{ يُنَزّلُ الملائكة } قيل هو إشارة إلى طريق علم الرسول صلى الله عليه وسلم بإتيان ما أو عدبه وباقترابه إزاحة لاستبعاد اختصاصه عليه الصلاة والسلام بذلك ، وقال في «الكشف » : التحقيق أن قوله سبحانه { أتى أَمْرُ الله } [ النحل : 1 ] تنبيه وإيقاظ ليكون ما يرد بعده ممكناً في نفس حاضرة ملقية إليه وهو تمهيد لما يرد من دلائل التوحيد وقوله تعالى : { يُنَزّلُ الملائكة } الخ تفصيل لما أجمل في قوله سبحانه وتعالى أيقظ أولاً ثم نعى عليهم ما هم فيه من الشرك ثم أردفه بدلائل السمع والعقل ، وقدم السمعي لأن صاحبه هو القائمون بالأمرين جميعاً فافهم . وأخذ سيبويه منه أن جعل { يُنَزّلٍ } حالاً من ضمير { يُشْرِكُونَ } [ النحل : 1 ] لا يطابق المقام البتة انتهى .
وما ذكره من أمر الحالية إشارة إلى الاعتراض على شيخه العلامة الطيبي حيث جعل ذلك أحد احتمالين في الجملة ، ثانيهما : مستأنفة وهو الظاهر ، وما أشار إليه من وجه الربط وادعى أنه التحقيق لا يخلو عما هو خلاف المتبادر ، والتعبير بصيغه الاستقبال للإشارة إلى أن التنزيل عادة مستمرة له تعالى ، والمراد بالملائكة عند الجمهور جبريل عليه السلام ويسمى الواحد بالجمع كما قال الواحدي إذا كان رئيساً ، وعند بعض هو عليه السلام ومن معه من حفظة الوحي .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّلٍ } مخففاً من الإنزال ، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . والأعمش . وأبو بكر ينزل مشدداً مبنياً للمفعول والملائكة بالرفع على أنه نائب الفاعل والجحدري كذلك إلا أنه خفف ، وأبو العالية والأعرج . والمفضل عن عاصم { تُنَزَّلَ } بتاء لوقية مفتوحة وتشديد الزاي مبنياً للفاعل وقد حفف منه أحد التاءين وأصله تتنزل ، وابن أبي عبلة { نُنَزّلُ } بنون العظمة والتشديد ، وقتادة بالنون والتخفيف ، وفي هاتين القراءتين كما في البحر التفات { بالروح } أي الوحي كما أخرجه ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ويدخل في ذلك القرآن ، وروى عن الضحاك . والربيع بن أنس الاقتصار عليه ، وأياماً كان فإطلاق { الروح } على ذلك بطريق الاستعارة المصرحة المحققة ، ووجه الشبه أن الوحي يحيى القلوب الميتة بداء الجهل والضلال أو أنه يكون به قوام الدين كما أن بالروج يكون قوام البدن ، ويلزم ذلك استعارة مكنية وتخييلية وهي تشبيه الجهل والضلال بالموت وضد ذلك بالحياة أو تشبيه الدين بإنسان ذي جسد وروح ، وهذا كما إذا قلت : رأيت بحراً يغترف الناس به وشمساً يستغيثون بها فإنه يتضمن تشبيه علم الممدوح بالماء العظيم والنور الساطع لكنه جاء من عرض فليس كأظفار المنية وليس غير كونه استعارة مصرحة ، وجعل ذلك في الكشف من قبيل الاستعارة بالكناية وليس بذاك ، والباء متعلقة بالفعل السابق أو بما هو حال من مفعوله أي ينزل الملائكة ملتبسين بالروح ، وقول سبحانه : { مِنْ أَمْرِهِ } بيان للروح المراد به الوحي ، والأمر بمعنى الشأن واحد الأمور ، ولا يخرج ذلك الروح من الاستعارة إلى التشبيه كما قيل في قوله تعالى :
{ حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر } [ البقرة : 187 ] لما قالوا : من أن بينهما بوناً بعيداً لأن نفس الفجر عين المشبه شبه بخيط ، وليس مطلق الأمر بالمعنى السابق مشبهاً به ولذا بينت به الروح الحقيقية في قوله تعالى : { قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } [ الإسراء : 85 ] كما تبين به المجازية ، ولو قيل : يلقى أمره الذي هو الروح لم يخرج عن الاستعارة فليس وزان { مِنْ أَمْرِهِ } وزان { مِنَ الفجر } [ البقرة : 187 ] وليس كل بيان مانعاً من الاستعارة كما يتوهم من كلام المحقق في «شرح التلخيص » .
وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الروح على معنى حال كونه ناشئاً ومبتدأ منه أو صفة له على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره أو متعلقاً بينزل و { مِنْ } سببية أو تعليلية أو ينزل الملائكة بسبب أمره أو لأجله ، والأمر على هذا واحد الأوامر ، وعلى ما قبله قيل : فيه احتمالان . وذهب بعضهم إلى أن { الروح } هو جبريل عليه السلام وأيده بقوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ الروح الامين } [ الشعراء : 193 ] وجعل الباء بمعنى مع ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن { الروح } خلق من خلق الله تعالى كصور بني آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم ، وروى ذلك عن ابن جريج وعليه حمل بعضهم ما في الآية هنا . وتعقب ذلك ابن عطية بأن هذا قول ضعيف لم يأت له سند يعول عليه ، وأضعف منه بل لا يكاد يقدم عليه في الآية أحد ما روى عن مجاهد أن المراد بالروح أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا ومعه روح من تلك الأرواح { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي أن ينزل عليهم لا لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك .
والآية دليل على أن النبوة عطائية كما هو المذهب الحق ، ويرد بها أيضاً على بعض المتصوفة القائلين بأنه لا حاجة للخلق إلى إرسال الرسل عليهم السلام قالوا : الرسل سوى الله تعالى وكل ما سواه سبحانه حجاب عنه جل شأنه فالرسل حجاب عنه تعالى وكل ما هو حجاب لا حاجة للخلق إليه فالرسل لا حاجة إليهم ، وهذا جهل ظاهر ، ولعمري أنه زندقة وإحاد ، وفساده مثل كونه زندقة في الظهور ، ويكفي في ذلك منع الكبرى القائلة بأن كل ما سواه سبحانه الخ فإن الرسل وسيلة إلى الله تعالى والوصول إليه عز وجل لا حجاب ، وهل يقبل ذو عقل أن نائب السلطان في بلاده حجاب عنه ؟ وهب هذا القائل أمكنه الوصول إليه سبحانه بلا واسطة بقوة الرياضة والاستعداد والقابلية فالسواد الأعظم الذين لا يمكنهم ما أمكنه كيف يصنعون .
وممن ينتظم في سلك هؤلاء الملحدين البراهمة فإنهم أيضاً نفوا النبوة لكنهم استدلوا بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف فيأتي بالحسن ويجتنب القبيح ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك ، فالأنبياء عليهم السلام إما أن يأتوا بما يوافق العقل فلا حاجة معه إليهم أو بما يخالفه فلا التفات إليهم ، وجوابه أن هذا مبني على القول بالحسن والقبح العقليين ، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف وتم الأمر في إبطاله ، وعلى تقدير تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي ، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤوا بما يوافق العقل لا حاجة إليهم لجواز أن يعرفوا المكلف بعض ما يخفى عليه مما ينبغي له أو يؤكدوا حكمه بحكمهم ، ودليلان أقوى من دليل ، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤا بما يخالف العقل لا يلتفت إليهم لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عليه ، على أن ذلك فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه بنفسه كوجوب صوم آخر يوم من رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال ، وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله { أَنْ أَنْذِرُواْ } بدل من { الروح } على أن { ءانٍ } هي التي من شأنها أن تنصب المضارع وصلت بالأمر كما وصلت به في قولهم : كتبت إليه بأن قم ، ولا ضير في ذلك كما حقق في موضعه أي ينزلهم ملتبسين بطلب الإنذار منهم . وجوز ابن عطية . وأبو البقاء . وصاحب الغنيان كون { ءانٍ } مفسرة فلا موضع لها من الإعراب ، وذلك لما في تنزيل الملائكة بالوحي من معنى القول كأنه قيل : يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا ، وجوز الزمخشري ذلك وكون { ءانٍ } المخففة من المثقلة وأمر البدلية على حاله قال : والتقدير بأنه أنذروا أي بان الشأن أقول لكم أنذروا .
وتعقبه أبو حيان بأن جعلها مخففة وإضمار اسمها وهو ضمير الشأن وتقدير القول حتى يكون الخبر جملة خبرية تكلف لا حاجة إليه مع سهولة جعلها الثنائية التي من شأنها نصب المضارع ، وفيه بحث ، ففي «الكشف » أن تحقيق وصل الأمر بهذا الحرف ناصبة كانت أو مخففة وإضمار القول قد سلف إنما الكلام في إيثار المخففة ههنا وفي يونس والناصبة في نوح وهي الأصل لقلة التقدير ، وذلك لأن مقام المبالغة يقتضي إيثار المخففة ، ولهذا جعل بدلاً والمبدل منه ما عرفت شأنه ، وكذاك في يونس معناه أعجبوا من هذا الأمر المحقق وهو أن الشأن كذا ، وأما في نوح فكلام ابتدائي ، وجعلهم فائدة القول أن لا يقع الطلبي خبراً من ضيق العطن فذلك في ضمير الشأن غير مسلم لأنه متحد بما بعده وهو كما تقول : كلامي اضرب زيداً انتهى .
