روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا} (33)

{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله } أي حرمها الله تعالى ، والمراد حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد { إِلاَّ بالحق } متعلق بلا تقتلوا والباء للسببية والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ، ويجوز أن يكون الاً من الفاعل أو المفعول أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق أو لا تقتلوها إلا ملتبسة بالحق ، وجوزأن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحق والأول أظهر ، وأما تعلقه بحرم فبعيد وإن صح ، وفسر الحق بما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة ، ونقض الحصر بدفع الصائل فإن ذلك ربما أدى إلى القتل ، ودفع بأن المراد ما يكون بنفسه مقصوداً به القتل وما ذكر المقصود به الدفع وقد يفضي إليه في الجملة ، والحق عدم انحصار الحق فيما ذكر وهو في الخبر ليس بحقيقي ، وقد ذهب الشافعية إلى أن ترك الصلاة كسلاً مبيح للقتل وكذا اللواطة عند جمع من الأجلة .

{ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } بغير حق يوجب قتله أو يبيحه للقاتل حتى أنه لا يعتبر إباحته لغير القاتل فقد نص علماؤنا أن من عليه القصاص إذا قتله غير من له القصاص يقتص له ولا يفيد قول الولي أنا أمرته بذلك إلا أن يكون الأمر ظاهراً { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ } لمن يلي أمره من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث ، واقتصار البعض على الأول رعاية للأغلب { سلطانا } أي تسلطاً واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين القصاص أو الدية ، وقد تتعين الدية كما في القتل الخطا والمقتول خطا مقتول ظلماً بالمعنى الذي أشير إليه وإن قلنا لا إثم في الخطا لحديث «رفع عن أمتي الخطا » وشرع الكفارة فيه لعدم التثبت واجتناب ما يؤدي إليه فليتأمل .

واستدل بتفسير الولي بالوارث على أن للمرأة دخلاً في القصاص .

وقال القاضي إسماعيل : لا تدخل لأن لفظه مذكر { فَلاَ يُسْرِف } أي الولي { فّى القتل } أي فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلاً والقاتل واحد كعادة الجاهلية فإنهم كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا قاتله وقتلوا معه غيره ، ومن هنا قال مهلهل :

كل قتيل في كليب غره . . . حتى ينال القتل آل مره

وإلى هذا ذهب ابن جبير وأخرجه المنذر من طريق أبي صالح عن ابن عباس أو بأن يقتل غير القاتل ويترك القاتل . وروى هذا عن زيد بن أسلم ؛ فقد أخرج البيهقي في سننه عنه أن الناس ف يالجاهلية إذا قتل من ليس شريفاً شريفاً لم يقتلوه به وقتلوا شريفاً من قومه فنهى عن ذلك بأن يزيد على القتل المثلة كما قيل .

وأخرج ابن جرير وغيره عن طلق بن حبيب أنه قال : لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به ، وقيل بأن يقتل القاتل والمشروع عليه الدية . وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة أنه قال في الآية : من قتل بحديدة قتل بحديدة ومن قتل بخشبة قتل بخشبة ومن قتل بحجر قتل بحجر ولا يقتل غير القاتل . وفيه القول بأن القتل بالمثقل يوجب القصاص وهو خلاف مذهبنا .

وقرأ حمزة . والكسائي { فَلا } بالخطاب للولي التفاتاً ، وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة { سلطانا فَلاَ يُسْرِف } بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر وفيه مبالغة ليس في الأمر { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } تعليل للنهي ، والضمير للولي أيضاً على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فلا يبغ ما وراء حقه ولا يخرج من دائرة أمرة الناصر .

وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد أن الضمير للمقتول على معنى أن الله تعالى نصره في الدنيا بأخذ القصاص أو الدية وفي الأخرى بالثواب فلا يسرف وليه في شأنه ، وجوز أن يعود على الذي أسرف به الولي أي أنه تعالى نصره بإيجاب القصاص والتعزيز والوزر على من أسرف في شأنه ، وقيل ضمير يسرف للقاتل أي مريد القتل ومباشرة ابتداء ونسبه في «الكشاف » إلى مجاهد ، والضميران في التعليل عائدان على الولي أو المقول ، وأيد بقراءة أبي { فَلا * تُسْرِفُواْ } لأن القاتل متعدد في النظم في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ } والأصل توافق القراءتين ، ولم تعينه لأن الولي عام في الآية فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون التفاتاً ، وتوافق القراءتين ليس بلازم ، والمعنى فلا يسرف على نفسه في شأن القتل بتعريضها للهلاك العاجل والآجل . وفي «الكشف » أنه ردع للقاتل على أسلوب { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } [ البقرة : 179 ] والنهي عن الإسراف لتصوير أن القتل بغير حق كيف ما قدر إسراف ، ومعناه فلا يقتل بغير حق وأنت تعلم أن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه ، وهذه الآية كما أخرج غير واحد عن الضحاك أول آية نزلت في شأن القتل وقد علمت الأصح أنه أكبر الكبائر بعد الشرك ، وكون القتل العمد العدوان من الكبائر مجمع عليه ، وعد شبه العمد منها هو ما صرح به الهروي وشريح الروياني ، وأما الخطأ فالصواب أنه ليس بمعصية فضلاً عن كونه ليس بكبيرة فليحفظ .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا} (33)

قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ، وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إيمانه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفساً بغير نفس فيقتل بها " . { ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً } ، أي : قوةً وولاية على القاتل بالقتل ، قال مجاهد . وقال الضحاك : سلطانه هو أنه بتخير ، فإن شاء استقاد منه ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا . { فلا يسرف في القتل } ، قرأ حمزة و الكسائي : ولا تسرفوا بالتاء يخاطب ولي القتيل ، وقرأ الآخرون : بالياء على الغائب أي : لا يسرف الولي في القتل . واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه ، فقال ابن عباس ، وأكثر المفسرين : معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه . قال سعيد بن جبير : إذا كان القاتل واحداً فلا يقتل جماعة بدل واحد ، وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفاً لا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه . وقال قتادة : معناه لا يمثل بالقاتل . { إنه كان منصوراً } ، فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله : { ومن قتل مظلوماً } يعني : إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله ، هذا قول مجاهد . وقال قتادة : الهاء راجعة إلى ولي المقتول ، معناه : إنه منصور على القاتل باستيفاء منه أو الدية . وقيل في قوله : { فلا يسرف في القتل } إنه أراد به القاتل المعتدي ، يقول : لا يتعدى بالقتل بغير الحق ، فإنه إن فعل ذلك فولي المقتول منصور من قبلي عليه باستيفاء القصاص منه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا} (33)

وقوله - تعالى - : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق . . } .

فهذه وإن كانت فواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية ، يميل إليها الإِنسان بشهوته . بل هى فى نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد الإِنسان فى نفسه مرارة ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها ، أو فى حكم الكاره . . .

وقوله : { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } تعليل للنهى عن الاقتراب منه ، أى : ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته ، لأنه كان - وما زال - فى شرع الله ، وفى نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه ، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه .

ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التى تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة فى الأفراد والمجتمعات ، وما وجدت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا .

ولقد تحدث الإِمام الرازى عن تلك المفاسد التى تترتب على الزنا فقال ما ملخصه :

الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد ، أولها : اختلاط الأنساب واشتباهها ، فلا يعرف الإِنسان أن الولد الذى أتت به الزانية ، أهو منه أو من غيره . . .

وثانيا : أنه إذا لم يوجد سبب شرعى لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة ، لم يبق فى حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل .

وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا ، استقذرها كل طبع سليم ، وحينئذ لا تحل الألفة والمحبة ، ولا يتم السكن والازدواج . .

ورابعها : أنه إذا فتح باب الزنا ، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإِنسان ، وبين سائر البهائم فرق فى هذا الباب .

وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة للرجل فى ترتيب المنزل وإعداد مهماته . . وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد ، منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا .

. . فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح .

ولقد سد الإِسلام جميع المنافذ التى تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة ، وسلك لذلك وسائل من أهمها :

1- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء إلا فى حدود الضرورة الشرعية ، ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم " .

" وروى الشيخان - أيضا - عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والدخول على النساء " . فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو - بفتح الحاء وسكون الميم - وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال صلى الله عليه وسلم : " الحمو الموت " " أى : دخوله قد يؤدى إلى الموت .

2- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية . ووجوب غض البصر .

قال - تعالى - : { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ . . } وقال - سبحانه - : { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . } وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام . . . والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " .

3- وجوب التستر والاحتشام للمرأة ؛ فإن التبرج والسفور يغرى الرجال بالنساء ، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما .

قال - تعالى - : { ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ . . } 4- الحض على الزواج ، وتيسير وسائله ، والبعد عن التغالى فى نفقاته ، وتخفيف مؤنه وتكاليفه . . فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإِنسان ، ويجعله يقضى شهوته فى الحلال . .

فإذا لم يستطع الشاب الزواج ، فعليه بالصوم فإنه له وقاية - كما جاء فى الحديث الشريف - .

5- إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء ، كما قال - تعالى - : { الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين } وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى ، أما بالنسبة للمحصن وهو المتزوج أو الذى سبق له الزواج ، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى ، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة .

" ففى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى زان لم يتزوج وزانية متزوجة ، بقوله لوالد الرجل : " على ابنك مائة جلدة وتغريب عام " ثم قال صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه واسمه أنيس : " اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها " فغدا عليها فاعترفت فرجمها " .

ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله - تعالى - على الزناة ، لمحقت هذه الفاحشة محقا ، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه - عز وجل - لتركها خوفا من تلك العقوبة الرادعة ، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد .

هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة ، ولو اتبعها المسلمون ، لطهرت أمتهم من رجسها ، ولحفظت فى دينها ودنياها .

ثم نهى - سبحانه - عن قتل النفس المعصومة الدم ، بعد نهيه عن قتل الأولاد ، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال - تعالى - : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } .

أى : ولا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها ، إلا بالحق الذى يبيح قتلها شرعا ، كردة ، أو قصاص ، أو زنا يوجب الرجم .

قال الإِمام ابن كثير : يقول - تعالى - ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعى ، كما ثبت فى الصحيحين - عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزانى المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

وفى السنن : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم " .

وقوله : { إلا بالحق } متعلق بلا تقتلوا ، والباء للسببية ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى : لا تقتلوها فى حال من الأحوال ، إلا فى حال ارتكابها لما يوجب قتلها .

وذلك : لأن الإِسلام ينظر إلى وجود الإِنسان على أنه بناء بناه الله - تعالى - فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق .

وبهذا يقرر الإِسلام عصمة الدم الإِنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة ، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا . قال - تعالى - : { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . . } وقوله - سبحانه - : { وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل عند المطالبة بحقه .

والمراد بوليه : من يلى أمر المقتول ، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من أقاربه الذين لهم الحق فى المطالبة بدمه . فإن لم يكن للمقتول ولى ، فالحاكم وليه .

والمراد بالسلطان : القوة التى منحتها شريعة الله - تعالى - لولى المقتول على القاتل ، حيث جعلت من حق هذا الولى المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو أخذ الدية منه ، أو العفو عنه ، ولا يستطيع أحد أن ينازعه فى هذا الحق ، أو أن يجبره على التنازل عنه .

والمعنى : ومن قتل مظلوما ، أى : بدون سبب يوجب قتله ، فإن دمه لم يذهب هدرا ، فقد شرعنا { لوليه سلطانا } على القاتل ، لأنه - أى الولى - إن شاء طالب بالقصاص منه ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه . وبذلك يصير الولى هو صاحب الكلمة الأولى فى التصرف فى القاتل ، حتى لكأنه مملوك له .

وما دامت شريعة الله - تعالى - قد أعطت الولى هذا السلطان على القاتل ، فعليه أن لا يسرف فى القتل ، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله - تعالى - .

ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين - مثلا - فى مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير القاتل ، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله .

قال الآلوسى ما ملخصه : كان من عادتهم فى الجاهلية ، أنهم إذا قتل منهم واحدا ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره . . .

وأخرج البيهقى فى سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس فى الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا ، لم يقتلوه به ، وقتلوا شريفا من قومه ، فنهوا عن ذلك ، كما نهوا عن المثلة بالقاتل .

وقرأ حمزة والكسائى : { فلا تسرف } بالخطاب للولى على سبيل الالتفات .

وقوله : { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإِسراف فى القتل . والضمير يعود إلى الولى - أيضا - .

أى : فلا يسرف هذا الولى فى القتل ، لأن الله - تعالى - قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم ، من مظاهره : المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو بأخذ الدية ، ومن مظاهره - أيضا - وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل ، دون أن ينازعه منازع فى هذا الحق .

ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله { إنه } يعود إلى المقتول ظلما ، على معنى : أن الله - تعالى - قد نصره فى الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا يضيع دمه ، ونصره فى الآخرة بالثواب الذى يستحقه ، وما دام الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف فى القتل .

ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب . لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة .

قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأشبه ذلك بالصواب عندى ، قول من قال : عنى بها - أى بالهاء فى إنه - الولى ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول ، وهى إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور - أيضا - لأن الله - جل ثناؤه - قضى فى كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء ، واستبقاءه على الدية إن أحب ، والعفو عنه إن رأى . وكفى بذلك نصرة له من الله - تعالى - ، فلذلك هو المعنى بالهاء التى فى قوله { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } .

والمتأمل فى هذه الآية الكريمة التى هى أول آية نزلت فى شأن القتل كما قال الضحاك : يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما .

فهى أولا : تنهى عن القتل ، لأنه من أكبر الكبائر التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه ، قال - تعالى - : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } .

وجاء النهى عنه فى بعض الآيات بعد النهى عن الإِشراك بالله - عز وجل - . قال - سبحانه - : { والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق . . } كما جاء النهى عنه فى كثير من الأحاديث النبوية ، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء " .

وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " الآدمى بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب " .

وفى حديث ثالث : " لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم الله فى النار " .

وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه ، أنه يؤدى إلى شيوع الغل والبغض والتقاتل . . . بين الأفراد والجماعات ؛ إذ النفس البشرية فى كل زمان ومكان ، يؤلمها ، ويثير غضبها وانتقامها ، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على الأرض . .

وهى ثانيا : تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة ، ما يهدئ نفسه ، ويقلل من غضبه ، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة .

وقد أجاد صاحب الظلال - رحمه الله - فى توضيح هذا المعنى فقال :

" وفى تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم لنصرته ، تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذى تستشعره نفس الولى ، الغليان الذى قد يجرفه ويدفعه غلى الضرب يمينا وشمالا ، فى حمى الغضب والانفعال على غير هدى . فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل . وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ، ونفسه تسكن ، ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ " .

والإِنسان إنسان ، فلا يطالب بغير ما ركب فى فطرته من الرغبة العميقة فى القصاص . لذلك يعترف الإِسلام بهذه الفطرة ويلبيها فى الحدود المأمونة ، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا . إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ، ويحبب فيه ، ويأجر عليه ، ولكن بعد أن يعطى الحق . فلولى الدم أن يقتص أو يصفح .

وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما ، قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ، ويدفع به إلى الغلو والجموح .

هذا ، والذى نعتقده وندين الله - تعالى - عليه ، أنه لا علاج لجريمة القتل - وغيرها - إلا بتطبيق شريعة الله - تعالى - التى جمعت بين الرحمة والعدل .

وبالرحمة والعدل : تتلاقى القلوب بعد التفرق ، وتلتئم بعد التصدع ، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا} (33)

قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا } .

ذلك نهي غليظ عن معصية فظيعة كبرى وهي قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق . وحقها أن لا تقتل إلا بكفر بعد إسلام ، أو زنا بعد إحصان أو تقتل قودا بنفس ، وفي ذلك ورد في الصحيحين أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزاني المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

والأصل في قتل النفس التحريم . وإزهاق النفس بغير حق جريمة فظيعة لا يفوقها في البشاعة والنكر غير الإشراك بالله . وفي الحديث : " لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم " والنفس المؤمنة ذات شأن وقدر عظيمين في ميزان الله . والله جل وعلا يجب أن يُعبد في الأرض حق العبادة . ومن عبدته المؤمنون من البشر الذين يؤمنون به إيمانا ويسبحون بحمده في كل آن ، ويذكرونه قياما وقعودا وفي كل الأحوال .

ذلكم هو الإنسان المؤمن الذي كتب الله أن يصان دمه فلا يُعتدى عليه أيما اعتداء . وما الاعتداء على المسلم بالقتل إلا ذروة العدوان الصارخ وقمة المعاصي والموبقات التي تودي بالمجرمين القتلة إلى جهنم وبئس المصير .

قوله : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) ( قتل مظلوما ) . أي قتل دون حق . وذلك بغير ما تبين من أسباب وهي القتل والزنا والردة . والولي من الولْي ، بسكون اللام ، ومعناه القرب . والمقصود ههنا : النسب الذي هو البعضية ؛ فكل من ينتسب إليه بنوع من أنواع البعضية فهو ولي .

واختلف العلماء في المراد بالولي ؛ فقد قيل : يراد به الوارث مطلقا ؛ فكل من ورث القتيل فهو وليه . واختلفوا في دخول النساء في الدم ؛ فقد قيل بدخولهن لعموم الآية . وقيل : بعدم دخولهن .

قوله : ( سلطانا ) معناه حجة ، يجوز له بمقتضاها قتل القاتل ؛ فهو بذلك إن شاء قتل ، وإن شاء عفا على الدية ، وإن شاء عفا مطلقا ؛ أي من غير دية ؛ وذلك لما صح عن رسول الله ( ص ) قال يوم فتح مكة : " ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : بين أن يقتل ، أو يأخذ الدية " على أن تشريع السلطنة لولي القتيل المظلوم على هذه الكيفية لهو أنف وأصلح للناس انسجاما مع فلسفة الإسلام المراعية للفطرة البشرية المختلفة لدى الناس . وهم ما بين راغب في انتقام لنفسه من الجاني ، أو راغب في ماله يأخذه دية عن قتيله وكفى ، أو راغب في عفو مطلقا . لكن التوراة لم تقرر غير القتل تشريعا لجناية القتل العمد . وعلى النقيض منها الإنجيل ؛ إذ لم يقرر القصاص ولا الدية . وإنما أوجب العفو مطلقا . فكل من الكتابين إنما يراعي صنفا من البشر دون الأصناف الأخرى . لكن شريعة الإسلام قد راعت كل أصناف البشر على اختلاف رغباتهم وطبائعهم وأهوائهم .

قوله : ( فلا يسرف في القتل ) أي لا يقتل غير قاتله ؛ فقد كان أهل الجاهلية إذ قتل رجل رجلا ، عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل فقتله بوليه وترك القاتل ؛ فنهى الله عن ذلك ؛ لأنه إسراف في القتل . وقيل : لا يقتل بدل وليه اثنين ، كما كانت العرب تفعله .

وقيل : لا يمثل بالقاتل . وقيل : كل ذلك إسراف منهي عنه .

قوله : ( إنه كان منصورا ) الهاء ، عائدة على القتل . وقيل : على الولي . وقيل : على المقتول . {[2680]} والراجح أنها عائدة على الولي ؛ لأنه أقرب مذكور ، ولأنه ولي دم المقتول ، وقد سلطه الله على القاتل الظالم ، فليكتف بهذا القدر فإنه يكون فيه منصورا ولا ينبغي أن يطمع فيما هو أكثر{[2681]} .


[2680]:- البيان لابن الانباري جـ2 ص 90.
[2681]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 38 وأحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1196، 1197 وتفسير الرازي جـ20 ص 205.