روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩} (15)

{ وَللَّهِ } وحده { يَسْجُدُ } يخضع وينقاد لا لشيء غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً ، فالقصر ينتظم القلب والإفراد { مَن في * السموات والارض } من الملائكة والثقلين كما يقتضيه ظاهر التعبير بمن ، وتخصيص انقياد العقلاء مع كون غيرهم أيضاً كذلك لأنهم العمدة وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أن فيما سيأتي إن شاء الله تعالى بياناً لذلك ، وقيل : المراد ما يشمل أولئك وغيرهم ، والتعبير بمن للتغليب { طَوْعًا وَكَرْهًا } نصب على الحال ، فإن قلنا بوقوع المصدر حالاً من غير تأويل فهو ظاهر وإلا فهو بتأويل طائعين وكارهين أي أنهم خاضعون لعظمته تعالى منقادون لإحداث ما أراد سبحانه فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاؤوا أو أبوا من غير مداخلة حكم غيره جل وعلا بل غير حكمه تعالى في شيء من ذلك .

وجوز أن يكون النصب على العلة فالكره بمعنى الإكراه وهو مصدر المبني للمفعول ليتحد الفاعل بناءً على اشتراط ذلك في نصب المفعول لأجله وهو عند من لم يشترط على ظاهره ، وما قيل عليه من أن اعتبار العلية في الكره غير ظاهر لأنه الذي يقابل الطوع وهو الإباء ولا يعقل كونه علة للسجود فمدفوع بأن العلة ما يحمل على الفعل أو ما يترتب عليه لا ما يكون غرضاً له وقد مر عن قرب فتذكره ، وقيل : النصب على المفعولية المطلقة أي سجود طوع وكره { وظلالهم } أي وتنقاد له تعالى ظلال من له ذلك منهم وهم الإنس فقط أو ما يعمهم وكل كثيف .

وفي «الحواشي الشهابية » ينبغي أن يرجع الضمير لمن في الأرض لأن من في السماء لا ظل له إلا أن يحمل على التغليب أو التجوز ، ومعنى انقياد الظلال له تعالى أنها تابعة لتصرفه سبحانه ومشيئته في الامتداد والتقلص والفىء والزوال ، وأصل الظل كما قال الفراء مصدر ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم ، وهو إما معكوس أو مستو ويبني على كل منهما أحكام ذكروها في محلها { بالغدو والاصال } ظرف للسجود المقدر والباء بمعنى في وهو كثير ، والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد ، قيل : فلا يقال لم خص بالذكر ؟ وكذا يقال : إذا كانا في موضع الحال من الظلال ، وبعضهم يعلل ذلك بأن امتدادها وتقلصها في ذينك الوقتين أظهر .

والغدو جمع غداة كقنى وقناة ، والآصال جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب ، وقيل : هو جمع أصل جمع أصيل ، وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفاً ، وقيل : الغدو مصدر وأيد بقراءة ابن مجلز { *الإيصال } بكسر الهمة على أنه مصدر آصلنا بالمد أي دخلنا في الأصيل كما قاله ابن جني هذا ، وقيل : إن المراد حقيقة السجود فإن الكفرة حالة الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى : { طَوْعًا وَكَرْهًا } يخصون السجود به سبحانه قال تعالى :

{ فَإِذَا رَكِبُواْ في الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت : 65 ] ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاماً وعقولاً بها تسجد لله تعالى شأنه كما خلق جل جلاله ذلك للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح وظهرت فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري ، وجوز أن يراد بسجودها ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها ، وهذا على ما قيل : مبني على ارتكاب عموم المجاز في السجود المذكور في الآية بأن يراد به الوقوع على الأرض فيشمل سجود الظلال بهذا المعنى أو تقدير فعل مؤد ذلك رافع للظلال أو خبر له كذلك أو التزام أن إرادة ما ذكر لا يضر في الحقيقة لكونه بالتبعية والعرض أو أن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز ولا يخفى ما في بعض الشقوق من النظر . وعن قتادة أن السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة وقد عبر بالطوع عن سجود الملائكة عليهم السلام والمؤمنين وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فيسجد كرهاً إما نفاقاً أو يكون الكره أول حالة فيستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد ، وقيل : الساجد طوعاً من لا يثقل عليه السجود والساجد كرهاً من يثقل عليه ذلك . وعن ابن الأنباري الأول من طالت مدة إسلامه فألف السجود والثاني من بدأ بالإسلام إلى أن يألف ، وأياً ما كان فمن عام أريد به مخصوص إذ يخرج من ذلك من لا يسجد ، وقيل : هو عام لسائر أنواع العقلاء والمراد بيسجد يجب أن يسجد لكن عبر عن الوجوب بالوقوع مبالغة .

