وبعد ما بين تعالى شأنه شأن كل من الحق والباطل حالاً ومآلا أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما مآلا تكميلا للدعوة ترغيباً وترهيباً فقال سبحانه : { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ } إذ دعاهم إلى الحق بفنون الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإن له لما فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس تأثيراً بليغاً في تسخير والنفوس ، والجار والمجرور خبر مقدم ، وقوله سبحانه : { الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة كما قال قتادة . وغيره ، وعن مجاهد الحياة الحسنى أي الطيبة التي لا يشوبها كدر أصلا . وعن ابن عباس أن المراد جزاء الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله وفيه من البعد ما لا يخفى مبتدأ مؤخر { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } سبحانه وعاندوا الحق الجلي { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا في الارض } من أصناف الأموال { جَمِيعاً } بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعاً غير متفرق بحسب الأزمان { وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } أي بالمذكور مما في الأرض ومثله معه جميعاً ليتخلصوا عما بهم ، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان ، والموصول مبتدأ والجملة الشرطية خبره وهي على ما قيل واقعة موقع السوأي المقابلة للحسنى الواقعة في القرينة الأولى فكأنه قيل : وللذين لم يستجيبوا له السوأى . وتعقب بأن الشرطية وان دلت على سوء حالهم لكنها بمعزل عن القيام مقام لفظ السوأى مصحوباً باللام الجارة الداخلة على الموصول أو ضميره وعليه يدور حصول المرام ؛ فالذي ينبغي أن يعول عليه أن الواقع في تلك المقابلة سوء الحساب في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب } وحيث كان اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة كان خبره أعني الجملة الظرفية خبراً عن الموصول في الحقيقة ومبيناً لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبراً عنه أولا ولذلك ترك العطف فكأنه قيل : والذين لم يستجيبوا له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال : وللذين لم يستجيبوا له سوء الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده . واعتذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا في الأرض جَمِيعاً } إلى آخر الآية واقع موقع ذلك على معنى أن رعاية حسن المقابلة لقوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى } تقتضي أن يقال : وللذين لم يستجيبوا له السوأى ولا يزاد على ذلك لكنه جيىء بقوله سبحانه : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ بدل ما ذكر ، ولعل في كلام الطيبي ما يستأنس به لذلك . وإلى اعتبار السوأى في المقابلة ذهب أيضاً صاحب الكشف قال : إن قوله تعالى : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } في مقابلة الحسنى يدل السوأى مع زيادة تصوير وتحسير ، وأوثر الأجمال في الأول دلالة على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف فتدبر ، والمراد بسوء الحساب أي الحساب السيء على ما روي عن إبراهيم النخعي .
والحسن أن يحاسبوا بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء وهو المعنى بالمناقشة . وعن ابن عباس هو أن يحاسبوا فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم { وَمَأْوَاهُمُ } أي مرجعهم { جَهَنَّمَ } بيان لمؤدي ما تقدم وفيه نوع تأييد لتفسير الحسنى بالجنة { وَبِئْسَ المهاد } أي المستقر ، والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو جهنم .
وقال الزمخشري : اللام في قوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا } متعلقة { يَضْرِبُ الله الامثال } [ الرعد : 17 ] وقوله سبحانه : { الحسنى } صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى ، وقوله عز وجل : { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } معطوف على الموصول الأول ، وقوله جل وعلا : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب ، والمعنى كذلك يضرب الله تعالى الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلا الفريقين انتهى ، قال أبو حيان : والتفسير الأول أولى لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين ، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما ولأن فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف هذا ولأن تقدير الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً وإنما هو نفى الاستجابة الحسنى والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقاً ولأنه حينئذ يكون { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلاماً مفلتاً أو كالمفلت إذ يصير المعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين لو أن لهم الخ ، ولو كان هناك حرف يربط { لَوْ } بما قبلها زال التفلت ، وأيضاً أنه يوهم الإشراك في الضمير وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً : وتعقب بأنه لا كلام في أولوية التفسير الأول لكن كون ما ذكر وجهاً لها محل كلام إذ لا مقتضى في التفسير الثاني لتقييد الأمثال عموماً بمثل هذين ، ألا ترى قوله تعالى : { كذلك } ثم إن فيه تفهيم ثواب المستجيبين أيضاً ألا يرى إلى القصر المستفاد من تقديم الظرف ، وأيضاً قوله تعالى : { الحسنى } صفة كاشفة لا مفهوم لها فإن الاستجابة لله تعالى لا تكون إلا حسنى وكيف يكون قوله سبحانه : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ مفلتاً وقد قالوا : إنه كلام مبتدأ لبيان حال المستجيبين يعنون انه استئناف بياني جواب للسؤال عن مآل حالهم ثم كيف يتوهم الإشتراك مع كون تخصيصه بالكافرين معلوماً انتهى . قال بعض المحققين : إن ما ذكر متوجه بحسب بادىء الرأي والنظرة الأولى أما إذا نظر بعين الانصاف بعد تسليم أن ذاك أولى وأقوى علم أن ما قاله أبو حيان وارد فإن قوله تعالى : { كذلك } يقتضي أن هذا شأنه وعادته عز شأنه في ضرب الأمثال فيقتضي أن ما جرت به العادة القرآنية مقيد بهؤلاء وليس كذلك ، وما ذكره المتعقب ولو سلم فهو خلاف الظاهر .
وأما قوله : إن المستجيبين معلوم مما ذكره ففرق بين العلم ضمناً والعلم صراحة ، وأما أن الصفة مؤكدة أو لا مفهوم لها فخلاف الأصل أيضاً ، وكون الجملة غير مرتبطة بما قبلها ظاهر ، والسؤال عن حال أحد الفريقين مع ذكرهما ملبس ، وعود الضمير على ما قبله مطلقاً هو المتبارد وما ذكر لا يدفع الإيهام . وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل التفسير الأخير وحمل الأمثال فيه على الأمثال السابقة : وأنت خبير بأن عنوان الاستجابة وعدمها لا مناسبة بينه وبين ما يدور عليه أمر التمثيل وأن الاستعمال المستفيض دخول اللام على من يقصد تذكيره بالمثل . نعم قد يستعمل في هذا المعنى أيضاً كما في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامنوا امرأة فِرْعَوْنَ إِذْ } [ التحريم : 11 ] ونظائره ، على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً بأن يجعل في حكم أن يقال : كذلك يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغير المستجيبين ؛ ويؤيد هذا ما في الكشف حيث قال : إن جعل { لِلَّذِينَ استجابوا } من تتمة الأمثال لا من صلة يضرب متكلف لأنهما مثلا الحق والباطل بالاصالة ومن صلة { يَضْرِبُ } [ الرعد : 17 ] أبعد لأن الأمثال إنما ضربت لمن يعقل .
ثم إن كون المراد بالأمثال الأمثال السابقة مبني على أن ما تقدم كان أمثالاً والمشهور أنه مثلان ، نعم أخرج ابن جرير . وغيره عن قتادة أنه قال في الآية : هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد ، وبعد هذا كله لا شك في سلامة التفسير الأول من القيل والقال وانه الذي يستدعيه النظم الجليل لأن تمام حسن الفاصلة أن تكون كاسمها ولهذا انحط قول امرىء القيس :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى *** بصبح وما إلا صباح منك بأمثل
إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم *** أكل فصيح قال شعراً متيم
وهو الذي فهمه السلف من الآية ، ومن هنا كان أكثر الشيوخ يقفون على الأمثال ويتبدءون بقوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا } وقال صاحب المرشد : إنه وقف تام والوقف على { الحسنى } حسن وكذا على { لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } والعجب من الزمخشري كيف اختار خلاف ذلك مع وضوحه والله تعالى أعلم .
ومن باب الإشارة :{ للذين استجابوا لربهم } بتصفية الاستعداد عن كدورات صفات النفس { الحسنى } المثوبة الحسنى وهو الكمال الفائض عليهم عند الصفاء { والذين لم يستجيبوا له } تعالى وبقوا في الرذائل البشرية والكدورات الطبيعية { لو أن لهم ما في الأرض } الجهة السفلية من الأموال والأسباب التي انجذبوا إليها بالمحبة فأهلكوا أنفسهم بها { ومثله معه لافتداو به } ما ينالهم من الحجاب والحرمان { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب } لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الحرمان { وَبِئْسَ المهاد } [ الرعد : 18 ] جهنم والعياذ بالله تعالى ونسأله العفو والعافية .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{للذين استجابوا لربهم الحسنى}، لهم في الآخرة، وهي الجنة.
