{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } تذكير بنعمة أخرى ؛ لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم ، والظاهر من الميثاق هنا العهد ، ولم يقل : مواثيقكم ؛ لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقاً واحداً ولعله كان بالانقياد لموسى عليه السلام ، واختلف في أنه متى كان ؟ فقيل : قبل رفع الطور ، ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } [ النساء : 154 ] الخ ، وقيل : كان معه { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } الواو للعطف ، وقيل : للحال ، والطور قيل : جبل من الجبال ، وهو سرياني معرب ، وقيل : الجبل المعين . وعن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا ، وكان على قدر عسكرهم فرسخاً في فرسخ ورفع فوقهم قدر قامة الرجل ، واستشكل بأن هذا يجري مجرى الإلجاء/ إلى الإيمان فينافي التكليف ، وأجاب الإمام بأنه لا إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة بلا عماد جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف ، وقال العلامة : كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول اختياري ، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان وفيه كما قال الساليكوتي إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف ب { خُذُواْ } الخ مع القسر ، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار فالحق أنه إكراه لأنه حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه لو خلي ونفسه فيكون معدماً للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول ، وهذا كالمحاربة مع الكفار ، وأما قوله : { لا إِكْرَاهَ في الدين } [ البقرة : 256 ] وقوله سبحانه : { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس : 99 ] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به .
{ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } هو على إضمار القول أي قلنا أو قائلين خذوا وقال بعض الكوفيين : لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق قول ، والمعنى : وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم ، وليس بشيء والمراد هنا بالقوة الجد والاجتهاد كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل ، فحينئذ لا تصلح الآية دليلاً لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال : خذ هذا بقوة ، إلا والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل .
{ واذكروا مَا فِيهِ } أي ادرسوه واحفظوه ولا تنسوه ، أو تدبروا معناه ، أو اعلموا بما فيه من الأحكام ، فالذكر يحتاج أن يراد به الذكر اللساني والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما ، والمقصود منهما أعني العمل .
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى ، وقد ذكر ههنا أن كلما لعل متعلقة بخذوا ، واذكروا إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب ، والمعنى : خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى ، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم ، وجوز المعتزلة كونها متعلقة بقلنا المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي : قلنا واذكروا إرادة أن تتقوا ، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة ، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة بخذوا أيضاً على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب ، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز ، وفيه أن القول المذكور وهو { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال خذوا ما آتيناكم طالباً منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم .
هذا ، ومن باب الإشارة والتأويل في الآية : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ طُورِ } الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها ، أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب ، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد وقلنا { خُذُواْ } أي اقبلوا { مَا ءاتيناكم } [ البقرة : 3 6 ] من كتاب العقل الفرقاني بجد ، وَعُوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بإمهاله وحكمه بأفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة .
إلى الله يدعى بالبراهين من أبى *** فإن لم يجب بادته بيض الصوارم
قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) أخذ الله على بني إسرائيل الميثاق وهو العهد الذي واثقهم به أن يؤمنوا به وبرسله ، وأن يتبعوا التوراة وما فيها من هداية ونور إلا أنهم نقضوا كل ما طوقوا به أنفسهم من العهود والمواثيق . وبعد ذلك خوفهم الله تخويفا أحسوه عيانا ، إذ رفع فوقهم الطور ليهتدوا ويتبعوا ما أنزل إليهم ، واختلف أهل التأويل في حقيقة الطور فقد قيل : إن المقصود به طور سيناء وهو الطور المقدس ، الذي كلم الله نبيه موسى عليه وأنزل عليه التوراة فيه ، وقيل : إنه جبل من الجبال قد رفعه الله فوق اليهود ليرعبهم وليحملهم على اتباع ما أنزل إليهم ، وقيل غير ذلك .
قوله تعالى : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) أراد الله جلت قدرته أن يزلزل بني إسرائيل لفرط عصيانهم وتمردهم واختلافهم على أنبيائهم ولشدة مخالفتهم عن أمر الله ، فرفع الجبل فوق رؤوسهم حتى أيقنوا أنه ساقط عليهم فمدمرهم تدميرا ، وذلك كي تلين نفوسهم للحق وتستقيم طبائعهم بعد اعوجاج وطول أرجحة وميوعة ، فيقبلوا على الله باتباع دينه والعمل بما جاءت به التوراة . يبين ذلك ويوضحه ما قاله سبحانه في الآية الأخرى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) والنتق هو الرفع فقد رفع الله الجبل فوق رؤوسهم ، ليخافوا ثم يتبعوا كلام الله فقال وهم في هذه الحالة من الخوف الشديد بعد أن نتق فوقهم الجبل ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) أي ألزموا أنفسكم بالتوراة التي أعطيناكم إياها لتكون لكم هاديا ومنيرا ، وخذوها بقوة أي بجد واهتمام وعزيمة لا بضعف وهزل ورخاوة كما هي حالكم من الخور والميوعة ، وفي قوله : ( بقوة ) ما يكشف عن طبيعة بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام ، وهي طبيعة تقوم على الرخاوة واللامبالاة وعدم الجد بحيث لا يناسبها الأسلوب الين الكريم أو الخطاب المؤثر الحاني وإنما يناسبها الحزم والشدة ، ويؤثر فيها الترويع والعقاب حق تأثير ، ومثل هذه المعاني يكشف عنها قوله سبحانه : ( بقوة ) ويكشف عنها كذلك نتق الجبل فوق رؤوسهم تهديدا لهم وترغيبا حتى انصاعوا للأمر فخروا ساجدين ، وبغير هذا الأسلوب القاسي ، المحسوس لا يصلح لمثل هؤلاء القوم شأن ، فلا الحجة الدامغة ولا البرهان الساطع ، ولا الخطاب الكريم الذي يلج في النفس فيؤثر فيها تأثيرا ، ولا الأساليب الأخلاقية العالية التي تستنهض فطرة الإنسان ، ولا غير ذلك من أسباب المنطق وأثارة الوجدان يمكن أن يحمل مثل هؤلاء على الالتزام بشرع الله والسير على صراطه المستقيم .
ولعل مثل هؤلاء القوم مجرد نموذج منن البشر الذي لا يثنيه عن الباطل غير القوة ، فلا أحسب أن هؤلاء القوم وحدهم لا يستجيبون إلا للقوة ولكن أصنافا كثيرة من البشر في مختلف البقاع والأزمنة وفي مختلف الأجناس والملل لا يرعون إلا إذا أحاطت بهم الشدة وأخذوا بأسلوب العصا الغليظة ، ويعزز هذه الحقيقة الحديث الشريف الذي يتسم بالعمومية والشمول إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
وقوله : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) أمرهم سبحانه أن يأخذوا التوراة ، ليتدبروا ما فيها وليعوها وعيا تاما وافيا ، فعسى أن يكون في ذلك ما يقيهم العذاب ويدرأ عنهم الشدائد في الدنيا والآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.