روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (203)

{ واذكروا الله } أي كبروه إدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها . { فِي أَيَّامٍ معدودات } وهي ثلاثة أيام التشريق ، وهو المروي في المشهور عن عمرو وعلي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها أربعة أيام بضم يوم النحر إليها ، واستدل بعضهم للتخصيص بأن هذه الجملة معطوفة على قوله سبحانه . { فاذكروا الله } [ البقرة : 200 ] الخ فكأنه قيل : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله في أيام معدودات ، والفاء للتعقيب فاقتضى ذلك إخراج يوم النحر من الأيام ، ومن اعتبر العطف والتعقيب وجعل بعض يوم يوماً استدل بالآية على ابتداء التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر ، واستدل بعمومها من قال : يكبر خلف النوافل . واستشكل وصف أيام بمعدودات لأن أياماً جمع يوم وهو مذكر ، ومعدودات واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف تقع صفة له ، فالظاهر معدودة ووصف جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز ، وأجيب بأن معدودات جمع معدود لا معدودة ، وكثيراً ما يجمع المذكر جمع المؤنث كحمامات وسجلات ، وقيل : إنه قدر اليوم مؤنثاً باعتبار ساعاته ، وقيل : إن المعنى أنها في كل سنة معدودة ، وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة ولا يخفى ما فيه .

{ فَمَن تَعَجَّلَ } أي عجل في النفر أو استعجل النفر من منى ، وقد ذكر غير واحد أن عجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب ، والمطاوعة عند الزمخشري أوفق لقوله تعالى : { وَمَن تَأَخَّرَ } كما هي كذلك في قوله :

قد يدرك المتأني بعض حاجته *** وقد يكون من ( المستعجل ) الزلل

لأجل المتأني ، وذهب بعض أرباب التحقيق إلى ترجيح التعدي لأن المراد بيان أمور العجل لا التعجل مطلقاً ، وقيل : لأن اللازم يستدعي تقدير ( في ) فيلزم تعلق حرفي جر أحدهما : المقدر والثاني : { فِى يَوْمَيْنِ } بالفعل وذا لا يجوز واليومان يوم القر ، ويوم الرؤوس ، واليوم الذي بعده . والمراد : فمن نفر في ثاني أيام التشريق قبل الغروب وبعد رمي الجمار عند الشافعية وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عندنا والنفر في أول يوم منها لا يجوز فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول ، والقول بأن التقدير في أحد يومين إلا أنه مجمل فسر باليوم الثاني ، أو في آخر يومين خروج عن مذاق النظر .

{ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } باستعجاله { وَمَن تَأَخَّرَ } في النفر حتى رمي في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده عندنا ، وعند الشافعي بعده فقط { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بما صنع من التأخر ، والمراد التخيير بين التعجل والتأخر ولا يقدح فيه أفضلية الثاني خلافاً لصاحب «الإنصاف » وإنما ورد بنفي الإثم تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فيه ، فمن مؤثم للمعجل ، ومؤثم للمتأخر { لِمَنِ اتقى } خبر لمحذوف واللام إما للتعليل أو للاختصاص ، أي ذلك التخيير المذكور بقرينة القرب لأجل المتقي لئلا يتضرر بترك ما يقصده من التعجيل والتأخر لأنه حذر متحرز عما يريبه ، أو ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقاً نظراً إلى عدم المخصص القطعي ، وإن كانت عامة لجميع المؤمنين مختصة بالمتقي لأنه الحاج على الحقيقة ، والمنتفع بها ، والمراد من التقوى على التقديرين التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك ولا يجوز حملها على التجنب عن الشرك لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين ، واستدل بعضهم بالآية على أن الحاج إذا اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه غفرت له ذنوبه كلها ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرج ابن جرير عنه أنه فسر الآية بذلك ثم قال : إن الناس يتأوّلونها على غير تأويلها ، وهو من الغرابة بمكان .

