روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا} (51)

{ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ } استئناف مسوق لبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكر في أنفسهم بعد بيان الصوارف عن ذلك من خبائة الأصل والفسق والعداوة أي ما أحضرت إبليس وذريته .

{ خلِقَ السموات والأرض } حيث خلقتهما قبل خلقهم { وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] فكلا ضميري الجمع المنصوب والمجرور عائد على إبليس وذريته وهم المراد بالمضلين في قوله تعالى : { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً } وإنما وضع ذلك موضع ضميرهم ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء ، والعضد في الأصل ما بين المرفق إلى الكتف ويستعار للمعين كاليد وهو المراد هنا ولكونه نكرة في سياق النفي عم ، وفسر بالجمع والإفراد لرؤوس الآي ، وقيل إنما لم يجمع لأن الجميع في حكم الواحد في عدم الصلاحية للاعتضاد أي وما كنت متخذهم أعواناً في شأن الخلق أو في شأن من شؤوني حتى يتوهم شركتهم في التولي فضلاً عن الاستبدال الذي لزم فعلهم بناء على الشركة في بعض أحكام الربيوبية ، وارجاع ضمير { أَنفُسِهِمْ } إلى إبليس وذريته قد قال به كل من ذهب إلى إِرجاع ضمير { أَشْهَدتُّهُمْ } إليهم ، وعلل ذلك العلامة شيخ الإسلام بقوله حذراً من تفكيك الضميرين ومحافظة على ظاهر لفظ الأنفس ثم قال : ولك أن ترجع الضمير الثاني إلى الظالمين ويلتزم التفكيك بناء على عود المعنى إليه فإن نفي إشهاد الشياطين الذين يتولونهم هو الذي يدور عليه إنكار اتخاذهم أولياء بناء على أن أدنى ما يصحح التولى حضور الولي خلق المتولي ويحث لا حصول لا مصحح للتولي قطعاً ، وأما إشهاد بعض الشياطين خلق بعض منهم فليس من مداراته الإنكار المذكور في شيء على أن اشهاد بعضهم خلق بعض إن كان مصححاً لتولي الشاهد بناء على دلالته على كماله باعتبار أن له مدخلاً في خلق المشهود في الجملة فهو مخل بتولي المشهود بناء على قصوره عمن شهد خلقه فلا يكون نفي الإشهاد المذكور متمحضاً في نفي الكمال المصحح للتولي عن الكل وهو المناط للإنكار المذكور .

وفي الآية تهكم بالكفار وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على البلة والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به ، وإيثار نفي الاشهاد على نفس شهودهم ونفي اتخاذهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للاشعار بأنهم قهورون تحت قدرته تعالى تابعون لمشيئته سبحانه وإرادته عز وجل بمعزل من استحقاق الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير احضار واتخاذ وإنما قصارى ما يتوهم فيهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله جل جلاله ولم يكد ذلك يكون اه .

وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق لكن قيل عليه يجوز أن يراد من السموات والأرض ما يشمل أهلها وكثيراً ما يراد منهما ذلك فيدخل فيه الكفار فتفيد الآية نفيد الآية نفي إشهاد الشياطين خلقهم الذي من مداراته الإنكار المذكور من غير حاجة إلى التزام التفكيك الذي هو خلاف المتبادر ، وظاهر كلامه وكذا كلام كثير حمل الإشهاد المنفي على حقيقته .

وجوز أن يراد به المشاورة مجازاً وهو الذي يقتضيه ظاهر ما في البحر ولا مانع على هذا أن يراد من السموات والأرض ما يشمل أهلهما فكأنه قيل ما شاورتهم في خلق أحد لا الكفار ولا غيرهم فما بال هؤلاء الكفار يتولونهم وأدنى ما يصحح التولي كون الولي ممن يشاور في أمر المتولي أو أمر غيره ويكون نفي اتخاذهم أعواناً مطلقاً في شيء من الأشياء بعد نفي مشاورتهم في الخلق ليؤدي الكلام ظاهراً عموم نفي مدخليتهم بوجه من الوجوه رأياً وإيجاد { اَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ] من وجه ، وقيل قد يراد من نفي الاشهاد في جانب المعطوف نفي المشاورة ومنه نفي أن يكونوا خلقوا حسب مشيئتهم ومنه نفي أن يكونوا خلقوا كاملين فإنه يقال خلق كما شاء بمعنى كاملاً قال الشاعر :

