والتواد .
وكذلك فإن القرآن { بينات من الهدى والفرقان } أي أنه يحمل للبشرية دلائل وبراهين فيها الهداية والتفريق الجلي الواضح بين الحق والباطل .
وقد قدمنا في مطلع تفسير الآية أن هذا الشهر عظيم الفائدة والقدر . وهو ليس كغيره من الشهور ، بل إنه خيرها وسيدها ، وإن فيه كبير الأجر للعاملين المخلصين ، وكبير الوزر على الخاطئين العصاة أو الساهين الناكبين عن شريعة الله وعن قسطاسه العدل .
وفي عظمة الشهر وجليل قدره أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين " .
وروى النسائي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " أتاكم رمضان شهر مبارك ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب جهنم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم " .
وروى النسائي عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله ( ص ) " إن الله تعالى فرض رمضان عليكم ، وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .
قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } من اسم شرط . ( شهد ) فعل ماض والجملة الفعلية في محل جزم للشرط . ( الشهر ) ظرف زمان منصوب وليس مفعولا به . والفاء مقترنة بجواب الشرط . واللام للأمر يصمه مجزوم بلام الأمر وأصلها يصومه . والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به . ومعنى الآية أن من حضر شهر رمضان وكان غير معذور إلا هادم لركن عظيم من أركان هذا الدين ، ومقارف لمعصية فظيعة هي إحدى الكبائر من الذنوب{[228]} .
وفي هذا الصدد من الحديث عن الصيام وفرضيته على كل مسلم عاقل بالغ مقيم صحيح البدن ، نعرض لجملة مسائل لنناقشها مناقشة فقهية .
المسألة الأولى : فهم بعض أهل العلم أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر أثناءه فإنه لا يجوز له أن يفطر بحجة السفر ، بل إنه يباح الإفطار للمسافر الذي أقبل عليه الشهر وهو في حال السفر . وقد استندوا في هذا الرأي إلى ظاهر قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فالذي حضر الشهر أثناء السفر له أن يفطر .
ولا نظن هذا القول إلا مرجوحا ضعيفا ، وبذلك فهو قول لا يعول عليه ، والرد عليه من السنة واضح ، فقد ثبا عن النبي ( ص ) أنه خرج من شهر رمضان لغزوة الفتح ، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر .
المسألة الثانية : في الإفطار في السفر ، هل هو واجب أم مباح ؟ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه مباح وليس واجبا ، وأن صورة الأمر الواردة في الآية لا تفيد الوجوب ، بل تفيد التخيير ، فالمسافر مخير بين الصيام والإفطار .
وذهب آخرون من العلماء إلى وجوب الإفطار في السفر استنادا إلى ظاهر قوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) وفي تصورنا أن هذا الرأي ( الثاني ) مرجوح لا يعول عليه فهو بذلك غير معتمد . وقول الجمهور هو الصحيح . ويعزز ذلك ما روي أن الصحابة كانت تخرج مع النبي ( ص ) وفيهم الصائم والمفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم . وبذلك فإنه لو كان الإفطار واجبا لأمرهم النبي ( ص ) به ولأنكر عليهم الصيام .
المسألة الثالثة : أيهما أفضل في السفر الصيام أم الإفطار ؟ فقد قال الشافعي : إن الصيام أفضل ؛ وذلك لما ثبت عن النبي ( ص ) أنه كان يصوم في السفر .
وقال آخرون : إن الإفطار للمسافر أفضل ؛ وذلك نظرا للرخصة بالإفطار حال السفر . وكذلك لما سئل النبي ( ص ) عن الصوم في السفر قال : " من أفطر فحسن ، ومن صام فلا جُناح عليه " وفي حديث آخر " عليكم برخصة الله التي رخص لكم " .
وذهب آخرون إلى أن الصيام والإفطار في السفر سواء ؛ وذلك لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله ! إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " .
ولعل الصواب في هذه المسألة أن من شق عليه الصوم في السفر حتى بلغ منه حرجا ، فإن الإفطار في حقه أفضل . ودليل ذلك حديث جابر أن النبي ( ص ) رأى رجلا قد ظلل عليه ، فقال : " ما هذا ؟ " قالوا : صائم . فقال : " ليس من البر الصيام في السفر " أما إن كان الصوم لا يشق عليه في السفر ، ولا يبلغ به الحرج والجهد ، فإن الراجح لدينا إذ ذاك أن الصوم أفضل والله تعالى أعلم{[229]} .
