روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} (212)

{ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } أي أوجدت حسنة وجعلت محبوبة في قلوبهم فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وأعرضوا عما سواها ولذا أعرض أهل الكتاب عن الآيات وبدلوها ؛ وفاعل التزيين بهذا المعنى حقيقة هو الله تعالى وإن فسر بالتحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كما في قوله تعالى : { لأزَيّنَنَّ لَهُمْ في الأرض ولأغوينهم } [ الحجر : 9 3 ] كان فاعل ذلك هو الشيطان والآية محتملة لمعنيين ، والتزيين حقيقة فيهما على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب .

{ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } الموصول للعهد ، والمراد به فقراء المؤمنين كصهيب وبلال وعمار أي يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ، و{ مِنْ } للتعدية وتفيد معنى الابتداء كأنهم جعلوا لفقرهم ورثاثة حالهم منشأ للسخرية وقد يعدى السخر بالباء إلا أنه لغة رديئة ، والعطف على ( زين ) وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار ، وجوز أن تكون الواو للحال و( يسخرون ) خبر لمحذوف أي وهم يسخرون ، والآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين ويقولون لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً لاتبعه أشرافنا ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وقيل : نزلت في ابن أبيّ بن سلول ، وقيل : في رؤساء اليهود ، ومن بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين وعن عطاء لا مانع من نزلها في جميعهم .

{ والذين اتقوا } هم الذين آمنوا بعينهم وآثر التعبير به مدحاً لهم بالتقوى وإشعاراً بعلة الحكم ، ويجوز أن يراد العموم ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً . { فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } مكاناً لأنهم في عليين وأولئك في أسفل السافلين ، أو مكانة لأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة ، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وإيثار الاسمية للدلالة على دوام مضمونها ، وفي ذلك من تسلية المؤمنين ما لا يخفى . { والله يَرْزُقُ } في الآخرة { مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بلا نهاية لما يعطيه ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : هذا الرزق في الدنيا ، وفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزئ بهم أموال بني قريظة والنضير ، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلاً لكلا الحكمين .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} (212)

قوله تعالى : { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } . الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى ، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة ، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبهم حسنها ، ففتنوا بها ، وقال الزجاج : زين لهم الشيطان ، قيل نزلت هذه الآية في مشركي العرب ، أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد .

قوله تعالى : { ويسخرون من الذين آمنوا } . أي يستهزئون بالفقراء من المؤمنين . قال ابن عباس : أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر وصهيباً وبلالاً وخباباً وأمثالهم . وقال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم ، وقال عطاء : نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة ، والنضير وبني قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ، ويسخرون من الذين آمنوا لفقرهم .

قوله تعالى : { والذين اتقوا } . يعني هؤلاء الفقراء .

قوله تعالى : { فوقهم يوم القيامة } . لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق الديري ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ، ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال : مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس . " ما رأيك في هذا ؟ فقال : رجل من أشراف الناس ، هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا ؟ فقال : يا رسول الله إن هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حري إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا " .

قوله تعالى : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } . قال ابن عباس : يعني كثيراً بغير مقدار ، لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل ، يريد : يوسع على من يشاء ، ويبسط لمن يشاء من عباده ، وقال الضحاك : يعني من غير تبعة ، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة ، وقيل : هذا يرجع إلى الله ، معناه : يقتر على من يشاء ويبسط على من يشاء ، ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته ، بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه ولا يعطي القليل من يحتاج إليه ، فلا يعترض عليه ، ولا يحاسب فيما يرزق ، ولا يقال لم أعطيت هذا وحرمت هذا ؟ ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك ؟ وقيل معناه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها ، لأن الحساب من المعطي إنما يكون لمن يخاف من نفاذ خزائنه .