روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (67)

{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقاً كان مستملاً على ذكر المساوي أيضاً من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك ، وقد يقال : هو على نمط ما تقدم ؛ لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين ، وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام . وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال : إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية وليس بالبعيد .

وأول القصة : قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } [ البقرة : 2 7 ] الخ ، وكان الظاهر أن يقال قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا ، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال ، وترك المصارعة إلى الامتثال ، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة ، ولذهبت تثنية التقريع ، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص ، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد ، وقيل : إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى بذبح البقرة ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه والقصة أنه عمد إخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما أخي أبيهما فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ، ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا ، ويخبر بقاتله ، وقيل : كان القاتل أخا القتيل ، وقيل : ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه ، وقيل : إنه كان تحت رجل يقال له عاميل بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان ، وقرأ الجمهور ( يأمركم ) بضم الراء ، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس وإبدال الهمزة ألفاً ، و{ أَن تَذْبَحُواْ } من موضع المفعول الثاني ليأمر ، وهو على إسقاط حرف الجر أي بأن تذبحوا .

{ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا ؟ فأجيب بذلك ، والاتخاذ كالتصيير ، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و{ هُزُواً } مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف كمكان ، أو أهل أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } [ المائدة : 6 9 ] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل ، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها ، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق ، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به ، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة ، ومن هنا قال بعضهم : إن إجابتهم نبيهم حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له/ إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام ، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب ، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام . ومن الناس من قال : كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية ، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم ، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء ، فأجابوا بما أجابوا ، وقيل : استفهموا على سبيل الاسترشاد لا على وجه الإنكار والعناد .

وقرأ عاصم وابن محيصن { يتخذنا } بالياء على أن الضمير لله تعالى . وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع { هزأ } بالإسكان ، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واواً ، والباقون بالضم والهمزة والكل لغات فيه .

{ هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } أي من أن أعد في عدادهم ، والجهل كما قال الراغب له معان ، عدم العلم ، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه ، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً وهذا الأخير هو المراد هنا ، وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصداً إلى نفي ملزومه الذي رمي به وهو الاستهزاء على طريق الكناية ، وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعاً له ، إذ الهزء في مقام الإرشاد كاد يكون كفراً وما يجري مجراه ، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] سائغ شائع وفرق بين المقامين وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى : { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنون : 97 ] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك ، والأول أولى وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام والفرق بين الهزء والمزح ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياناً كما لا يخفى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (67)

وقوله تعالى : ( وإذ قال يا موسى لقومه ، إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قالوا إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون )

لهذه الآيات مناسبة تتفق الروايات على أنها جاءت لتبين قصة قتيل من بني إسرائيل لم يعرف قاتله فأمرهم الله بذبح بقرة ، ومما يلاحظ في اختيار البقرة بالذات دون غيرها من الأنعام أو البهائم أن ذلك شديد الصلة بعبادة بني إسرائيل للعجل ، فأراد الله أن يبين لهؤلاء أن ما عبدوه من عجل ليس إلا صربا من الأوثان التي لا تضر ولا تنفع . وأنه كائن هين مهين أعجم لا يملك من العقل والإرادة ما ينجو به من المخاطر المحتملة ، مخاطر الذبح وغيره فها هو ذا يهبط على الأرض ذبيحا بعد أن فصدت عنقه السكين الناحرة الحادة ، فكيف يليق بذي عقل أن يثني ساجدا عابدا لمثل هذه الدابة العجماء ؟ .

أما قتيل بني إسرائيل فقد ذكر أنه كان ذا مال كثير ولم يكن له أولاد يرثونه إلا بعض أولي قربى ، فاستعجل هؤلاء الميراث قبل أوانه فقتلوا مورثهم المالك ثم اختفوا فتحاكموا إلى موسى لينظر في الأمر أو يطلعهم على القاتل ، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة – أية بقرة من غير تقييد بوصف أو شرط . ولو أنهم بادروا في هوادة وبساطة ليذبحوا بقرة من البقر ، صغيرة أو كبيرة ومهما كان لونها أو هيأتها لأجزأ ذلك عن المطلوب ولكنهم- كما قيل- شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم بعد أن ألحوا في الطلب المتكرر واستقصوا في معرفة الصفات استقصاء يتحرج منه كل تقي فهيم ، وآلوا إلا أن يستوضحوا في مغالاة متنطعة كانوا في غنى عنها لو كانوا أتقياء متورعين أو كانوا معتدلين كراما يجملون في الطلب ويقدرون الله حق قدره .

والبقرة اسم جنس وهي تطلق على الذكر والأنثى ، والجمع بقر أو بقرات وهي من الفعل بقر يبقر ، بقرت الشيء أي شققته أو فتحته فتحا ، ويسمى فلان بالباقر لأنه يبقر كل حجاب ليصل إلى صميم الحقيقة والعلم بعد أن يشق طريقه إلى ذلك شقا ، وبقرت البطن أي شققته لبلوغ الجوف . وتبقر في العلم أو المال أي توسع فيه وسميت البقرة بذلك لإمكان شق الأرض وحرثها بالمحراث عن طريقها . {[75]}

أمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا مجرد بقرة على طريق الوصول إلى معرفة من قتل الرجل ذا المال ، لكن بني إسرائيل كان يعوزهم التواضع وسلامة الطبع والامتثال السريع لأمر الله فعجبوا لمثل هذا الأمر مستنكرين .

( قالوا أتتخذنا هزؤا ) قالوا جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل ، والجملة الفعلية وهي مقول القول في محل نصب مفعول به ، والضمير ( نا ) في محل نصب مفعول به أول ، هزؤا مفعول به ثان . والاستفهام هنا بمثابة استنكار من بني إسرائيل لطلب موسى بذبح البقرة ، وهو استنكار لا جرم أن يكون باعثه السفه والحماقة ، ولا يصدر ذلك أمام جناب الله سبحانه إلا عن قوم نضبت في نفوسهم منابع الخشية والورع وأفلت عن طبائعهم شمائل التواضع والاستحياء من الله فانفلتوا عن التذلل لسلطانه وأمره بالمساءلة الباغية المستنكرة ، على أن المطالبة بالذبح ما هي إلا ضرب من الاستهزاء الذي يترفع عنه كل تقي متواضع فكيف إذا كان الطالب نبيا عظيما كليما لله وهو موسى عليه السلام أحد المرسلين العظام أولي العزم ؟ فأجابهم موسى ليرد عليهم مقالتهم الظالمة وتخريصهم الجهول .

( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) أعوذ من العوذ وهو الاعتصام والالتجاء وموسى عليه السلام يعلن اعتصامه بربه والتجاءه إليه من أن يخوض في عبث من القول الساخر اللاغط مثلما يعرفه هؤلاء القوم وهم يلغظون في عبث سقيم وهزل فاضح .


[75]:القاموس المحيط جـ 1 ص 389.