المسألة الرابعة : هل يجب القضاء متتابعا أو يجوز فيه التفريق ؟
ثمة قولان في الإجابة عن ذلك . وأحد هذين القولين أنه يجب التتابع في قضاء الصوم بحيث تصام الأيام متتابعة يتلو أحدها الآخر دون تفريق بينها بإفطار يوم أو أيام ، وليس من دليل على ذلك إلا الاحتجاج بأن القضاء يشبه الأداء ويقوم مقامه . والأداء لا يكون إلا متتابعا فكذلك القضاء .
وثان هذين القولين وهو الصحيح . وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف إذ ذهبوا جميعا إلى أن التتابع في صوم القضاء غير واجب ، فالصائم قضاء إن شاء تابع وإن شاء فرق تفريقا . وتوجيه هذا القول أن التتابع إنما وجب في الشهر ؛ لضرورة أدائه في نفس الشهر . وأما بعد انقضاء الشهر ( رمضان ) فلا يبقى بعد ذلك إلا المقصود وهو صيام عدة أيام . وذلك بعدد الأيام التي أفطرها المعذور في رمضان ؛ ومن أجل ذلك قال سبحانه : ( فعدة من أيام أخر ) وذلك بإطلاق ليس فيه تحديد بالتتابع ، بل إن الآية تنطوي على المقصود الأساسي وهو وجوب صيام عدة أيام على سبيل القضاء من غير اشتراط بتتابع{[230]} .
وثمة مسألة هامة أخرى جديرة بالاعتبار والنظر ، وهي ما لو رؤي الهلال في بلد ، فهل يلزم الصيام كل البلدان الأخرى ؟ وفي ذلك تفصيل نبينه في الآتي : إذا رؤي هلال رمضان في بلد فقد لزم الصيام كل البلدان الأخرى القريبة من بلد الرؤية ، كما لو رؤي في بغداد مثلا وجب على أهل المدن الأخرى غير النائية كالبصرة والكوفة أن يصوموا . وكذا لو رؤي في دمشق لزم أهل حمص وحماة وحلب أن يصوموا ، أي أن البلدان القريبة تلتزم بحكم الرؤية ، سواء كان ذلك في هلال رمضان الموجب للصيام ، أو في هلال شوال الموجب للإفطار حيث العيد . وإذا لم يره القريبون من بلد الرؤية فليس ذلك إلا لتقصيرهم في الملاحظة والتأمل لرؤية الهلال ، أو لعارض طرأ فحجب عنهم الرؤية . وذلك ما ليس فيه خلاف .
لكن الخلاف في اختلاف رؤية الهلال عند تباعد البلدان ، وذلك كما بيم المشرق والمغرب . وهو أن يُرى الهلال في العراق ولم يُر في المغرب . أو رؤي في دمشق ولم يُر في اليمن أو الحجاز . وذلك للبعد بين بلد الرؤية والبلدان الأخرى .
على أن السبب في عدم الرؤية عند تباعد البلدان هو اختلاف مطالع القمر تبعا لكروية الأرض ، وصغر حجم القمر إذا ما قورن بالأرض ، فإذا رؤي الهلال في أقصى المشرق ربما لم يره أهل المغرب في نفس الليلة . وكذا ما بين شمال الأرض وجنوبها ، فإن كان كذلك ، كان في المسألة من حيث حكم الصيام ثلاثة أقوال :
القول الأول : وهو أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم جميع المسلمين أن يصوموا ؛ وذلك لقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ولقوله عليه الصلاة والسلام : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين ) {[231]} .
وهذا يقتضي وجوب الصيام في حق الجميع لمجرد الرؤية في بلد . وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية وأكثر المالكية{[232]} .