واختار غير واحد في تفسير الآية ما ذكرناه أولاً ، ففي «البحر » والذي يظهر أن مساق الآية إنما هو أن العالم كله مقهور لله تعالى خاضع لما أراد سبحانه منه مقصور على مشيئته لا يكون منه إلا ما قدر جل وعلا فالذين تعبدونهم كائناً ما كانوا داخلون تحت القهر لا يستطيعون نفعاً ولا ضراً ، ويدل على هذا المعنى تشريك الظلال في السجود وهي ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى يصرفها سبحانه حسبما أراد إذ هي من العالم والعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت قهر إرادته تعالى كما قال سبحانه : { أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء * يَتَفَيَّأُ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّدًا لِلَّهِ } [ النحل : 48 ] وكون المراد بالظلال الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف وأضعف منه ما قاله ابن الأنباري ، وقياسها على الجبال ليس بشيء لأن الجبل يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به وإنما معنى سجودها ميلها من جانب إلى جانب واختلاف أحوالها كما أراد سبحانه وتعالى . وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل ما قيل أولاً وأنت خبير بأن اختصاص سجود الكافر حالة الاضطرار والشدة لله تعالى لا يجدي فإن سجوده للصنم حالة الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور ، فالوجه حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد الكل في الإبداع والإعدام له تعالى ادخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه سبحانه وتعالى من تحقيق سجودهم له تعالى اه ؛ وفي تلك الأقوال بعد ما لا يخفى على الناقد البصير .

ومن باب الإشارة :{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } ينقاد { مَن في السموات والأرض } من الحقائق الروحانيات { طَوْعًا وَكَرْهًا } شاؤا أم أبوا { وظلالهم } هياكلهم { بالغدو والاصال } [ الرعد : 15 ] أي دائماً ؛ وقيل : يسجد من في السموات وهو الروح والعقل والقلب وسجودهم طوعاً ومن في الأرض النفس وقواها وسجودهم كرهاً .

/ وقيل : الساجدون طوعاً أهل الكشف والشهود والساجدون كرهاً أهل النظر والاستدلال .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩} (15)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولله يسجد من في السماوات}، يعني الملائكة، {والأرض طوعا}، يعني المؤمنين، ثم قال: {وكرها وظلالهم}، يعني ظل الكافر كرها يسجد لله، وهو {بالغدو} حين تطلع الشمس، {والآصال}، يعني بالعشي إذا زالت الشمس يسجد ظل الكافر لله، وإن كرهوا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له، فللّه يسجد من في السموات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعا، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كَرْها حين يكرهون على السجود...

وقوله:"وَظِلالُهُمْ بالغُدُوّ والآصَالِ" يقول: ويسجد أيضا ظلال كلّ من سجد لله طوعا وكرها بالغدوات والعشايا، وذلك أن ظل كلّ شخص فإنه يفيء بالعشيّ كما قال جلّ ثناؤه: "أوَ لمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفيّأ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشّمائِلِ سُجّدا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ"...

والآصال: جمع أُصُل، والأصُلُ: جمع أصيل، والأصيل: هو العشيّ، وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وكرها) يحتمل قوله: (يسجد) على حقيقة السجود، يسجد له المؤمن والكافر جميعا. أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع. ويحتمل ما ذكر من السجود وجوها: أحدهما: حقيقة السجود، فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة. والثاني: سجود الخلقة، فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق؛ جعل الله في خلقه كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته. والثالث: سجود الأحوال؛ فهو في المؤمن والكافر جميعا. أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال. وأما الكافر فإنه يسجد له، ويخضع في حال الشدة والضيق، ولا يسجد له في حال السعة والرخاء...

(وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) أي تسجد ظلاله بالغدو والآصال؛ ينتقل ضل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه، فذكر الغدو والآصال لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل. ويحتمل السجود أنه (يسجد) أي يخضع (مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) فإن كان على الخضوع فهو في الخلائق كلهم: في البشر وغير البشر، وذي الروح وغير ذي الروح.

(وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) أي ظلالهم تخضع له بالغدو والآصال. ويحتمل أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة، فتسجد له خلقة كل أحد. فإن قيل: ما معنى الغدو والآصال؟ قيل: يحتمل أبدا دائما ليس على مراد وقت، ولكن على الأوقات كلها...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... وأصل السجود هو الميل والتطأطؤ، يقال: سجد البعير وأسجده صاحبه إذا طأطأه ليركبه، شبه السجود في الصلاة بذلك، وعلى هذا يحمل سجود الظلال وسجود الكفار، ويراد بذلك حركاتهم وتصاريفهم، فإن ذلك أجمع يدل على أن الله الخالق لهم والمدبر لمعايشهم...

الطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى اليه من قبل النفس وهو نقيض الكره، والكره: الجر إلى الأمر على إباء النفس...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} أي ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، شاءوا أو أبوا. لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، وتنقاد له {ظلالهم} أيضاً حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه، وكلها إلى الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله: {ولله} أي الملك الأعلى {يسجد} أي يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله

{ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود:119] {من في السماوات والأرض} لجميع أحكامه النافذة وأقضيته الجارية {طوعاً} والطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس {وكرهاً} قال الرازي رحمه الله: والكافر في حكم الساجد وإن أباه لما به من الحاجة الداعية إلى الخضوع، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلله وتسخره وانقياده لما أريد له، فكل موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي رضي الله عنه في شرح المهذب: أصله -أي السجود- الخضوع والتذلل، وكل من تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سخر له -هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع.

ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد منها سبحانه، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك بوجه، قال: {وضلالهم} أي أيضاً تسجد له بامتدادها على الأرض، تقصر تارة بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك حيث يكون لهم ظلال، وذلك {بالغدو} جمع غداة، وهي البكرة: أول النهار {والآصال} جمع أصيل، دائماً في جميع البلاد، وفي وسط النهار في بعض البلاد؛ والظل: ستر الشخص ما بإزائه، والفيء: الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، والأصيل: العشيّ ما بين العصر إلى المغرب- كأنه أصل الليل الذي ينشأ منه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون الله، ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء، إذا كل من في الكون يعنو لله. وكلهم محكومون بإرادته، خاضعون لسنته، مسيرون وفق ناموسه. المؤمن منهم يخضع طاعة وإيمانا، وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاما، فما يملك أحد أن يخرج على إرادة الله، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة:

(ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وظلالهم، بالغدو والآصال)..

ولأن الجو جو عبادة ودعاء، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود وهو أقصى رمز للعبودية، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض، ظلالهم كذلك. ظلالهم بالغدو في الصباح، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال. يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال. وهي في ذاتها حقيقة، فالظلال تبع للشخوص. ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد، فإذا هو عجب. وإذا السجود مزدوج: شخوص وظلال! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء. كلها تسجد لله.. وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون الله!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمراد بالطوع الانسياق من النفس تقرّباً وزُلفى لمحض التعظيم ومحبة الله. وبالكَره الاضطرار عند الشدة والحاجة كما في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [سورة النحل: 53]. ومنه قولهم: مُكره أخُوك لا بَطل، أي مضطر إلى المقاتلة وليس المراد من الكَره الضغط والإلجاء كما فسر به بعضهم فهو بعيد عن الغرض... ومعنى سجود الظلال أن الله خلقها من أعراض الأجسام الأرضية، فهي مرتبطة بنظام انعكاس أشعة الشمس عليها وانتهاء الأشعة إلى صلابة وجه الأرض حتى تكون الظلال واقعة على الأرض وُقوعَ الساجد، فإذا كان من الناس من يأبى السجود لله أو يتركه اشتغالاً عنه بالسجود للأصنام فقد جعل الله مثاله شاهداً على استحقاق الله السجود إليه شهادة رمزية...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... لكي تُبرهن كيف أنّ المشركين ضلّوا الطريق تقول: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال).