{ واتقوا الله } في جميع أموركم التي يتعلق بها العزم لتنتظموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة ، أو احذروا الإخلال بما ذكر من أمور الحج { واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للجزاء على أعمالكم بعد الإحياء والبعث ، وأصل الحشر الجمع وضم المفرق وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به ، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي له إلى ملازمة التقوى ، وقدم إليه للاعتناء بمن يكون الحشر إليه ولتواخي الفواصل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (203)

قوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) يأمر الله عباده أن يذكروه في أيام معدودات والمراد بالأيام المعدودات أيام منى وهي أيام التشريق وعدتها على الأرجح أربعة أيام . وهي يوم النحر والأيام الثلاثة الأخرى بعده ، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو موسى الأشعري وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والزهري وغيرهم كثيرون .

وقيل : إن الأيام المعدودات ثلاثة هي يوم النحر ويومان آخران بعده ، وللحاج أن يذبح في أيهن شاء . وهو مذهب علي بن أبي طالب .

وما يحتج به للقول الأول قوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ) وظاهر ذلك يدل على أن عدة هذه الأيام بعد يوم النحر أكثر من يومين . وفي الحديث ما يؤيد ذلك . فقد ورد عن النبي ( ص ) قوله : " وأيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " والأيام الثلاثة هي غير يوم النحر . والحاج الذي يريد أن يتعجل المقام للرمي في يومين يصير مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر .

على أن هذه الأيام المعدودات يراد للمسلمين فيها أن يذكروا الله بالتكبير بعد الصلوات المكتوبات . وصورة التكبير في هذه الأيام الجليلة العطرة أن يهتف المؤمنون جميعا : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد .

وثمة خلاف بين العلماء في مدة التكبير من أيام العبد . فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس : إن مدة التكبير من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق . وقال ابن مسعود وأبو حنيفة أنها من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر . وقال مالك : مدة التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وهو قول الشافعي .

وهي أيام عيد المسلمين يتلاقون فيها على صعيد العقيدة المتينة الصلبة ، عقيدة الإيمان الواعي والتوحيد الخالص ، يضاف إلى ذلك ما يظلل المسلمين في هذه الأيام من أفياء المودة والطمأنينة والحبور وهم يعيشون أياما ملؤها السلام والخير . وفي ذلك يقول الرسول ( ص ) : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب وذكر الله " . {[282]}

وعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " {[283]} .

وعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى أن لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل .

قوله : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) أيام منى للذبح والرمي عدتها بالتمام ثلاثة أيام غير يوم النحر كما بينّاه في كحينه . فيوم النحر للنحر ، والثلاثة الأخرى لرمي الجمار ، ذلك لمن أراد لمقام للنسك على التمام ، لكن الذي يتعجل فيرى في يومين بعد يوم النحر فجائز ولا إثم عليه . يدل على ذلك ما أخرجه الدارقطني والترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ( ص ) وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى " الحج عرفه ، فمن جاء ليلة جَمْع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ، أيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " ويراد بقوله : " جمع " المزدلفة . وقيل في سبب التسمية بذلك لاجتماع آدم وزوجته حواء فيها ، أما منى فقد سميت بذلك لكثرة ما يمنى أي يراق فيها من دماء الذبائح{[284]} .

وقوله : ( لمن اتقى ) متعلق بالغفران . والتقدير أن مغفرة الله تكون لمن يتقي ربه من العباد فيقبل عليه بدوام التوبة والطاعة وينتهي عن مناهيه ومعاصيه .

وقوله : ( واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) أمر الله عباده بتقواه وذلك أن يخشوه حق الخشية ، وأن يذكروه في السر والعلن ، وأن يبعدوه كأنما يرونه ، فهم بذلك يقبلون على طاعته إقبالا ، ويدبرون عن معصيته إدبارا . وليعلموا دائما أنهم في آخر الأمر راجعون إليه ، وأنهم محشورون ثم موقوفون بين يديه جميعا ولا يعزب منهم عن سلطانه وحسابه أحد .


[282]:- رواه أحمد عن عقبة بن عامر.
[283]:- رواه أحمد عن نبيشة الهذلي.
[284]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 178 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 245.