القول الثاني : وهو أنه إذا كانت البلدان بعيدة بعدا عظيما عن بلد الرؤية فلا تلتزم بالصيام ، وإنما يلزم الصيام بلد الرؤية دون غيره ؛ وذلك نظرا لاختلاف مطالع القمر مما يقتضي رؤية الهلال في بلد دون غيره من البلدان النائية . وهو قول الحنفية وأكثر الشافعية وبعض المالكية{[233]} وقد احتجوا بحديث كريب ، وهو ما يعول عليه كثيرا في هذه المسألة .
فقد روى الجماعة عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام ، فقال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم . ورآه الناس وصاموا وصام معاوية . فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه . فقلت : ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله ( ص ) .
وموضع الاستدلال هنا هو قوله : " هكذا أمرنا رسول الله ( ص ) " . والأمر المشار إليه هو ما قاله ابن عباس : " فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل عدة شعبان ثلاثين يوما " . أي أن أهل البلد النائي والذين لم يروا الهلال لم يلزمهم حكم رؤيته في البلد الآخر ، بل عليهم التربص حتى يروا الهلال أو يكملوا الثلاثين . ويؤيد ذلك ما رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما " ولا ينبغي أن يفهم من واو الجماعة هنا الاستغراق ليجب الصيام في حق الجميع بمجرد الرؤية في أي بلد ، بل إن الاستغراق هنا منوط ببلد الرؤية دون البلدان النائية الأخرى . وهو ما أشار إليه ابن عباس في تصريحه بالرفع إلى رسول الله ( ص ) وهو قوله : " هكذا أمرنا " .
ونقتضب جملة تقريرات من أقوال الفقهاء المشاهير من مختلف المذاهب في هذه المسألة :
فقد جاء في أحكام القرآن لابن العربي وهو من مشاهير المالكية في هذه المسألة : " واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا ، فقيل : رده ؛ لأنه خبر واحد ، وقيل : رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح . ونظيره ما لو ثبت أنه أهلّ ليلة الجمعة بأغمات ( غرب مراكش ) وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من إشبيلية ، وهذا يدل على اختلاف المطالع " {[234]} .
وقال الإمام الماوردي – من مشاهير الشافعية- في هذا الصدد : " إذا رأوه في بلد دون بلد فثلاثة أوجه : أحدها : يلزم الذين لم يروا ؛ لأن فرض رمضان لا يختلف باختلاف البلاد . والثاني : لا يلزمهم ؛ لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان ، وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم ، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر ؟ وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر ، ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله فكذلك الهلال ، إن كانا من إقليم لزمهم وإلا فلا{[235]} .
وقال صاحب المجموع في ذلك : " إذا رؤي الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره ، فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف ، وإن تباعدا فوجهان مشهوران ، أصحهما : لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى . والثاني : يجب . وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه خبر واحد ، وأنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين والصحيح أنه رده لاختلاف المطالع بين الأقطار " {[236]} .
وجاء في كتاب البدائع للكساني- من مشاهير الحنفية- قوله في هذا الصدد : " إذا كانت المسافة بين البلدين بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر ؛ لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر " {[237]} .
القول الثالث : وقد ذكره بعض أهل العلم ، وهو متعلق بدور الإمام الأعظم في هذه المسألة ؛ فقد قالوا ؛ إن للإمام الأعظم أن يلزم المسلمين جميعا با ث تاب البدائع للكسائييح أنه رده لاختلاف المطالع بين الأقطار " رؤية الهلاال في بلدالأخرى . حكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد اللصوم إذا ثبت له الرؤية حيث يقيم ، ووجه ذلك : أن بلاد الإسلام في حقه كالبلد الواحد ؛ فلا فرق عنده بين بلد وآخر ، أو بين إقليم وإقليم ، فحكمه يكون نافذا في الجميع .
قوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } هذه العبارة القصيرة عظيمة في مقصودها وما ترمي إليه من مدلول أساسي كبير يكشف عن طبيعة هذا الدين في اليسر والحنيفية .
إن الإسلام وهو دين الفطرة البشرية يقوم في أركانه وتفصيلاته عن عبادات وتشريع على التسهيل والتيسير ونفي الحرج . وتلك حقيقة تتجلى في طبيعة هذا الدين الميسور وهو يواكب حياة الإنسان بدءا بكونه جنينا مستورا ومرورا بمراحل حياته من الرضاع إلى الطفولة إلى اليفوع إلى الشباب إلى الشيخوخة ، وانتهاء بمماته وزوال ظله عن هذه الدنيا .