وقرىء { *لينذروا } والإنذار الإعلام كما قيل خلا أنه مختص بإعلام المحذور أي اعلموا { أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ } فالضمير للشان وهو من خلاف مقتضى الظاهر ، وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة مضمونها مع ما في ذلك من زيادة تقرير في الذهن ، و { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول الثاني لأنذروا دون تقدير جار فيه والمفعول الأول محذوف ، والمراد العموم أي أعلموا الناس أن الشان الخطير هذا ، ووجه انباء مضمونه عن المحذور بأنه ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الإشراك ، ولا يشترط تحقق المحذور كالاتصاف المذكور بالفعل في تحقق ماهية الإنذار ، وإن ابيت إلا اشتراط فتحقق الاتصاف في بعض أفراد المنذرين لا سيما الأكثر بالفعل كاف .
وقال الراغب : الإنذار إخبار فيه تخويف كما أن التبشير إخبار فيه سرور وهو قريب مما تقدم ، ومحصله على العبارتين التخويف ، ومن هنا جوز بعضهم تفسيره بذلك وقدر المفعول الأول خاصاً و { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول الثاني بتقدير الجار أي خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأن الشأن الخطير هذا ، وذلك كما جوز تفسيره بالإعلام ، وجعل المفعول الأول عاماً ولم يقدر جاراً في الثاني ، وذكر أن ذلك أصل معناه وأن تخصيصه بإعلام المذور طارىء فإن أريد ذلك الأصل كان تعلقه بما بعده ظاهراً غاية الظهور ، وإن أريد غيره احتاج إلى التوجيه ، وقد علمته فيما إذا كان المفعول الأول عاماً ، والأمر فيما إذا كان خاصاً بعد ذلك أظهر من أن يذكر .
وذكر بعض الفضلاء أن الثابت في اللغة أن نذر بالشيء كفرح به فحذره وأنذره إذا أعلمه بما يحذره وليس فيها مجيئه بمعنى التخويف فأصله الإعلام مع التخويف فاستعملوه بكل من جزئي معنييه الإعلام والتخويف انتهى وفيه غفلة عما أشرنا إليه ، وكأنه لهذا قيل : إنه لم يأت بشيء يعتد به { فاتقون } جعله أبو السعود خطاباً للمستعجلين على طريقة الالتفات والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على من يشاء تنزيلهم عليه من عباده وأمر المنزل عليهم بأن ينذروا الناس بأنه تعالى لا شريك له فيه الألوهية فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرة ما ينافيه وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء انتهى .
وهو على ما يقتضيه الظاهر مبني على ما مال إليه من اختصاص الخطاب السابق بالكفرة ، وجعل بعضهم هذا الخطاب رجوعاً أيضاً إلى خطاب قريش لكنه متفرع على التوحيد ، ووجه تفرعه عليه أنه سبحانه وتعالى إذا كان واحداً لم يتصور تخليص أحد لأحد من عذابه إذا أراد ذلك ولم يجوز جعله من جملة الموحي به على معنى أعلموهم قولي أن الشأن لا إله إلانا فاتقون أو خوفوهم بذلك معللاً بأنه لو كان ذلك لقيل إن بالكسر لا بالفتح .
وتعقب بمنع اللزوم فإن أن ليست بعد قول صريح أو مقدر وإنما ذكروا ذلك في بيان المعنى لتصويره ، واختير أنه إذا كان الإنذار بمعنى التخويف فالظاهر دخول هذا الأمر في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة وهو المقصود بالذكر ، وإذا كان بمعنى الإعلام فالمقصود بالإعلام هو الجملة الأولى وهو متفرع عليها على طريق الالتفات ، ولا يخلو عن مناقشة فتأمل ، والذي يميل إليه القلب أن المجموع داخل في حيز الانذار وهو مشتمل على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية والأمر بالتقوى التي هي أقصى كمال القوة العملية فإن النفوس البشرية لها نسبة إلى عالم الغيب تستعد بها لقبول الصور والتحلي بالمعارف والإدراكات من ذلك العالم ، ونسبة إلى عالم الشهادة تستعد بها لأن تتصرف في أجسام هذا العالم ويسمى استعدادها الحاصل لها باعتبار النسبة الأولى قوة نظرية واستعدادها باعتبار النسبة الثانية قوة عملية ، وأشرف كمالات القوة النظرية معرفة أن لا إله إلا الله تعالى ، وأشرف كمالات القوة العملية الاتيان بالأعمال الصالحة الواقية عن خزي يوم القيامة .