خلقت مبرأ من كل عيب*** كأنك قد خلقت كما تشاء

وعلى هذا يكون في الخلق من أشهد خلق نفسه بمعنى أنه خلق كاملاف ، ولا يخفي ما فيه ، وقد يكتفي بدلالة ذلك على أن نفي الكمال بأقل من هذه المؤنة فافهم . وزعم أن الكاملين شهدوا حقيقة خلق أنفسهم بمعنى أنهم رأوا وهم أعيان ثابتة خلقهم أي إفاضة الوجود الخارجي الذي لا يتصف به المعدوم عليهم لا أرى أن كاملاً يقدم عليه أو يصغي إليه ، وقال الإمام بعد حكاية القول برجوع الضميرين إلى الشياطين : الأقرب عندي عودهما على الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد ؟ ، ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة فلم تقدم عليها ، والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار لأنهم المراد بالظالمين في قوله تعالى : { بِئْسَ للظالمين بَدَلاً } [ الكهف : 50 ] انتهى .

وقيل المعنى على تقدير عود الضميرين على أولئك الكفرة إن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله تعالى وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء ، وقيل المعنى عليه ما أشهدتهم خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بخصائص لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعمون فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد لديني بالمضلين ، ويعضده قراءة أبي جعفر .

والجحدري . والحسن . وشيبة { وَمَا كُنْتَ } بفتح التاء خطاباً له صلى الله عليه وسلم ، والمعنى ما صح لك الاعتضاد بهم ، ولعل وصف أولئك الظالمين بالإضلال لما أن قصدهم بطرد الفقراء تنفير الناس عنه صلى الله عليه وسلم وهو إضلال ظاهر ، وقيل كل ضال مضل لأن الإضلال إما بلسان القال أو بلسان الحال والثاني لا يخلو عنه ضال ، وقيل الضميران للملائكة ، والمعنى ما أشهدتهم ذلك ولا استعنت بهم في شيء بل خلقتهم ليعبدوني فكيف يعبدون ، ويرده { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً } إلا أن يقال : هو نفي لاتخاذ الشياطين أعواناً فيستفاد من الجملتين نفي صحة عبادة الفريقين ، وقال ابن عطية : الضميران عائدان على الكفار وعلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والأطباء ومن سواهم ممن يخوض خوضهم ، وإلى هذا ذهب عبد الحق الصقلي وذكره بعض الأصوليين انتهى . ويقال عليه في الجملة الأخيرة نحو ما قيل فيها آنفاً .

واستدل بها على أنه لا ينبغي الاستعانة بالكافر وهو في أمور الدين كجهاد الكفار وقتال أهل البغي مما ذهب إليه بعض الأئمة ولبعضهم في ذلك تفصيل ، وأما الاستعانة بهم في أمور الدنيا فالذي يظهر أنه لا بأس بها سواء كانت في أمر ممتهن كنزح الكنائف أو في غيره كعمل المنابر والمحاريب والخياطة ونحوها ، ولعل افرض اليهودي أو الكلب قد مات في كلام الفاروق رضي الله تعالى عنه لعد ما استخدم فيه من الأمور الدينية أو هو مبني على اختيار تفصيل في الأمور الدنيوية أيضاً .

وقد حكى الشيعة أن علياً كرم الله تعالى وجهه قال حين صمم على عزل معاوية وأشار عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإبقائه على عمله إلى أن يستفحل أمر الخلافة : يمنعني من ذلك قوله تعالى : { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً } فلا اتخذ معاوية عضداً أبداً ، وهو كذب لا يعتقده إلا ضال مضل .