إن الإسلام دين البشرية على اختلاف أجناسها وأعراقها ومشاربها طيلة الدهر وفي كل أرجاء هذه المعمورة . ومن أجل ذلك بات ضروريا أن يجيء الإسلام ميسرا غير معسر ، وأن يكون أصلا قائما على قواعد من اليسر توافق طبيعة الإنسان ، وتلائم فطرته التي تنفر من الإعنات والتضييق ، وتضيق بالقسوة المرهقة والتنطع الممجوج .
وفي ذلك يحدثنا النبي ( ص ) عن هذه الحقيقة الجلية بما يكشف عن طبيعة الإسلام في التيسير . فقال عليه السلام : " إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره " {[238]} وقال عليه الصلاة والسلام : " إن دين الله في يسر " قالها ثلاثا . وذلك بعد ما سأله الناس : علينا حرج في كذا ؟ {[239]} .
وفي حديث الأنس بن مالك أن رسول الله ( ص ) قال : " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا " {[240]} .
وفيما ترويه المسانيد والسنن من حديث النبي ( ص ) هذا المشهور " بعثت بالحنيفية السمحة " .
وعنه ( ص ) أنه قال : " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر " {[241]} .
وقوله : ( ولتكملوا العدة ) أي أن الله أمر بقضاء عدة أيام لتكتمل عدة الشهر ، سواء كان هذا الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين ، فإن المهم أن يقضي المعذور ما عليه من أيام ليكتمل في حقه الشهر فتبرأ بذلك ذمته من حق الله سبحانه .
وقوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم } فإن غالب أقوال العلماء تذهب إلى ترسيخ التكبير في عيد الفطر ؛ استنادا إلى هذه الأيام . وهو قول كل مسلم في هذا اليوم : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا ، لكنهم اختلفوا في حد التكبير من حيث بدايته ونهايته . فقال عبد الله بن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا . وروي عنه أيضا أن المرء يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة .
وقال سفيان الثوري : هو التكبير يوم الفطر . وقال زيد بن أسلم : يكبر المسلم إذا خرج إلى المصلى ، فإذا نقضت الصلاة انقضى العيد ، وهو مذهب الإمام مالك . وقيل غير ذلك . وأساس القضية تكبير الله سبحانه ، ويتحقق ذلك أولا باللسان وهو يلهج بتعظيم الله جل جلاله في ترديد هذه العبارة الضخمة ذات المدلول الزاخر العظيم " الله أكبر " ويتحقق ثانيا بالقلب حيث المشاعر والوجدان والحس ، وحيث الضمير وما يرسخ فيه من وازع مؤثر وإحساس مرهف هذه الجوانب الأساسية في تركيبة الإنسان تعتبر مصدرا أساسيا وعظيما تنبثق منه طاقات الإنسان وقدراته ، لتبعث في الحياة زخما هائلا من الفعالية والتأثير ومن العطاء والإيجابية .
إن هذه الجوانب الهامة في الإنسان تتلاقى فيما بينها جميعا لتعلن في تصديق كامل وفي يقين ضارب في أعماق النفس أن الله هو الأكبر . فهو أكبر من كل كبير ، وأنه أعظم من كل عظيم ، بل إنه في عظمته وكبريائه يهون دونه كل كبير أو عظيم .
ذلك ما يردده المؤمن سواء في أيام الفطر والأضحى ، أو في بقية الأيام جميعا . فهو يردد بلسانه على الدوام أن الله هو الكبير ، بل إنه أكبر من كل كبير ، لا باللسان وحده ، ولكن يأتي اللسان مقترنا بالقلب وما ينبثق عنه من طاقات شعورية ووجدانية . حتى إذا ذكر المؤمن ربه وكبره بلسانه وقلبه تكبيرا ثم أخبت له طائعا خاشعا عاملا بما أمر ومنتهيا عما زجر ، بات من الشاكرين لله سبحانه ، السائرين على صراطه وما هداهم إليه ؛ لذلك قال : { ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } .