روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحجرات

مدنية كما قال الحسن وقتادة وعكرمة وغيرهم في مجمع البيان عن ابن عباس إلا آية وهي قوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ولعل من يعتبر ما أخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل والبزار في مسنده من طريق الأعمش عن علقمة عن عبد الله قال : ما كان { يا أيها الذين آمنوا } أنزل بالمدينة وما كان { يا أيها الناس } فبمكة يقول بمكية استثنى والحق أن هذا ليس بمطرد وذكر الخفاجي أنها في قول شاذ مكية وهي ثماني عشرة آية بالأجماع ولا يخفى تواخيها مع ما قبلها لكونهما مدنيتين مشتملتين على أحكام وتلك فيها قتال الكفار وهذه فيها قتال البغاة وتلك ختمت بالذين آمنوا وهذه فتتحت بالذين آمنوا وتلك تضمنت تشريفات له صلى الله تعالى عليه وسلم خصوصا مطلعها وهذه أيضا في مطلعها أنواع من التشريف له عليه الصلاة والسلام وفي البحر مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهر لأنه عز وجل ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه قال سبحانه { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الخ فربما من المؤمن عامل الصالحات بعض شيء مما ينبغي أن ينهي عنه فقال جل وعلا تعليما للمؤمنين وتهذيبا لهم

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } وتصدير الخطاب بالنداء لتنبيه المخاطبين على أن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته ، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه ورادع عن الإخلال به .

و { تُقَدّمُواْ } من قدم المبتعدى ، ومعناه جل الشيء قدماً أي متقدماً على غيره ، وكان مقتضاه أن يتعدى إلى مفعولين لكن الأكثر في الاستعمال تعديته إلى الثاني بعلى تقول : قدمت فلاناً على فلان ، وهو هنا محتمل احتمالين . الأول أن يكون مفعوله نسيا والقصد فيه إلى نفس الفعل وهو التقديم من غير اعتبار تعلقه بأمر من الأمور ولا نظر إلى أن المقدم ماذا هو على طريقة قوله تعالى : { هُوَ الذي يحي ويميت } [ غافر : 68 ] وقولهم : يعطي ويمنع ، فالمعنى لا تفعلوا التقديم ولا تتلبسوا به ولا تجعلوه منكم بسبيل . والثاني أن يكون قد حذف مفعوله قصداً إلى تعميمه لأنه لاحتماله لأمور لو قدر أحدها كان ترجيحاً بلا مرجح يقدر أمراً عاماً لأنه أفيد مع الاختصار ، فالمعنى لا تقدموا أمراً من الأمور ، والأول قيل أوفى بحق المقام لإفادته النهي عن التبيس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله بالطريق البرهاني ، ورجح الثاني بأنه أكثر استعمالاً ، وبأن الأول تنزيل المتعدى منزلة اللازم وهو خلاف الأصل والثاني سالم منه ، والحذف وإن كان خلاف الأصل أيضاً أهون من التنزيل المذكور لكثرته بالنسبة إليه ، وبعضهم لم يفرق بينهما لتعارض الترجيح عنده وكون مآل المعنى عليهما العموم المناسب للمقام ، وذكر أن في الكلام تجوزين . أحدهما في «بين » الخ فإن حقيقة قولهم بين يدي فلان ما بين العضوين فتجوز بذلك عن الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه باطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما فهو من المجاز المرسل . ثانيهما استعارة الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته تصوير الهجنته وشناعته بصورة المحسوس فيما نهوا عنه كتقدم الخادم بين يدي شيده في سيره حيث لا مصلحة ، المراد من { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } لا تقطعوا أمراً وتجزموا به وتجترؤوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم به ويأذنا فيه ، وحاصله النهي عن الأقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة .

وجوز أن يكون { تُقَدّمُواْ } من قدم اللازم بمعنى تقدم كوجه وبين ، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة منه ، ويعضده قراءة ابن عباس . وأبي حيوة . والضحاك . ويعقوب . وابن مقسم { لاَ تُقَدّمُواْ } بفتح التاء والقاف والدال ، وأصله تتقدموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً لأنه من التفعل وهو المطاوع اللازم ، ورجح ما تقدم بما سمعت وبأن فيه استعمال أعرف اللغتين وأشهرهما ، لا يقال : الظرف إذا تعلق به العامل قد ينزل منزلة المفعول فيفيد العموم كما قرروه في { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة : 4 ] فليكن الظرف ههنا بمنزلة مفعول التقدم مغنياً غناءه ، والتقدم بين يدي المرء خروج عن صفة المتابعة حساً فهو أوفق للاستعارة التمثيلية المقصود منها تصوير هجنة الحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته بصورة المحسوس ، فتخريج { لاَ تُقَدّمُواْ } على اللزوم أبلغ ولا يضره عدم الشهرة فإنه لا يقاوم إلا بلغية المطابقة للمقام لما أشار إليه في الكشف من أن المراد النهي عن مخالفة الكتاب والسنة ، والتعدية تفيد أن ذلك بجعل وقصد منه للمخالفة لأن التقديم بين يدي المرى أن تجعل أحداً أما نفسك أو غيرك متقدماً بين يديه وذلك أقوى في الذم وأكثر استهجاناً للدلالة على تعمد عدم المتابعة لا صدورها عنه كيفما اتفق فافهم ولا تغفل .

وجوز أن يكون { بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } من باب أعجبني زيد وكرمه فالنهي عن التقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : لا تقدموا بين يدي رسول الله ، وذكر الله تعالى لتعظيمه عليه الصلاة والسلام والإيذان بجلالة محله عنده عز وجل ومزيد اختصاصه به سبحانه ، وأمر التجوز عليه على حاله ، وهو كما قال في الكشف أوفق لما يجيء بعده ، فإن الكلام مسوق لاجلاله عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان استحقاق هذا الإجلال لاختصاصه بالله جل وعلا ومنزلته منه سبحانه فالتقدم بين يدي الله عز شأنه أدخل في النهي وأدخل . وإن جعل مفصوداً بنفسه على ما مر فالنهي عن الاستبداد بالعمل في أمر ديني لا مطلقاً من غير مراجعة إلى الكتاب والسنة ، وعليه تفسير ابن عباس على ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وأبو نعيم في الحلية عنه أنه قال : أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ، وكذا ما أخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عنه قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا .

ووجه الدلالة على هذا أن كلامه عليه الصلاة والسلام أريد به ما ينقله عنه تعالى ولفظه أيضاً ، وما اللفظ من الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان المعنى من الوحي أو أراد كلام كل واحد من الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام ، وما أخرج عبد بن حميد . والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهما عن مجاهد أنه قال في ذلك : لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه يخرج على نحو التخريج الأول لكلام ابن عباس ويكون مؤيداً له ، وبعضهم يروى أنه قال : لا تفتاتوا على الله تعالى شيئاً حتى يقصه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل مؤيداً لكلام ابن عباس أيضاً ، وفسر التقدم بين يدي الله تعالى لأن التقدم بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام مكشوف المعنى ، ثم إن كل ذلك من باب بيان حاصل المعنى في الجملة .

وفي الدر المنثور بعد ذكر المروى عن مجاهد حسبما ذكرنا قال الحفاظ : هذا التفسير على قراءة { تُقَدّمُواْ } بفتح التاء والدال وهي قراءة لبعضهم حكاها الزمخشري وأبو حيان وغيرهما ، وكأن ذلك مبني على أن { تُقَدّمُواْ } على هذه القراءة من قدم كعلم إذا مضى في الحرب ويأتي من باب نصر أيضاً إذ الافتيات وهو السبق دون ائتمار من يؤتمر أنسب بذلك .

واختار بعض الأجلة جعله من قدم من سفره من باب علم لا غير كما يقتضيه عبارة القاموس ، وعليه يكون قد شبه تعجيلهم في قطع الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر من سفره إيذاناً بشدة رغبتهم فيه نحو { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] واختلف في سبب النزول ، فأخرج البخاري . وابن المنذر . وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أمّر القعقاع بن معبد ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : بل أمّر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : ما أردت إلا خلافي ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } حتى انقضت الآية » وأخرج عبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر عن الحسن أن أناساً ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يعيدوا ذبحاً فأنزل الله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، وفي الكشاف عنه أن أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت وأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر ، والأول ظاهر في أن النزول بعد الأمر والذبح قبل الصلاة يستلزم الذبح قبل رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينحر بعدها كما نطقت به الأخبار ، وإلى عدم الأجزاء قبل ذهب الإمام أبو حنيفة والأخبار تؤيده ، أخرج الشيخان . والترمذي . وأبو داود . والنسائي عن البراء قال : " ذبح بردة بن نيار قبل الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أبدلها فقال : يا رسول الله ليس عندي إلا جذعة فقال صلى الله عليه وسلم : اجعلها مكانها ولن تجزي عن أحد بعدك " وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أول ما نبدى به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء " وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح قبل الصلاة الحديث ، وفي المسألة كلام طويل محله كتب الفروع فراجعه أن أردته ، وعن الحسن أيضاً لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدءوه بالمسألة حتى يكون عليه الصلاة والسلام هو المبتدىء ، وأخرجّابن جرير . وغيره عن قتادة قال : ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون : لو أنزل في كذا وكذا لكان كذا وكذا فكره الله تعالى ذلك وقدم فيه .

وقيل : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلاً عليهم المنذر بن عمرو الساعدي فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة فاعتزيا لهم إلى بني عامر لأنهم أعز من سليم فقتلوهما وسلبوهما ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بئسما صنعتم كانا من سليم أي كانا من أهل العهد لأنهم كانوا معاهدين والسلب ما كسوتهما فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ونزلت أي لا تعملوا شيئاً من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج الطبراني في الأوسط . وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : إن ناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } وفي رواية عن مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وكانت قد تبنته في اليوم الذي يشك فيه فقالت للجارية : أسقيه عسلا فقلت : إني صائم فقالت : قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم وفيه نزلت { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ } الخ ، فالمعنى كما في المعالم لا تصوموا قبل صوم نبيكم ، وأول هذا صاحب الكشف فقال : الظاهر عندي أنها استدلت بالآية على أنه ينبغي أن يتمثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه ، وقد نهى عليه الصلاة والسلام وفيه نزلت أي في مثل هذا لدلالتها على وجوب الاتباع والنهي عن الاستبداد إذ لا يلوج ذلك التفسير على وجه ينطبق على يوم الشك وحده إلا بتكلف ، وهذا نظير ما نقل عن ابن مسعود في جواب المرأة التي اعترضت عليه أنه قرأت كتاب الله وما وجدت اللعن على الواشمة كما ادعاه رضي الله تعالى عنه من قوله : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما رأيت { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] قالت : بلى قال : فإنه نهى عنه .

وأنت تعلم بعد الرواية الأولى عن هذا التأويل ، ويعلم من هذه الروايات وغيرها أنهم اختلفوا أيضاً في تفسير التقدم ، وفي كثير منها تفسيره بخاص ، وقال بعضهم : إن الآية عامة في كل قول وفعل ويدخل فيها أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه في الجواب ، وأن لا يمشي بين يديه إلا للحاجة ، وأن يستأني في الافتتاح بالطعام ، ورجح بأنه الموافق للسياق ولما عرف في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي الكلام عليه بناء على ما قاله الطيبي مجاز باعتبار القدر المشترك الصادق على الحقيقة أيضاً دون التمثيل وتشبيه المعقول بالمحسوس ويسمى في الأصول بعمون المجاز وفي الصناعة بالكناية لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضاً ؛ ومن هنا يجوز إرادة لا تمشوا بين يديه صلى الله عليه وسلم ؛ وذكر عليه الرحمة أنه لا يقدر على هذا القول مفعول بل يتوجه النهي إلى نفس الفعل فتأمل ، ويحتج بالآية على اتباع الشرع في كل شيء وهو ظاهر مما تقدم ، وربما احتج بها نفاة القياس وهو كما قال الكيا باطل منهم . نعم قال الجلال السيوطي : يحتج بها على تقديم النص على القياس ، ولعله مبني على أن العمل بالنص أبعد من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم : { واتقوا الله } أي في كل ما تأتون وتذرون من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما نحن فيه { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لكل مسموع ومنه أقوالكم { عَلِيمٌ } بكل المعلومات ومنها أفعالكم فمن حقه أن يتقي ويراقب .

ومن باب الإشارة : في بعض الآيات : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] الخ إشارة إلى لزوم العمل بالشرع ورعاية الأدب وترك مقتضيات الطبع

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحجرات مدنية

وآياتها ثماني عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قرأ يعقوب : ( لا تقدموا ) بفتح التاء والدال من التقدم أي : لا تتقدموا ، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال ، من التقديم ، وهو لازم بمعنى التقدم مثل بين وتبين ، قيل : هو متعد على ظاهره ، والمفعول محذوف ، أي : لا تقدموا القول والفعل بين يدي الله ورسوله . قال أبو عبيدة : تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب ، أي : لا تعجل بالأمر والنهي دونه ، والمعنى : بين اليدين الأمام . والقدام ، أي : لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما . واختلفوا في معناه : روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى ، وهو قول الحسن ، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن ناساً ذبحوا قبل صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا محمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سليمان بن رحب ، حدثنا شعبة ، عن زيد ، عن الشعبي ، عن البراء قال خطبنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، قال : " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء " .

وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك ، أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة ، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم ، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد بن زرارة ، قال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس ، قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت في ذلك : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } حتى انقضت . ورواه نافع عن ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } إلى قوله : { أجر عظيم } ، وزاد : قال ابن الزبير : فما كان عمر يسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه ، ولم يذكر عن أبيه ، يعني أبا بكر . وقال قتادة : نزلت الآية في ناس كانوا يقولون : لو أنزل في كذا ، أو صنع في كذا وكذا ، فكره الله ذلك . وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه . وقال الضحاك : يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله . { واتقوا الله } ، في تضييع حقه ومخالفة أمره ، { إن الله سميع } لأقوالكم ، { عليم } بأفعالكم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " الحجرات " من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها ثماني عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة " المجادلة " .

2- والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أسمى الآداب ، وأبلغ العظات ، وأحكم الهدايات ، فهي تبدأ بنداء للمؤمنين ، تعلمهم فيه ما يجب عليهم نحو خالقهم –سبحانه- ، ونحو نبيهم صلى الله عليه وسلم من أدب .

قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، واتقوا الله إن الله سميع عليم . يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . ] .

3- ثم وجهت إليهم نداء ثالثا أمرتهم من خلاله بالتثبت من صحة الأخبار التي تصل إلى مسامعهم ، وبينت لهم جانبا من مظاهر فضل الله عليهم .

قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا آن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، ولكن الله حبب إليكم الإيمان ، وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ، أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ] .

4- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما يجب على المؤمنين نحو إخوانهم في العقيدة ، إذا ما دب بينهم نزاع أو قتال ، فأمرت بالإصلاح بينهم ، وبمقاتلة الفئة الباغية إذا ما أبت الصلح ، وأصرت على بغيها . .

قال –سبحانه- : [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ، إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، واتقوا الله لعلكم ترحمون ] .

5- ثم وجهت بعد ذلك إلى المؤمنين نداء رابعا نهتهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض ، أو أن يلمز بعضهم بعضا . ونداء خامسا أمرتهم فيه باجتناب الظن السيئ بالغير ، دون أن يكون هناك مبرر لذلك ، ونهتهم عن التجسس وعن الغيبة .

قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون . يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ، ولا يغتب بعضكم بعضا ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ، واتقوا الله إن الله تواب رحيم ] .

6- وبعد هذه النداءات المتكررة للمؤمنين ، وجهت نداء إلى الناس جميعا ، بينت لهم فيه أنهم جميعا قد خلقوا من ذكر وأنثى ، وأن أكرمهم عند الله هو أتقاهم وأخشاهم لله –تعالى- .

ثم ردت على الأعراب الذين قالوا آمنا دون أن يستقر الإيمان في قلوبهم ووضحت صفات المؤمنين الصادقين ، وأمرت كل مؤمن أن يشكر الله –تعالى- على نعمة الإيمان .

قال –سبحانه- : [ يمنون عليك أن أسلموا ، قل تمنوا علي إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين . إن الله يعلم غيب السموات والأرض ، والله بصير بما تعملون ] .