/ وقدم قوله تعالى : { لا إله إِلا أَنَاْ } على قوله سبحانه : { فاتقون } للإشارة إلى أن ما يستند إلى القوة النظرية أعلى كمالاً مما يستند إلى القوة العملية ، والكمال الإنساني باعتبار هاتين القوتين يسمى كمالاً نفسانياً ، وله كمالات أخر هي كمالاته ابلدنية وقواه الحيوانية ، وقد فصل ذلك في موضعه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :ثم فصل ما شاهد في عين الجمع لكونه في مقام الفرق بعد الجمع لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة ولا بالعكس فقال : { يُنَزّلُ الملائكة بالروح } وهو العلم الذي تحيا به القلوب { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهم المخلصون له { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } [ النحل : 2 ] وقال بعضهم : أي خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري وخوفهم من عظيم جلالي ، وهذا وحي تبليغ وهو مخصوص بالمرسلين عليهم السلام ، وذكروا أن الوحي إذا لم يكن كذلك غير مخصوص بهم بل يكون للأولياء أيضاً { الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة * أَ لا *تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [ فصلت : 30 ] وقد روى عن بعض أئمة أهل البيت أن الملائكة تزاحمهم في مجالسهم ،
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ينزل الملائكة}، يعنى جبريل، عليه السلام،
{على من يشاء من عباده} من الأنبياء، عليهم السلام، ثم أمرهم الله عز وجل أن ينذروا الناس، فقال: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
... ينزل الله الملائكة... بوحيه إلى رسله... "ينزّل "بالتشديد... لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولى من التخفيف. فتأويل الكلام: ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحق ويضمحل به الباطل من أمره.
{على من يشاء من عباده} يعني على من يشاء من رسله {أن أنذروا}. ومعنى الكلام: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان، فإنه {لا إله إلا أنا} يقول: لا تنبغي الألوهة إلا لي، ولا يصلح أن يعبد شيء سواي.
{فاتقون} يقول: فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة...
عن قتادة، قوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره} يقول: ينزل بالرحمة والوحي من أمره، {على من يشاء من عباده} فيصطفي منهم رسلا... عن قتادة، قوله: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} إنما بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره، ويجتنب سخطه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
...ويحتمل {بالروح} الرحمة. وهو الذي به نجاة كل من رحمه الله، وهداه لدينه، وهو ما ذكر حين قال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107).
وقيل: الرسالة والنبوة وما ذكر روحا لأنه به حياة الدين كما سمى الذي به حياة الأبدان روحا. وقال الحسن: قوله: {بالروح من أمره} أي بالحياة من أمره، وهو ما ذكرنا من حياة الدين.
{على من يشاء من عباده} أي على من يشاء أن يختص من عباده، ويختاره، وهو مشيئة الاختيار، وإن كان غيره يصلح لذلك.
وقوله تعالى: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} على هذا أجاب الرسل والأنبياء رضي الله عنهم جميعا بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله وتوجيه العباد إليه.
{أن أنذروا} هو صلة ما تقدم من قوله: {ينزل الملائكة} {أن أنذروا}. ولا يوصل بما تأخر. ثم يخرج على الإضمار، أي {أنذروا} وقولوا: إنه {لا إله إلا أنا فاتقون}.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{ينزل الملائكة بالروحِ من أمره على من يشاء من عبادِهِ} فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أن الروح هاهنا الوحي، وهو النبوة، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه كلام الله تعالى وهو القرآن، قاله الربيع ابن أنس.
الثالث: أنه بيان الحق الذي يجب اتباعه، قاله ابن عيسى...
الخامس: أن الروح الرحمة، قاله الحسن وقتادة.
ويحتمل تأويلاً سادساً: أن يكون الروح الهداية، لأنها تحيا بها القلوب كما تحيي الروح الأبدان.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... وقال قوم: أراد حياة النفوس، والارشاد لهم إلى الدين، وقد فسر ذلك بقوله "ان أنذروا "وهو بدل من الروح، وموضعه الجر وتقديره ب (أن أنذروا) لأن الموعظة والإنذار للكافر حياة، لأنه تعالى شبه الكافر بالميت، فقال "أو من كان ميتا فأحييناه" بالإسلام.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{تنزل الملائكة} أي تتنزل {بالروح مِنْ أَمْرِهِ} بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، و {أَنْ أَنْذِرُواْ} بدل من الروح، أي ينزلهم بأن أنذروا. وتقديره: بأنه أنذروا، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا. أو تكون «أن» مفسرة؛ لأنّ تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول. ومعنى أنذروا {أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ} أعلموا بأنّ الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته. والمعنى: يقول لهم أعلموا الناس قولي لا إله إلا أنا {فاتقون}.
... الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة، ونوم الغفلة، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك} وعلى عيسى عليه السلام في قوله: {روح الله} وإنما حسن هذا الإطلاق، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى.
{من أمره} يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} وقوله: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وقوله: {وهم من خشيته مشفقون} وقوله: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه...
هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره} ليس إلا لمجرد قوله: {لا إله إلا أنا فاتقون} وهذا كلام حق، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة:
وفي المرتبة الثالثة: الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم،
وفي المرتبة الرابعة: الأمور المنفصلة عن البدن.
أما المرتبة الأولى: وهي الكمالات النفسانية، فاعلم أن النفس لها قوتان:
إحداهما: استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف. وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا}
والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: {فاتقون}، ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله (فاتقون) ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: {لا إله إلا أنا} على كمالات القوة العملية وهي قوله: {فاتقون}...
فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ} أي: الوحي كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].
{عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم الأنبياء، كما قال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75]، وقال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 15، 16].
{أَنْ أَنْذِرُوا} أي: لينذروا {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا} [كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا}] {فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي طلبوها في قولهم (لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر:7] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب على إنزالهم مجتمعين، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضاً يطلبون به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم -كما تقدم في الحجر، وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلاً بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيراً إلى ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: {ينزل الملائكة} الذين هم الملأ الأعلى {بالروح} أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح {من أمره} الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي {ألا له الخلق والأمر} وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام! {على ما يشاء من عباده} دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: {أن أنذروا} أي الناس سطواتي، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب {أنه لا إله إلا أنا} وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمراً بما هو أقصى كمال القوة العملية: {فاتقون} أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن علمته أهلاً لتلقي الروح منحته إياه.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{يُنَزّلُ الملائكة} بيانٌ لتحتم التوحيدِ حسبما نُبّه عليه تنبيهاً إجمالياً ببيان تقدّس جنابِ الكبرياءِ وتعاليه عن أن يحوم حوله شائبةُ أن يشاركه شيءٌ في شيء، وإيذانٌ بأنه دينٌ أجمع عليه جمهورُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام وأُمروا بدعوة الناسِ إليه مع الإشارة إلى سر البعثةِ والتشريعِ وكيفية إلقاءِ الوحي، والتنبيهِ على طريق علمِ الرسول عليه الصلاة والسلام بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحةً لاستبعادهم اختصاصَه عليه الصلاة والسلام بذلك، وإظهاراً لبُطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للإشعار بأن ذلك عادةٌ مستمرةٌ له سبحانه...
والإنذارُ: الإعلام خلا أنه مختصٌّ بإعلام المحذورِ، من نذر بالشيء إذا علمه فحذِرَه، وأنذره بالأمر إنذاراً أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلِموا الناس {أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ} فالضمير للشأن، ومدارُ وضعِه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المغنيةِ عن التصريح به، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ من أول الأمر بفخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرٍ له في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه ابتداءً إلا شأنٌ مبهمٌ له خطر، فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه مترقباً فيتمكن لديه عند وروده فضلُ تمكن، كأنه قيل: أنذروا أن الشأنَ الخطير هذا، وإنباءُ مضمونِه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصافُ المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك وذلك كافٍ في كون إعلامِه إنذاراً...
{فاتقون} خطابٌ للمستعجِلين على طريقة الالتفاتِ، والفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادتِه تعالى بتنزيل الملائكةِ على الأنبياء عليهم السلام وأمرِهم بأن ينذِروا الناسِ أنه لا شريك له في الألوهية، فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرةِ ما ينافيه من الإشراك وفروعِه التي من جملتها الاستعجالُ والاستهزاءُ.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
...وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاتقون} أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهذا أولى نعمه وكبراها. فهو لا ينزل من السماء ماء يحيي الأرض والأجسام وحدها -كما سيجيئ- إنما ينزل الملائكة بالروح من أمره. وللتعبير بالروح ظله ومعناه. فهو حياة ومبعث حياة: حياة في النفوس والضمائر والعقول والمشاعر. وحياة في المجتمع تحفظه من الفساد والتحلل والانهيار. وهو أول ما ينزله الله من السماء للناس، وأول النعم التي يمن الله بها على العباد. تنزل به الملائكة أطهر خلق الله على المختارين من عباده -الأنبياء- خلاصته وفحواه: (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون.) إنها الوحدانية في الألوهية. روح العقيدة. وحياة النفس. ومفرق الطريق بين الاتجاه المحيي والاتجاه المدمر. فالنفس التي لا توحد المعبود نفس حائرة هالكة تتجاذبها السبل وتخايل لها الأوهام وتمزقها التصورات المتناقضة، وتناوشها الوساوس، فلا تنطلق مجتمعة لهدف من الأهداف! والتعبير بالروح يشمل هذه المعاني كلها ويشير إليها في مطلع السورة المشتملة على شتى النعم، فيصدر بها نعمه جميعا؛ وهي النعمة الكبرى التي لا قيمة لغيرها بدونها؛ ولا تحسن النفس البشرية الانتفاع بنعم الأرض كلها إن لم توهب نعمة العقيدة التي تحييها. ويفرد الإنذار، فيجعله فحوى الوحي والرسالة، لأن معظم سياق السورة يدور حول المكذبين والمشركين والجاحدين لنعمة الله، والمحرمين ما أحله الله، والناقضين لعهد الله، والمرتدين عن الإيمان ومن ثم يكون إظهار الإنذار أليق في هذا السياق. وتكون الدعوة إلى التقوى والحذر والخوف أولى في هذا المقام.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
كان استعجالُهم بالعذاب استهزاءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وكان ناشئاً عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر.
وأُتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول عليه الصلاة والسلام من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفاً موجزاً. وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد.
والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل عليه السلام.
والروح: الوحي. أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى: {أومن كان ميتاً فأحييناه} [سورة الأنعام: 122].
ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلّت بها الحياة المعنوية وهو العلم، كما أن الروح إذا حلّ في الجسم حلّت به الحياة الحسيّة، قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [سورة الشورى: 52].
ومعنى من أمره} الجنس، أي من أموره، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر بها. وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}، وقوله تعالى: {يحفظونه من أمر الله} [سورة الرعد: 11]، وقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} [سورة الإسراء: 85] لما تفيده الإضافة من التخصيص...
وقوله تعالى: {على من يشاء من عباده} رد على فنون من تكذيبهم؛ فقد قالوا: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [سورة الزخرف: 31] وقالوا: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب} [سورة الزخرف: 53] أي كان ملكاً، وقالوا: {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [سورة الفرقان: 7]. ومشيئة الله جارية على وفق حكمته، قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [سورة الأنعام: 124].
و {أن أنذروا} تفسير لفعل {ينزل} لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي.
وقوله: {بالروح من أمره على من يشاء من عباده} اعتراض واستطراد بين فعل {ينزل} ومفسره.
و {أنه لا إله إلا أنا} متعلق ب {أنذروا} على حذف حرف الجر حذفاً مطرداً مع (أنّ). والتقدير: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا. والضمير المنصوب ب (أنّ) ضمير الشأن. ولما كان هذا الخبر مسوقاً للذين اتّخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالاً يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضدّ اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذاراً.
وفرع عليه {فاتقون} وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة.
وقد أحاطت جملة {أن أنذروا} إلى قوله تعالى: {فاتقون} بالشريعة كلها، لأن جملة {أنذروا أنه لا إله إلا أنا} تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.
وجملة {فاتقون} تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{أنه لا إله إلا أنا فاتقون}... تقرير للوحدانية جاء على لسان الحق جل جلاله {أنه لا إله إلا أنا} داخل عليها حرف جر، وهو الباء و (أن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه الحال والشأن {لا إله إلا أنا} وقد ذكر ضمير المتكلم لتربية المهابة، ولفيض جلاله سبحانه وتعالى، والجملة دالة على القصر، فالألوهية مقصورة على الذات العلية، وما ينحلونها بالألوهية من أوثان باطل في أصله، وإنما هي أوهامهم التي أعطتها صبغة الألوهية، وإذا كان الله تعالى جل جلاله هو وحده الإله فإن الوقاية من عذابه، وخوف عقابه أمران لازمان؛ ولذا رتب سبحانه على وصفه وحده بالألوهية قوله: {فاتقون} فالفاء فلترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه إذا كان هو الإله لا شريك له، فلا يتقى غيره، وجاء على لسان الأمر، لكي يجتنبوا ما يعرضهم للعذاب، ومعنى (اتقوا) اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، واملؤوا قلوبكم بتقواه، كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران 102].
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وبخصوص التعبير "بالروح "عن القرآن الكريم جاء قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52]، فالقرآن روح حقيقية ومعنوية، أحيا الله بها الإنسانية دينا ودنيا، وقد كان نزوله نقطة تحول في تاريخ النوع البشري ومرحلة حاسمة في تطور العقائد والشعائر والشرائع، ونقطة انطلاق في حياة الأمم والشعوب والسلالات، مما أدى إلى تغيير خريطة العالم في أكثر البلدان والأقاليم والقارات، فعالم ما بعد القرآن غير عالم ما قبل القرآن، بشهادة الأصدقاء والأعداء.
... {ينزل الملائكة} والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قول الحق سبحانه: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير} (سورة الحج 75) أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقي منه ليعطوا المصطفين من الناس؛ ليبلغ هؤلاء المصطفين عن الله لبقية الناس. ذلك أن العلويات العالية لا يملك الكائن الأدنى طاقة ليتحمل ما تتنزل به الأمور العلوية مباشرة من الحق سبحانه...
والأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو ما جاء في الآية الأولى منها: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وهذا الأمر هو نتيجة لما يشاءه الله من حياة للناس على الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر متعددة يجمعها إبراز المعدوم إلي الوجود؛ فهو سبحانه القائل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (سورة النحل 40).
فإذا شاء أمراً جزئياً فهو يقول له: كن فيكون، وإذا أراد منهجاً؛ فهو ينزله، وإذا أراد حساباً وعقاباً وساعة؛ فهو القائل (أتى أمر الله) وهكذا نفهم أن معنى (أمر الله) هو (كن فيكون) أي: إخراج المعدوم إلي حيز الوجود؛ سواء أكان معدوماً جزئياً، أو معدوماً كلياً، أو معدوماً أزلياً. وكل ذلك اسمه أمر، ولحظة أن يأمر الله؛ فنحن نثق أن مأمور الله يبرز؛ ولذلك قال سبحانه: {إذا السماء انشقت "1 "وأذنت لربها وحقت "2 "} (سورة الانشقاق) أي: أنها لم تسمع الأمر فقط؛ بل نفذته فور صدوره؛ دون أدنى ذرة من تخلف، فأمر الله ينفذ فور صدوره من الحق سبحانه..
وسبحانه ينزل الملائكة بالروح على من يشاء لينذروا؛ ولم يأت الحق سبحانه بالبشارة هنا؛ لأن الحديث موجه للكفار في قوله: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}.
أو: أن الحق ينبه رسوله، إن دخلت عليهم ففسر لهم مبهم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو الحق الأعلم بمن يصطفي. ومشيئته الاصطفاء والاجتباء والاختيار إنما تتم بمواصفات الحق سبحانه؛ فهو القائل: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} (سورة الأنعام 124)...
أو: أن الحق سبحانه يوضح لرسوله: بعد أن شرحت لهؤلاء أمر الوحي، فعليك أن تبلغهم كلمة الله: {لا إله إلا أنا فاتقون}. ومادام لا يوجد إله آخر فعلى الرسول أن يسدي لهم النصيحة؛ بأن يقصروا على أنفسهم حيرة البحث عن إله، ويوضح لهم أن لا إله إلا هو؛ وعليهم أن يتقوه. وفي هذا حنان من الحق على الخلق، وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجبت ورفضت كفر بعض من البشر بالله؛ وطلبت أن تنتقم من الإنسان، وقال لهم:"لو خلقتموهم لرحمتموهم، دعوني وخلقي؛ إن تابوا إلي فأنا حبيبهم؛ وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم". وقول الحق سبحانه: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} هو جماع عقائد السماء للأرض؛ وجماع التعبدات التي طلبها الله من خلقه لينظم لهم حركة الحياة متساندة لا متعاندة. فكأن: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} هي تفسير لما أنزله الله على الملائكة من الروح التي قلنا من قبل: إنها الروح الثانية التي يجئ بها الوحي؛ وتحمل منهج الله ليضمن للمعتنق حياة لا يزول نعيمها ولا المتنعم بها؛ وهي غير الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان، فالحياة تدب فيه حركة وحساً ولكنها إلي الفناء. وكأن الحق سبحانه من رحمته بخلقه أن أنزل لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلاً من أن يظلوا أسرى الحياة الفانية وحدها. ومن رحمته أيضاً أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر من يكفر به؛ ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا من محب؛ فسبحانه يحب خلقه، ويحب منهم أن يكونوا إليه مخلصين مؤمنين، ويحب لهم أن ينعموا في آخرة لا أسباب فيها؛ لأنهم سيعيشون فيها بكلمة "كن" من المسبب. فإذا قال لهم "إنه لا إله إلا أنا" فهو يوضح أنه لا إله غيره، فلا تشركوا بي شيئاً، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي ينظم حياتكم وأجازي عليه في الآخرة. وإياكم أن تغتروا بأني خلقت الأسباب مسخرة لكم؛ فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب؛ فقد أردت الحياة بلاءً واختباراً؛ وفي الآخرة لا سلطان للأسباب أبداً: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} (سورة غافر 16) وظاهرة الأمر أن الملك لله في الآخرة، والحقيقة أن الملك لله دائماً في الدنيا وفي الآخرة؛ ولكنه شاء أن يجعل الأسباب المخلوقة بمشيئته تستجيب للإنسان؛ فإياك أن تظن أنك أصبحت قادراً؛ فأنت في الحياة تملك أشياء، ويملكك ملك أو حاكم مثلك؛ فسنة الكون أن يوجد نظام يحكم الجميع. ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها؛ فلا ملك لأحد غير الله، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق، تلك الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا؛ لا حكم لك عليها في الآخرة، بل ستكون شاهدة عليك. فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في الدنيا، فإن وجهتها إلى مأمور الله؛ فأنت من عباده، وإن لم توجهها إلى مطلوب الله، فأنت من عبيده. وبعد ذلك يقدم لك سبحانه الحيثية التي تعزز أمره بعبادته وحده، وأن لا إله غيره؛ فإنه لم يطلب أن نعبده إلا بعد أن خلق لنا السماوات والأرض؛ وكل الكون المعد لاستقبال الإنسان بالحق؛ أي بالشيء الثابت؛ والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
...نستطيع أن نستوحي من {يُنَزِّلُ الْملائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} المعنى الذي يلتقي بالوحي، أو بالقرآن في التطبيق، في ما تمثله كلمة الروح من معنى الحياة التي تعطي الفكر والشعور والواقع حيويةً جديدةً، تماماً كما هي الروح عندما تدب في الجسد، فتبعث فيه الحركة والحياة.
... {عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} ممن يصطفيهم الله لوحيه، لما تحويه عقولهم وأرواحهم من صفاءٍ وطهر، تجعلهم في مستوى عالٍ يلتقون فيه بمعاني الوحي، وممن يختارهم الله لرسالته، لما يمتلكونه من قوّةٍ وإرادةٍ وعزيمةٍ وشجاعةٍ في الكلمة والموقف، يؤهلهم لمواجهة التحديات الصعبة من أعداء الله، الذين يوجه الأنبياء إليهم كلمة الله القوية الحاسمة المنذرة التي يواجهون فيها الموقف النهائي، الذي لا مجال فيه لأيّ تراجعٍ أو تردّد أو اهتزازٍ، لأنه الموقف الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه المنهج الذي أراده الله للحياة، لترتكز من خلاله على أساس القاعدة الثابتة الممتدة في الأعماق من حيث العمق، وفي الآفاق، من حيث الامتداد، والخط الذي أراد الله للإنسان أن يتحرك فيه في الصراط المستقيم..
{أَنْ أَنْذِرُواْ}، الإنذار يعني تحميل الإنسان المسؤولية في مواجهة النتائج السلبية لعمله، من اهتزاز الدنيا، وعذاب الآخرة، في حال إغراقه وابتعاده عن المدار الصحيح الذي تقتضيه القاعدة والخط.
مبدأ التوحيد {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَاْ}: التوحيد هو المبدأ الذي ينطلق منه كل الحق ويصب فيه، حيث تلتقي الحياة كلها في منهجٍ واحدٍ، لا تتعدد معه السبل، ولا تتحيّر فيه الإرادات، ولا تختلف فيه الغايات، فهو البداية وهو النهاية، يربط بينهما خط السير الواضح المستقيم...
{فَاتَّقُونِ} والتقوى هي الالتزام بالنهج الإلهي، وما يأمر به الله عباده من أعمالٍ وأقوال وعلاقات، وما ينهاهم عنه من ذلك كله، والإصرار على الانضباط الذي لا يسمح بالاهتزاز والانحراف والحيرة، بل يركز الإرادة على أساس الوضوح في الرؤية، والقوّة في اتخاذ القرار وفي تنفيذه. وبذلك يمكن لنا أن نلخّص ونختصر العقيدة في تفاصيلها، والشريعة في مناهجها وأحكامها، والمفاهيم في جزئياتها، وكلياتها، في الإسلام وكل الأديان الأخرى، في كلمتين هما التوحيد والتقوى. هل يكفي أن يتصور الإنسان الله بشكل مجرّد يحلّق به في آفاق لا مجال يحويه إلا الغيب، الذي لا يدركه إلاّ بطريقةٍ غائمةٍ؟ أم لا بدّ له من اختزان الصورة في وعيه، من خلال عظمة الله في خلقه، ومن خلال رحمته في نعمه؟
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
... وبما أنَّ مستلزمات العدل الإِلهي اقتضت عدم العقاب إِلاّ بعد البيان الكافي والحجّة التامة، فقد أضاف سبحانه: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على مَنْ يشأء من عباده أن أنذروا أنّه لا إله إلاّ أَنَا) بناء على هذا الإِنذار والتذكير (فاتقون)...
لا ينبغي غض الطرف من كون الإِنذار من أوائل الأوامر الربانية الموجهة إلى الأنبياء (عليهم السلام) بدليل عبارة (أن أنذروا)، لأنّ من طبيعة الإِنذار أن يعقبه انتباه فنهوض وحركة. صحيح أنّ الإِنسان طالب للمنفعة ودافع للضرر، ولكنّ التجربة أظهرت أنّ للترغيب أثر بالغ لمن يمتلك أسس وشرائط قبول الهداية، أما مَنْ أعمت بصيرتهم ملهيات الحياة الدنيا فلا ينفع معهم إِلاّ التهديد والوعيد، وفي بداية دعوة النّبي كان من الضروري استخدام أسلوب الإنذار الشديد.