{ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } أي أوجدت حسنة وجعلت محبوبة في قلوبهم فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وأعرضوا عما سواها ولذا أعرض أهل الكتاب عن الآيات وبدلوها ؛ وفاعل التزيين بهذا المعنى حقيقة هو الله تعالى وإن فسر بالتحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كما في قوله تعالى : { لأزَيّنَنَّ لَهُمْ في الأرض ولأغوينهم } [ الحجر : 9 3 ] كان فاعل ذلك هو الشيطان والآية محتملة لمعنيين ، والتزيين حقيقة فيهما على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب .
{ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } الموصول للعهد ، والمراد به فقراء المؤمنين كصهيب وبلال وعمار أي يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ، و{ مِنْ } للتعدية وتفيد معنى الابتداء كأنهم جعلوا لفقرهم ورثاثة حالهم منشأ للسخرية وقد يعدى السخر بالباء إلا أنه لغة رديئة ، والعطف على ( زين ) وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار ، وجوز أن تكون الواو للحال و( يسخرون ) خبر لمحذوف أي وهم يسخرون ، والآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين ويقولون لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً لاتبعه أشرافنا ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وقيل : نزلت في ابن أبيّ بن سلول ، وقيل : في رؤساء اليهود ، ومن بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين وعن عطاء لا مانع من نزلها في جميعهم .
{ والذين اتقوا } هم الذين آمنوا بعينهم وآثر التعبير به مدحاً لهم بالتقوى وإشعاراً بعلة الحكم ، ويجوز أن يراد العموم ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً . { فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } مكاناً لأنهم في عليين وأولئك في أسفل السافلين ، أو مكانة لأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة ، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وإيثار الاسمية للدلالة على دوام مضمونها ، وفي ذلك من تسلية المؤمنين ما لا يخفى . { والله يَرْزُقُ } في الآخرة { مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بلا نهاية لما يعطيه ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : هذا الرزق في الدنيا ، وفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزئ بهم أموال بني قريظة والنضير ، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلاً لكلا الحكمين .
قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب ) الحياة بما فيها من متاع وزخرف ولذة مقدور لها أن تكون محببة للإنسان ، وأن تكون له باعثا للافتتان والاستحسان . والإنسان من جهته مفطور على حب الخير بكل ما في الخير من معنى أو صورة ، وهو ذو طبيعة غلابة جُبلت على الافتتان بزينة الحياة الدنيا ، سواء في ذلك المال أو النسل أو الشهر أو غير ذلك من ألوان الشهوات ، وهذه حقيقة التركيب المفطور لدى الإنسان ، وما من أحد إلا وقد حُببت إليه الزينة بكل صورها ومظاهرها : وفي ذلك يقول الله في آية أخرى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) .
أما ذكره الذين كفروا في الآية هنا ؛ فذلك لشدة إقبالهم على الحياة الدنيا وزخرفها وزيتها من غير أن يرعوا في ذلك حلال أو حراما ومن غير أن يعبأوا بشرع أو دين ، فهم يتهافتون على الشهوات بكل أسلوب أو وسيلة ، لا يودعهم عن ذلك تورع أو تقوى حتى ولا حساب من ضمير أو وجدان .
أما المؤمنون فهم يأخذون بحظهم من زينة الحياة الدنيا على نحو ما بينه الله لهم من شرائع وحدود دون مجاوزة أو اعتداء . ومثل هذا الأخذ مباح ومشروع مادام غير متجانف لإثم ولا مقارف لعدوان على حقوق الله أو الناس .
والكافرون وهم يقبلون على الشهوات في تهافت جامح ، فإنهم يسخرون من المؤمنين الفقراء الذين لا يملكون غير القليل من الزاد والمؤونة أو دون ذلك ، إنهم يسخرون منهم لإقلالهم وقلة ما لديهم من متاع .
ثم يبين الله في إخبار صارم أن هؤلاء الكفرة الذين ملكوا الزينة والثراء في هذه الدنيا ، سيأتون يوم القيامة أذلة خزايا وقد غشيتهم كل غواشي العار والمهانة والإحساس بالندم . ولسوف يكون المؤمنون فوقهم سواء في المكان إذ يرتقون إلى أعلى عليين في الجنة ، والكافرون دونهم في النار في أسفل سافلين ، أو في المرتبة العالية حيث الاحتفاء والتكريم للمؤمنين ، والزراية والحقار للكافرين .
قوله : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي أن الله سبحانه وتعالى يفيض بالرزق على من يشاء من عباده من غير عد أو حصر . ويؤيد هذا المعنى ما قاله النبي ( ص ) : " أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرض إقلالا " .
وقيل : إن الله يرزق عباده وليس له في الخلق محاسب يحاسبه على فعله وعلى تصرفه في تقسيم الرزق وإعطائه للناس . والأول أظهر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.