{والذين لم يستجيبوا له} بالإيمان وهم الكفار، {لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه}، فقدروا على أن يفتدوا به أنفسهم من العذاب،
{لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب}، يعني شدة الحساب حين لا يتجاوز عن شيء من ذنوبهم، {ومأواهم}، يعني مصيرهم {جهنم وبئس المهاد}، يعني بئس ما مهدوا لأنفسهم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدّقوه فيما جاءهم به من عند الله، فإن لهم الحسنى، وهي الجنة...
وقوله:"وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنّ لَهُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ" يقول تعالى ذكره: وأما الذين لم يستجيبوا له حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدّقوه فيما جاءهم به من عند ربهم، فلو أنّ لهم ما فِي الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم ثم مثل ذلك وقُبِل ذلك منهم بدلاً من العذاب الذي أعدّه الله لهم في نار جهنم وعوضا لافتدوا به أنفسهم منه، يقول الله: "أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسابِ "يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب: يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئا، ولكن يعذّبهم على جميعها...
وقوله: "ومَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ" يقول: ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القيامة جهنم. "وَبِئْسَ المِهادُ" يقول: وبئس الفِراش والوِطاء جهنم، التي هي مأواهم يوم القيامة.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... الافتداء: جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر على وجه الاتقاء به، فهؤلاء لا يقيهم من عذاب الله شيء -نعوذ بالله منه -
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{الحُسْنَى}: الوعد بقبول استجابتهم، وذلك مِنْ أَجَلِّ الأشياءِ عندهم؛ فلا شيء أعزُّ على المحبِّ مِنْ قبولِ محبوبه منه شيئاً. أما الذين لم يستجيبوا له فلو أَنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عَمْداً لا يُقْبَلُ منهم، ولهم سوءُ الحساب، وهو المناقشة في الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لِلَّذِينَ استجابوا} اللام متعلقة ب"يضرب"، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلا الفريقين. و {الحسنى} صفة لمصدر استجابوا، أي: استجابوا الاستجابة الحسنى. وقوله {لَوْ أَنَّ لَهُمْ} كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين. وقيل: قد تم الكلام عند قوله: {كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17] وما بعده كلام مستأنف. والحسنى: مبتدأ، خبره {لِلَّذِينَ استجابوا} والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة {والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ} مبتدأ خبره، «لو» مع ما في حيزه و {سُوء الحِسَابِ} المناقشة فيه. وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى. قال ابن عباس: الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال. ولم يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، وهو قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}.
وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله: {والذين لم يستجيبوا له} فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة.
فالنوع الأول؛ قوله: {لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} والافتداء جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في «به» عائدة إلى «ما» في قوله: {ما في الأرض}. واعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكا لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون محبوبا بالذات.
والنوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله: {أولئك لهم سوء الحساب} قال الزجاج: ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم. وأقول ههنا حالتان: فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، ولا شك أن هاتين الحالتين تقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها... إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى. وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى.
والنوع الثالث: قوله تعالى: {ومأواهم جهنم} وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: {مأواهم جهنم} ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: {وبئس المهاد} ولا شك أن الأمر كذلك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تم ما للحق والباطل في أنفسهما من الثبات والاضطراب، ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب جواباً لمن كأنه قال: ما لمن تدبر هذه الأمثال، وأبعد عما أشارت إليه من الضلال، أو حاد عما دعت إليه ومال؟ فأجيب بقوله: {للذين استجابوا} أي طلبوا من أنفسهم الإجابة وأوجدوها {لربهم} أي المحسن إليهم شكراً له، الحالة {الحسنى} أي العظيمة في الحسن، وهي القرار في الجنة فهو جزاءهم؛ قال أبو حيان: وذلك هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمه تعالى ودخول الجنة في الآخرة -انتهى. وقد تقدم في سورة يونس عليه الصلاة والسلام أنهم يزادون ما لا يعلم قدره إلا الذي فعلوا ذلك خوف عقابه ورجاء ثوابه.
ولما ذكر ما للطائعين، أتبعه جزاء العاصين، فقال مبتدئاً: {والذين لم يستجيبوا} أي يرغبوا في إيجاد الإجابة {له} وأخبر عن هذا الابتداء قوله معلماً بأن استعجالهم بالعذاب باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة جراءة منهم ناشئة عن جهل صرف تزول عند رؤيتهم عذابه سبحانه، فيبلغون حينئذ بالافتداء غاية الذل فلا يقبل منهم -: {لو أن لهم} أي في ملكهم وتحت قدرتهم {ما في الأرض} وأكد بقوله: {جميعاً ومثله} وأوضح بقوله: {معه لافتدوا به} أي جعلوا فكاك أنفسهم بغاية جهدهم، وأكده لادعاء الكفرة أنهم لا يذلون لشيء ولا يوهن قواهم شيء، والافتداء: جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر على جهة الاتقاء به، فكأنه قيل: ما الذي دعاهم حتى كان هذا حالهم؟ فقيل- دلالة على أنه لا يقبل منهم الفداء ولو عظم -: {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم سوء الحساب} والحساب: إحصاء ما على العبد وله، وسوء المؤاخذة، وعدم العفو عن شيء {ومأواهم} أي مستقرهم {جهنم} أي الطبقة التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة. ولما كان المأوى إنما يأوى إليه صاحبه للراحة فيه بالاتكاء على فرش ونحوه، قال معبراً بمجمع المذام: {وبئس المهاد}.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف بياني لجملة {كذلك يضرب الله الأمثال}، أي فائدة هذه الأمثال أن للذين استجابوا لربهم حين يضربها لهم الحسنى إلى آخره.
فمناسبته لما تقدم من التمثيلين أنهما عائدان إلى أحوال المسلمين والمشركين. ففي ذكر هذه الجملة زيادة تنبيه للتمثيل وللغرض منه مع ما في ذلك من جزاء الفريقين لأن المؤمنين استجابوا لله بما عقلوا الأمثال فجوزوا بالحسنى، وأما المشركون فأعرضوا ولم يعقلوا الأمثال، قال تعالى: {وما يعقلها إلا العالمون} [سورة العنكبوت: 43]، فكان جزاؤهم عذاباً عظيماً وهو سوء الحساب الذي عاقبته المصير إلى جهنم. فمعنى {استجابوا لربهم} استجابوا لدعوته بما تضمنه المثل السابق وغيره.
وقوله: {الحسنى} مبتدأ و {للذين استجابوا} خبره. وفي العدول إلى الموصولين وصلتيهما في قوله: {للذين استجابوا} {والذين لم يستجيبوا} إيماء إلى أن الصلتين سببان لما حصل للفريقين.
وتقديم المسند في قوله: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} لأنه الأهم لأن الغرض التنويه بشأن الذين استجابوا مع جعل الحسنى في مرتبة المسند إليه، وفي ذلك تنويه بها أيضاً.
وأما الخبر عن وعيد الذين لم يستجيبوا فقد أجري على أصل نظم الكلام في التقديم والتأخير لقلة الاكتراث بهم. وتقدم نظير قوله: {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً} في سورة العقود (36).
وأتي باسم الإشارة في أولئك لهم سوء الحساب} للتنبيه على أنهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الصلة.
و {سوء الحساب} ما يحف بالحساب من إغلاظ وإهانة للمحاسب. وأما أصل الحساب فهو حسن لأنه عدل.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لا توجد صيغةً أوضح من هذه الآية في بيان شدّة عذابهم وعقابهم، يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض وضعفه أيضاً ويفتدي به للنجاة ولا يحصل النجاة...
ومن هنا يتّضح أنّ العبارة (ومثله معه) ليس المقصود منها أن يكون لهم ضعف ما في الأرض، بل أنّهم مهما ملكوا أكثر من ذلك فانّهم مستعدّون للتنازل عنه مقابل نجاتهم من العذاب. ودليله واضح، لأنّ الإنسان يطلب كلّ شيء لمنفعته، ولكن عندما يجد نفسه غارقاً في العذاب فما فائدة تملكه للدنيا كلّها؟...