وقرأ أبو جعفر . وشيبة . والسختياني . وعون العقيلي . وابن مقسم { مَا } بنون العظمة : وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه { مُتَّخِذَ المضلين } على أعمال اسم الفاعل . وقرأ الحسن . وعكرمة { عَضُداً } بسكون الضاد ونقل حركتها إلى العين . وقرأ عيسى { عَضُداً } بسكون الضاد للتخفيف كما قالوا في رجل وسبع رجل وسبع بالسكون وهي لغة عن تميم ، وعنه أيضاً أنه قرأ بفتحتين .

وقرأ شيبة . وأبو عمرو في رواية هارون . وخارجة . والخفاف . وأبي زيد { عَضُداً } بضمتين ، وروي ذلك عن الحسن أيضاف ، وكذا روي عنه أيضاً أنه قرأ بفتحتين ، وهو على هذا إما لغة في العضد كما في «البحر » ولم يذكره في «القاموس » وإما جمع عاضد كخدم جمع خادم من عضده بمعنى قواه وأعانه فحينئذٍ لا استعارة . وقرأ الضحاك { عَضُداً } بكسر العين وفتح الضاد ولم نجد ذلك من لغاته ، نعم في «القاموس » عد عضد ككتف منها وهو عكس هذه القراءة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } [ الكهف : 51 ] قيل أي ما أشهدتهم أسرار ذلك والدقائق المودعة فيه وإنما أشهد سبحانه ذلك أحباءه وأولياءه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا} (51)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ما أشهدتهم}، يعني: ما أحضرتهم،

{خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم}، يعني: إبليس وذريته،

ثم قال تعالى: {وما كنت متخذ المضلين}، الذين أضلوا بني آدم وذريته،

{عضدا}، يعني: عزا وعونا فيما خلقت من خلق السماوات والأرض ومن خلقهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول عزّ ذكره: ما أشهدت إبليس وذرّيته "خَلْقَ السمَوَاتِ والأرْضِ "يقول: ما أحضرتهم ذلك فأستعين بهم على خلقها، "وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ" يقول: ولا أشهدت بعضهم أيضا خلق بعض منهم، فأستعين به على خلقه، بل تفرّدت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، يقول: فكيف اتخذوا عدوّهم أولياء من دوني، وهم خلق من خلق أمثالهم، وتركوا عبادتي وأنا المنعم عليهم وعلى أسلافهم، وخالقهم وخالق من يوالونه من دوني منفردا بذلك من غير معين ولا ظهير.

"وَما كُنْتُ مُتّخِذَ المُضِلّينَ عَضُدا" يقول: وما كنت متخذ من لا يهدى إلى الحقّ، ولكنه يضلّ، فمن تبعه يجور به عن قصد السبيل أعوانا وأنصارا وهو من قولهم: فلان يعضد فلانا إذا كان يقوّيه ويعينه... وإنما يعني بذلك أن إبليس وذرّيته يضلون بني آدم عن الحقّ، ولا يهدونهم للرشد، وقد يحتمل أن يكون عنى بالمضلين الذين هم أتباع على الضلالة، وأصحاب على غير هدى...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} قال بعضهم: قال هذا لمشركي العرب حين قالوا: إن الملائكة بنات الله، والأصنام التي عبدوها هي آلهة، و هي شركاؤه. فيقول: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} ولا كان لهم كتاب، ولا آمنوا برسول. فكيف عرفوا ما قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة وشركاؤه؟!. وأسباب العلم والمعارف هذا: إما المشاهدة، وإما الرسل. فإذا لم يكن لهم واحد مما ذكرنا فكيف عرفوا ربهم. وبم علموا ما قالوا في الله من الولد والشركاء؟... ومنهم من قال: لاتخاذهم إبليس وذريته أولياء وأربابا، وهو صلة من قال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوا}. وفيه وجوه من التأويل:

أحدها: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} أي ما استحضرتهم خلق أنفسهم لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت، ولا خلق السماوات والأرض؛ لأنه خلقهما، وهم لم يكونوا أيضا أشياء.

