روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

{ فَتَقَبَّلَهَا } أي رضي بمريم في النذر مكان الذكر ففيه تشبيه النذر بالهدية ورضوان الله تعالى بالقبول { رَبُّهَا } أي رب مريم المبلغ لها إلى كمالها اللائق بها ، وقيل : الضمير لامرأة عمران بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها : { رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا } [ آل عمران : 36 ] الخ ، والأول أولى { بِقَبُولٍ حَسَنٍ } الباء مثلها في كتبت بالقلم و القبول ، ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود ما يسعط به ويلد أي تقبلها بوجه حسن تقبل به النذائر وهو اختصاصه سبحانه إياها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى ، أو تسلمها من أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة والخدمة . فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لما وضعتها خشيت حنة أن لا تقبل الأنثى محررة فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس الأحبار : أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي ، فقالت القراء : ولكنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها فدعوا بأقلامهم التي يكتبون بها الوحي وجمعوها في موضع ثم غطوها ، وقال زكريا لبعض من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم ممن في بيت المقدس : أدخل يدك فأخرج فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا : لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكفلها فألقوا أقلامهم في نهر الأردن فارتفع قلم زكريا في جري الماء فقالوا : نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكفلها فألقوا أقلامهم فجرى قلم زكريا مع الماء وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا ، ويجوز أن تكون الباء للملابسة ، و القبول مصدر وهو من المصادر الشاذة وهناك مضاف محذوف ، والمعنى رضي بها متلبسة بأمر ذي قبول ، ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام ، ويجوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل كتعجل بمعنى استعجل والمعنى فاستقبلها ربها وتلقاها من أول وهلة من ولادتها/ بقبول حسن وأظهر الكرامة فيها حينئذٍ وفي المثل خذ الأمر بقوابله وجوز أن تكون الباء زائدة ، و القبول مصدر مؤكد للفعل السابق بحذف الزوائد أي قبلها قبولاً حسناً ، وعدل عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعل مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكلف وكون الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المراد بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوة الفعل وكثرته ، ويحتمل على بعد بعيد أن تكون الباء للمصاحبة بمعنى مع أي تقبل نذرها مع قبول حسن لدعاء أمها في حقها وحق ذريتها حيث أعاذهما من الشيطان الرجيم من أول الولادة إلى خاتمة الحياة

{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أي رباها الرب تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وفي رواية عنه أنه سوى خلقها فكانت تشب في يوم ما يشب غيرها في عام ، وقيل : تعهدها بما يصلحها في سائر أحوالها ، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإن الزارع يتعهد زرعه بسقيه عند الاحتياج وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النبات .

و { نَبَاتاً } هنا مصدر على غير لفظ الفعل المذكور وهو نائب عن إنبات ، وقيل : التقدير فنبتت نباتاً ، والنبات والنبت بمعنى . وقد يعبر بهما عن النابت { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وهو من ولد سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أي ضمها الله تعالى إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها على ما ذكر في حديث ابن عباس ، وكل ذلك من آثار قدرته تعالى ، ولم يكن هناك وحي إليه بذلك ، وقرأ بتشديد الفاء حمزة والكسائي وعاصم ، وقصروا { زَكَرِيَّا } غير عاصم في رواية ابن عياش وهو مفعول به لكفلها وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ومدوا { زَكَرِيَّا } ورفعوه على الفاعلية وفيه لغتان أخريان ، إحدهما : زكرى بياء مشددة من غير ألف ، وثانيتهما : زكر بغير ياء ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة ، وقيل : لألف التأنيث ، وقرأ أبي ( وأكفلها ) ، وقرأ مجاهد فتقبلها ربها وأنبتها وكفلها على صيغة الدعاء في الأفعال الثلاثة ونصب ربها على النداء أي فاقبلها يا ربها وربها ، واجعل زكريا كافلاً لها ، وقد استجاب الله تعالى دعاءها في جميع ذلك ، والذي عليه الأكثرون وشهدت له الأخبار أن كفالة زكريا كانت من أول أمرها ، وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن وليس بالقوي

{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب } بيان لقبولها ولهذا لم يعطف ، والمحراب على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما غرفة بنيت لها في بيت المقدس وجعلت بابها في وسط الحائط وكانت لا يصعد عليها إلا بسلم مثل باب الكعبة ، وقيل : المراد به المسجد ؛ إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب ؛ وقيل : أشرف مواضعه ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد في رأي ، وأصله مفعال صيغة مبالغة كمطعان فسمي به المكان لأن المحاربين نفوسهم كثيرون فيه ، وقيل : إنه يكون اسم مكان وسمي به لأن محل محاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدح :

جمع الشجاعة والخشوع لربه *** ما أحسن المحراب في المحراب

وتقديم الظرف على الفاعل لإظهار كمال العناية بأمرها ، ونصب { المحراب } على التوسع ؛ إذ حق الفعل أن يتعدى بفي ؛ أو بإلى وإظهار الفاعل قيل : لفصل الجملة ، و { كُلَّمَا } ظرف على أن ( ما ) مصدرية ، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت ، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها بالاتفاق لأن ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري فيها الخلاف المذكور في أسماء الشرط ، ومن الناس من وهم فقال : إن ناصبه فعل/ الشرط ، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الشطرنج جملاً والمعنى كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه

{ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } أي أصاب ولقي بحضرتها ذلك أو ذلك كائناً بحضرتها ، أخرج ابن جرير عن الربيع قال : إنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ، والتنوين للتعظيم فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك من ثمار الجنة والذي عليه الجل أن ذلك عوض لها عن الرضاعة ، فقد روي أنها لم ترضع ثدياً قط ، وقيل : إن هذا كان بعد أن ترعرعت ، ففي رواية ابن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن زكريا عليه الصلاة والسلام استأجر لها ظئراً فلما تم لها حولان فطمت وتركت في المحراب وحدها وأغلقت عليها الباب ولم يتعهد أمرها سواه2

{ قَالَ يَا مَرْيَمُ } استئناف بياني { أنى لَكِ هذا } أي من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة دونك ، ومجيء { إِنّى } بمعنى من أين ، أو كيف ، تقدم الكلام عليه ، واستشهد للأول بقوله :

تمنى بوادي الرمث زينب ضلة *** فكيف ومن ( أنّى ) بذي الرمث تطرق

وللثاني بقوله :

أنى ومن أين أبك الطرب *** من حيث لا صبوة ولا ريب

وحذف حرف الجر من { إِنّى } نحو حذف في من الظروف اللازمة للظرفية من نحو مع ، وسحر ؛ لأن الشيء إذا علم في موضع جاز حذفه ، والتحقيق أن الظروف محل التوسع لكثرة استعمالهم إياها وكل ظرف يستعمل مع حرف صلته التي يكثر معها استعمالها لأن اتصالها بمظروفها بتلك الحروف فجاز حذفها كما جاز حذف في إلا أنها لما كانت الأصل لوضعها للظرفية اطرد حذفها من المتصرفة وغير المتصرفة ، وغيرها من صلات الظروف لا يحذف إلا مع ما يكثر من غير المتصرفة حطاً لرتبتها عن رتبة في كما في «الكشف » ، واستدل بالآية على جواز الكرامة للأولياء ؛لأن مريم لا نبوة لها على المشهور ، وهذا هو الذي ذهب إليه أهل السنة والشيعة وخالف في ذلك المعتزلة ، وأجاب البلخي منهم عن الآية ؛ بأن ذلك كان إرهاصاً وتأسيساً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأجاب الجبائي بأنه كان معجزة لزكريا عليه الصلاة والسلام ، ورد الأخير بأن اشتباه الأمر عليه يأبى ذلك ، ولعله مبني على الظاهر ، وإلا ففي اقتضاء هذه العبارة في نفس الأمر الاشتباه نظر لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه ، والقول بأن اشتباه زكريا في أنها معجزة لا ينافي كونها معجزة لاشتباه أنه من الجنة أو من بساتين الدنيا ليس بشيء كما لا يخفى

{ قَالَتْ } استئناف كالذي قبله { هُوَ مِنْ عِندِ الله } قيل : أرادت من الجنة ، وقيل : مما رزقنيه هو لا بواسطة البشر فلا تعجب ولا تستبعد ، وقيل : تكلمت بذلك صغيرة كعيسى عليه الصلاة والسلام وقد جمع من تكلم كذلك فبلغوا أحد عشر نفساً ، وقد نظمهم الجلال السيوطي فقال :

تكلم في المهد النبي ( محمد ) *** ( ويحيى وعيسى والخليل ومريم )

ومبرى ( جريج ) ثم ( شاهد يوسف ) *** ( وطفل لذي الأخدود ) يرويه مسلم

( وطفل ) عليه مر بالأمة التي *** يقال لها تزني ولا تتكلم

وماشطة في عهد فرعون ( طفلها ) *** وفي زمن الهادي ( المبارك ) يختم

/ { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء } من عباده أن يرزقه { بِغَيْرِ حِسَابٍ } تقدم معناه ، والجملة تعليل لكونه من عند الله ، والظاهر أنها من كلام مريم فحينئذٍ تكون في محل النصب داخلة تحت القول ، وقال الطبري : إنها ليست من كلامها بل هي مستأنفة من كلامه تعالى إخباراً لنبيه صلى الله عليه وسلم ، والأول أولى ، وقد أخرج أبو يعلى عن جابر : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً فأتى فاطمة فقال : يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع ؟ فقالت : لا والله فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت : لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له : بي أنت وأمي قد أتى الله تعالى بشيء قد خبأته لك قال : هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله تعالى فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه حمد الله تعالى ، وقال : من أين لك هذا يا بنية ؟ قالت : يا أبتي هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله سبحانه ثم قال : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى رزقاً فسئلت عنه قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضي الله تعالى عنها على جيرانها » .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قال الواسطي : محفوظ عن إدراك الخلق { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا } حيث سقاها من مياه القدرة وأثمرها شجرة النبوة { حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } لطهارة سره ، وشبيه الشيء منجذب إليه { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } هو ما علمت ، ويجوز أن يراد الرزق الروحاني من المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند الله تعالى إذ الاختصاص بالعندية يدل على كونه أشرف من الأرزاق البدنية .