7- وهكذا نجد السورة الكريمة قد رسمت للمؤمنين طريق الحياة السعيدة ، حيث عرفتهم بما يجب عليهم نحو خالقهم –سبحانه- وبما يجب عليهم نحو نبيهم صلى الله عليه وسلم وبما يجب عليهم نحو أنفسهم ، وربما يجب عليهم نحو إخوانهم في العقيدة ، وبما يجب عليهم نحو أفراد المجتمع الإسلامي بصفة عامة .

وقد وضحت لهم كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، من شأنه أن يغرس في النفوس الخشوع والطاعة لله رب العالمين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كتبه الراجي عفو ربه

د . محمد سيد طنطاوي

القاهرة – مدينة نصر

19 من شهر ربيع الآخر 1406ه

31/12/1985م

افتتحت سورة " الحجرات " بهذا النداء المحبب إلى القلوب ، ألا وهو الوصف بالإِيمان ، الذى من شأن المتصفين به ، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله - تعالى - به ، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه .

افتتحت بقوله - تعالى - { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ } .

وقوله { تُقَدِّمُواْ } مضارع قَدِم اللازم بمعنى تقدم ، ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب - بكسر الدال فيهما - وهو اسم فاعل فيهما بمعنى تقدم .

ويصح أن يكون مضارع قدَّم المتعدى ، تقول : قدمت فلانا على فلان ، إذا جعلته متقدما عليه ، وحذف المفعول لقصد التعميم .

وقوله : { بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ } تشبيه لمن يتعجل فى إصدار حكم من أحكام الدين بغير استناد إلى حكم الله ورسوله ، بحالة من يقتدم بين يدى سيده أو رئيسه ، بأن يسير أمامه فى الطريق ، أو على يمينه أو شماله . وحقيقة الجلوس بين يدى الشخص : أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه أو شماله قريبا منه و أمامه .

قال الجمل قوله : { بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ } جرت هذه العبارة هنا على سنن من المجاز ، وهو الذى يسميه أهل البيان تمثيلا ، أى : استعارة تمثيلية ، شُبِّه تجل الصحابة فى إقدامهم على قطع الحكم فى أمر من أمور الدين ، بغير إذن الله ورسوله ، بحالة من تقدم بين يدى متبوعه إذا سار فى طريق ، فإنه فى العادة مستهجن . . والغرض تصوير كمال الهجنة ، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله .

أو المراد : بين يدى رسول الله ، وذكر لفظ الجلالة على سبيل التعظيم للرسول - صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله .

والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان : احذروا أن تتسرعوا فى الأحكام ، فتقولوا قولا ، أو تفعلوا فعلا يتعلق بأمر دينى ، دون أن تستندوا فى ذلك إلى الله - تعالى - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - { واتقوا الله } - تعالى - فى كل ما تأتون وتذرون ، إن الله سميع لأقوالكم ، عليم بجميع أحوالكم .

قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : هذه آداب أدب الله - تعالى بها عباده المؤمنين ، فيما يعاملون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التوقير والاحترام والتبجيل والإِعظام . فقال : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ } .

أى : لا تسرعوا فى الأشياء بين يديه . أى : قبله ، بل كونوا تبعا له فى جميع الأمور ، حتى يدخل فى عموم هذا الأدب الشرعى ، حديق معاذ ، إذ قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن : " بم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال فبسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيى " .

فالغرض منه أنه أخَّر رأيه ونظره واجتهاده ، إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدى الله ورسوله .

وقال الإِمام القرطبى ما ملخصه : قوله : { لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ } أى : لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله ، وقول رسوله وفعله ، فيما سبيه أن تأخذوا عنه من أمر الدين والدنيا . .

واختلف فى سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال منها :

ما ذكره الواحدى من حديث ابن جريج قال : حدثنى ابن أبى مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قد ركب من بنى تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أمِّر عليهم القعقاع بن معبد . وقال عمر : يا رسول الله ، أمِّر الأقرع بن حابسٍ ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافى . وقال عمر ما أردتُ خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت هذه الاية .

وقال قتادة : إن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل فىَّ كذا ، فنزلت هذه الآية .

وقال الحسن : نزلت فى قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن يعيدوا الذبح . وعلى آية حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين فى كل زمان ومكان عن أن يقولوا أو يفعلوا فعلا يتعلق بأمر شرعى ، دون أن يعودوا فيه إلى حكم الله ورسوله .