والثاني: {ما أشهدتهم} ما أعلمتهم تدبير خلق السماوات والأرض، ولا تدبير خلق أنفسهم. فكيف قالوا في الله من الدعاوي؟ والثالث: {ما أشهدتهم} أي ما استعنت بهم في خلق السماوات والأرض ولا في خلق أنفسهم. فكيف أشركوا في ألوهيتي وربوبيتي؟ وما استعنت بهم في ذلك، والله أعلم...

{وما كنت متخذ المضلين عضدا} يحتمل وجوها:

أحدها: قال بعضهم: {وما كنت متخذ المضلين عضدا} عن الإيمان والهدى {عضدا} أعوانا لديني.

والثاني: {وما كنت متخذ المضلين} عبادي {عضدا} ينصر ديني، أو بعون أوليائي. والثالث: ما قال بعضهم: {وما كنت متخذ المضلين} الذين أضلوا بني آدم {عضدا}: عونا في ما خلقت من خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهو إبليس وذريته.

والرابع: {وما كنت متخذ المضلين عضدا} أولياء، إنما أتخذهم أعداء، وما كنت لأولي المضلين عضدا على أوليائي كقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة: 124) ونحوه. وكله قريب بعضه من بعض...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} فيه وجهان:

أحدهما: ما أشهدت إبليس وذريته.

الثاني: ما أشهدت جميع الخلق خلق السماوات والأرض.

وفيه وجهان:

أحدهما: ما أشهدتهم إياها استعانة بهم في خلقها.

الثاني: ما أشهدتهم خلقها فيعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه.

ويحتمل ثالثاً: ما أشهدتهم خلقها فيحيطون علماً بغيبها لاختصاص الله بعلم الغيب دون خلقه.

{ولا خلق أنفسهم} فيه وجهان:

أحدهما: ما استعنت ببعضهم على خلق بعض.

الثاني: ما أشهدت بعضهم خلق بعض.

ويحتمل ثالثاً: ما أعلمتم خلق أنفسهم فكيف يعلمون خلق غيرهم.

{وما كنت متخذ المضلين عضدا} يحتمل وجهين:

أحدهما: يعني أولياء.

الثاني: أعواناً، ووجدته منقولاً عن الكلبي.

وفيما أراد أنه لم يتخذهم أعواناً فيه وجهان:

أحدهما: أعواناً في خلق السماوات والأرض.

الثاني: أعواناً لعبدة الأوثان، قاله الكلبي.

وفي هؤلاء المضلين قولان:

أحدهما: إبليس وذريته.

الثاني: كل مضل من الخلائق كلهم.

قال بعض السلف: إذا كان ذنب المرء من قبل الشهوة فارْجُه، وإذا كان من قبل الكبر فلا ترْجه، لأن إبليس كان ذنبه من قبل الكبر فلم تقبل توبته، وكان ذنب آدم من قبل الشهوة فتاب الله عليه.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" ما أَشْهَدْتُهم خَلْقَ السمواتِ"... ووَجْهُ اتّصالِ ذلك بما قَبْلَه اتصالُ الحُجّةِ التي تكشف حيرةَ الشُّبْهة، لأنه بمنزلة ما قيل إنكم قد أقبَلتم على اتباع ابليس وذريته حتى كأن عندهم ما تحتاجون إليه، فلو أَشْهَدْتُهم خَلْقَ السمواتِ والأرضِ وخلقَ أنفسِهم، فلم يَخْفَ عليهم باطنُ الأمورِ وظاهِرُها لم تزيدوا على ما أنتم عليه في أمركم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مَّا أَشْهَدتُّهُمْ...} يعني: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض} لأعتضد بهم في خلقها {وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض... فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يقول تعالى: أنا المُستقِلّ بخلق الأشياء كلها، ومُدبِّرها ومُقدِّرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريكٌ ولا وزيرٌ، ولا مُشيرٌ ولا نظيرٌ...كما قال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} الآية [سبا: 23، 22]؛ ولهذا قال: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} قال مالك: أعوانًا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل على حقارتهم عن هذه الرتبة، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في {دوني} لذلك: {ما أشهدتهم} أي إبليس وذريته {خلق السماوات والأرض} نوعاً من أنواع الإشهاد {ولا خلق أنفسهم} إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً {وما كنت} أي أزلاً وأبداً متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: {متخذ المضلين عضداً} إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيراً أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وما كنت متخذ المضلين عضدا) فهل يتخذ الله سبحانه غير المضلين عضدا؟ وتعالى الله الغني عن العالمين، ذو القوة المتين.. إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها. فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع الله، إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا، وقوة خارقة. والشيطان مضل، والله يكره الضلال والمضلين. فلو أنه -على سبيل الفرض والجدل- كان متخذا له مساعدين، لما اختارهم من المضلين! وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن الله هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات. والإشهاد: جعل الغير شاهداً، أي حاضراً، وهو هنا كناية عن إحضار خاص، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه. ونفي هذا الشهود يستلزم نفي المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى أي، بالأولى، فإن خلق السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق العدم على وجودهم. وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القِدم، والقدم من لوازم الإلهية. وضمائر الغيبة في قوله: {أشهدتهم} وقوله: {أنفسهم} عائدة إلى المتحدث عنه، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله: {وهم لكم عدوّ}...

والمعنى: لا يليق بالكمال الإلهي أن أتخذ أهل الإضلال أعواناً فأشركهم في تصرفي في الإنشاء، فإن الله مفيض الهداية وواهب الدراية فكيف يكون أعوانه مصَادر الضلالة، أي لا يعين المُعين إلا على عمل أمثاله، ولا يكون إلا قريناً لأشكاله...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وهل يمكن لله سبحانه أن يمنح هؤلاء شرف القرب إليه باتخاذهم شركاء له، أو مساعدين له لو كان ذلك معقولاً في نفسه في الوقت الذي يخططون فيه لتحويل الحياة إلى قاعدة للضلال على مستوى العقيدة والعمل في حركة الإنسان فيها، ويعملون من أجل تحقيق ذلك من خلال ما يوسوسون به من أفكار الشرّ، وما يزينونه من أوضاع الضلال، ما يجعلهم في الموقع المواجه للحركة الهادية الصالحة التي يريد الله للإنسان أن يلتزمها، فإن الله يهدي إلى الحق، ويقود إلى خط الهدى والصلاح، فكيف يمكن أن يكون مثل هؤلاء في موقع الشركاء والمعاضدين لله في ملكه من هذه الجهة، مع أن الفكرة، في مسألة الشرك، لا تملك أساساً معقولاً في ذاتها، بل هي من الأفكار المستحيلة في ميزان العقل. ولعل في التعبير بالإشهاد، بدل الشهود، نوعاً من الإيحاء بأن الله هو الذي يملك الأمر كله، فلا يَملِك أحدٌ شيئاً إلا من خلال تمليك الله له، فإذا لم يقدِّر اللهُ لهم بأن يَشهدوا ذلك، فلا يمكن أن يتحقق لهم شيء منه...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... الشخص الذي ليسَ له أي دور في خلق العالم، وحتى في خلق مَن يقع على شاكلته ومَن هو مِن نوعه، ولا يعرف شيئاً مِن أسرار الخلق، كيف يكون مستحقاً للولاية، أو العبادة، وأي قدرة أو دور يملك؟ إِنَّهُ كائن ضعيف وجاهل حتى بقضاياه الذاتية، فكيف يستطيع أن يقود الآخرين، أو أن ينقذهم مِن المشاكل والصعوبات؟ ثمّ تقول: (وما كنت مُتخذ المضلّين عضداً). يعني أن الخلق قائم على أساس الصدق والصحة والهداية، أمّا الكائن الذي يقوم منهج حياته على الإِضلال والإِفساد، فليس لهُ مكان في إِدارة هذا النظام، لأنَّه يسير في اتجاه معاكس لنظام الخلق والوجود؛ إِنَّهُ مخرّب ومدمِّر وليسَ مُصلحاً متكاملا.