بحوث:

ما هو المقصود من سجود الكائنات؟ السجدة في هذه الموارد تعني الخضوع والتسليم، فإنّ جميع الملائكة والناس ذوي العقول والأفكار متواضعين لله وخاضعين لأوامره، وهناك نوعان من السجود، سجود تكويني وهو أنّ الكلّ خاضعون ومسلّمون للقوانين الطبيعيّة مثل الحياة والممات والمرض و.. و..، والبعض منهم له سجود تشريعي بالإضافة إلى السجود التكويني، فهم بميلهم وإرادتهم يسجدون لله. 2ما هو معنى (طوعاً وكرهاً)؟ عبارة (طوعاً وكُرهاً) يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ المؤمنين خاضعون لله بميلهم وإرادتهم، وأمّا غير المؤمنين فهم خاضعون كذلك للقوانين الطبيعيّة التي تسير بأمر الله إن شاءوا وإن أبوا. و (الكُره) بضمّ الكاف تعني الكراهية في داخل الإنسان، و (كَره) بفتح الكاف ما حُمل عليه الإنسان من خارج نفسه، وبما أنّ الأشخاص غير المؤمنين مقهورون للعوامل الخارجية وللقوانين الطبيعيّة، استعمل القرآن (كَره) بفتح الكاف. ويحتمل في تفسير (طوعاً وكرهاً) أنّ المقصود من «طوعاً» هو التوافق والميل الفطري والطبيعي بين الإنسان والأسباب الطبيعيّة (مثل حبّ أي إنسان للحياة) والمقصود من «كَرهَاً» هو ما فُرض على الإنسان من الخارج مثل موت أحد الأشخاص بسبب المرض أو أي عامل طبيعي آخر. 3ما هو معنى كلمة (الظِّلال)؟ «الظِّلال» جمع «ظِل» واستعمال هذه الكلمة في الآية يشير إلى أنّ المقصود في السجود ليس فقط السجود التشريعي، فظِلال الكائنات ليست خاضعة لإرادتهم واختيارهم، بل هو تسليم لقانون الضوء، وعلى هذا يكون سجودهم تكويني، يعني التسليم لقوانين الطبيعيّة. وطبيعي ليس المقصود من «الظلال» أنّ جميع ما في السّماوات والأرض لها وجود مادّي كي يكون لها ظلال، ولكن الآية تشير إلى تلك الأشياء التي لها ظلال، فمثلا يُقال: إنّ جمعاً من العلماء وأبنائهم شاركوا في المجلس الكذائي، وليس المقصود هنا أنّ لكلّ العلماء أبناء «فتدبّر». وعلى أيّة حال فإنّ الظلّ أمر عدمي، وهو ليس أكثر من فقدان النّور، ولكن له آثاراً ووجوداً بسبب النّور المحيط به، ولعلّ الآية تشير إلى هذه النقطة، وهي أنّه حتّى الظلال خاضعة لله.

ما هو معنى كلمة (الآصال)؟ «الآصال» جمع «أُصل» وهي جمع «أصيل» ومعناه آخر وقت من النهار، ولذلك يعتبر أوّل الليل، والغدو جمع غداة بمعنى أوّل النهار. ورغم انّ السجود والخضوع للأشياء الكونية في مقابل الأوامر الإلهيّة دائمة ومستمرّة في كلّ وقت، ولكن ذكرها هنا في موقعين (الصبح والعشاء) إِمّا أنّه كناية عن دوام الوقت، فمثلا تقول: إنّ فلاناً يطلب العلم صباحاً ومساءاً، فالمقصود وهو أنّه في كلّ وقت يطلب العلم، وإِمّا أن يكون المقصود من الآية ما جاء في الكلام عن الظلال والتي تكون واضحة أكثر في أوّل النهار وآخره...