وأخرج ابن أبي حاتم من بعض الطرق عن مجاهد أنه قال : رزقاً أي علماً ، وقد يقال على نحو الأول ليتم تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس

ومن باب الإشارة ) :{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } وهو اختصاصه إياها بإفاضة أنواره عليها { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ورقاها في ما تكمل به نشأتها ترقياً حسناً غير مشوب بالعوائق والعلائق { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } الاستعداد { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا } وتوجه نحوها في محراب تعبدها المبني لها في بيت مقدس القلب { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } تتغذى به الأرواح في عالم الملكوت { قَالَ أِنّى لَكِ هذا } الرزق العظيم قالت : هو مفاض من عند الله منزه عن الحمل بيد الأفكار { إِنَّ الله } الجامع لصفات الجمال والجلال { يَرْزُقُ مَن يَشَاء } ويفيض عليهم من علمه حسب قابليتهم { بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 37 ] فسبحانه من إله وجواد كريم وهاب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

قوله تعالى : { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي قبل الله مريم من حنة مكان المحرر ، وتقبل بمعنى قبل ورضي ، والقبول مصدر قبل يقبل قبولاً ، مثل الولوغ والوزوع ، ولم يأت غير هذه الثلاثة ، وقيل : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها .

قوله تعالى : { وأنبتها نباتاً حسناً } معناه : وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً ، وقيل : هذا مصدر على غير الصدر أي المصدر ، وكذلك قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ومثله سائغ ، كقولك تكلمت كلاماً ، وقال جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) أي سلك بها طريق السعداء ( وأنبتها نباتاً حسناً ) يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام .

قوله تعالى : { وكفلها زكريا } . قال أهل الأخبار :أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، عندي خالتها ، فقالت له الأحبار : لا نفعل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس لتركت لأمها التي ولدتها ، لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً إلى نهر جار . قال السدي : هو نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها وقيل : كان على كل قلم اسم واحد منهم . وقيل : كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء فارتد قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر ، قاله محمد بن إسحاق وجماعة ، وقيل جرى قلم زكريا مصعداً إلى أعلى الماء ، وجرت أقلامهم بجري الماء ، وقال السدى وجماعة : بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين ، وجرت أقلامهم في جرية الماء ، فسهمهم وقرعهم زكريا ، وكان رأس الأحبار ونبيهم ، فذلك قوله تعالى : ( وكفلها زكريا ) . قرأ حمزة وعاصم والكسائي " كفلها " بتشديد الفاء ، فيكون زكريا في محل النصب ، أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع ، أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن أذن بن مسلم ، بن صدوق ، من أولاد سليمان ، بن داود عليهما السلام ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " زكريا " مقصوراً والآخرون يمدونه ، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها ، وقال محمد بن إسحاق : ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم ، مثل باب الكعبة ، لا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم .

قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب } . وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وكذلك هو من المسجد ، ويقال للمسجد أيضاً محراب ، قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة ، وقال الربيع ابن أنس : كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها فتحها .

قوله تعالى : { وجد عندها رزقاً }أي فاكهة في غير حينها ، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف .

قوله تعالى : { قال يا مريم أنى لك هذا } قال أبو عبيدة : معناه من أين لك هذا ؟ وأنكر بعضهم عليه وقال : معناه من أي جهة لك هذا ؟ لأن " آنى " للسؤال عن الجهة " وأين " لسؤال عن المكان .

قوله تعالى : { قالت هو من عند الله } أي من قطف الجنة ، وقال أبو الحسن : إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثدياً قط ، كان يأتيها رزقها من الجنة فيقول لها زكريا : أنى لك هذا ؟ فتقول : هو من عند الله ، تكلمت وهي صغيرة .

قوله تعالى : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . وقال محمد بن إسحاق : ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سني ، وضعفت عن حمل مريم بنت عمران ، فأيكم يكفلها بعدي ؟ قالوا : والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى ، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بداً فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له : يوسف بن يعقوب ، وكان ابن عم مريم فحملها فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه ، فقالت له : يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا ، فجعل يوسف يزرق بمكانها منه فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها ، فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به يوسف ، فيقول : ( يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) .

قال أهل الأخبار : فلما رأى ذلك زكريا قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر ، فطمع في الولد ، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد .