{ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } منصوب باذكر مضمراً أي اذكر يوم نقلع الجبال من أماكنها ونسيرها في الجو كالسحاب كما ينبئ عنه قوله تعالى : { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب } [ النمل : 88 ] ، وقيل : نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منبثاً والكلام على هذا على حذف مضاف ، وجوز أن يكون التسيير مجازاً عن الأذهان والأفناء بذكر السبب وإرادة المسبب أي واذكر يوم نذهب بها وننسفها نسفاً فيكون كقوله تعالى : { وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } [ الواقعة : 5 ، 6 ] ، واعترض كلا الأمرين بأن صيرورة الجبال هباء منبثاً وإذهابها بعد تسييرها فقد ذكر بعض المحققين أخذاً من الآيات أنه أولاً تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجو ثم تسقط فتصير كثيباً مهيلاً ثم هباء منبثاً ، والظاهر هنا أول أحوال الجبال ولا مقتضى للصرف عن الظاهر ، ثم المراد بذكر ذلك تحذير المشركين ما فيه من الدواهي التي هي أعظم من ثالثة الأثافي ، وجوز أبو حيان وغيره كون { يَوْمٍ } ظرفاً للفعل المضمر عند قوله تعالى { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } [ الكهف : 48 ] الخ أي قلنا يوم كذا لقد جئتمونا ، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى هناك ، وغير واحد كونه معطوفاً على ماقبله من قوله تعالى : { عِندَ رَبّكَ } [ الكهف : 46 ] فهو معمول { خَيْرٌ } [ الكهف : 46 ] أي الباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة وحينئذ يتعين أن يكون المراد من { عند ربك } [ الكهف : 46 ] في حكمه تعالى كما قيل به ، وقرأ ابن عامر . وابن كثير . وأبو عمرو . والحسن . وشبل . وقتادة . وعيسى . والزهري . وحميد . وطلحة . واليزيدي . والزبيري عن رجاله عن يعقوب { مِنْهُ الجبال } برفع الجبال وبناء تسير بالتاء ثالثة الحروف للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعينه ، وعن الحسن أنه قرأ كذلك إلا أنه جاء بالياء آخر الحروف بدل التاء ، وقرأ أبي سيرت الجبال بالماضي المبني للمفعول ورفع الجبال ، وقرأ ابن محيصن . ومحبوب عن أبي عمرو { مِنْهُ الجبال } بالمضارع المفتتح بالتاء المثناة من فوق المبني للفاعل ورفع الجبال { وَتَرَى الأرض } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية أي وترى جميع جوانب الأرض { بَارِزَةً } بادية ظاهرة أما ظهور ما كان منها تحت الجبال فظاهر ، وأما ماعداه فكانت الجبال تحول بينه وبين الناظر قبل ذلك أو تراها بارزة لذهاب جميع ما عليها من الجبال والبحار والعمران والأشجار وإنما اقتصر على زوال الجبال لأنه يعلم منه زوال ذلك بطريق الأولى ، وقيل : إسناد البروز إلى الأرض مجاز ، والمراد ترى أهل الأرض بارزين من بطنها وهو خلاف الظاهر .
وقرأ عيسى { وَتَرَى الأرض } ببناء الفعل للمفعول ورفع الأرض { وحشرناهم } أي جمعناهم إلى الموقف من كل أوب بعد أن أقمناهم من قبورهم ولم يذكر لظهور إرادته ، وعلى ما قبل يكون ذلك مذكوراً ، وإيثار الماضي يعد { نُسَيّرُ وَتَرَى } للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر الجزاء وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجباً ، وقال الزمخشري هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك اه .
واعترض بأن في بعض الآيات مع الأخبار ما يدل على أن التسيير والبروز عند النفخة الأولى وفساد نظام العالم والحشر وما عطف عليه عند النفخة الثانية فلا ينبغي حمل الآية على معنى وحشرناهم قبل ذلك لئلا تخالف غيرها فليتأمل ، ثم لا يخفي أن التعبير بالماضي على الأول مجاز وعلى هذا حقيقة لأن المضي والاستقبال بالنظر إلى الحكم المقارن له لا بالنسبة لزمان التكلم ، والجملة عليه كما في «الكشف » وغيره تحتمل العطف والحالية من فاعل { نُسَيّرُ } .
وقال أبو حيان : الأولى : جعلها حالاً على هذا القول ، وأوجبه بعضهم وعلله بأنها لو كانت معطوفة لم يكن مضى بالنسبة إلى التسيير والبروز بل إلى زمان التكلم فيحتاج إلى التويل الأول ، ثم قال : وتحقيقه أن صيغ الأفعال موضوعة لأزمنة التكلم إذا كانت مطلقة فإذا جعلت قيوداً لما يدل على زمان كان مضيها وغيره بالنسبة إلى زمانه اه وليس بشيء ، والحق عدم الوجوب ، وتحقيق ذلك أن الجمل التي ظاهرها التعاطف يجوز فيها التوافق والتخالف في الزمان فإذا كان في الواقع كذلك فلا خفاء فيه وإن لم يكن فلا بد للعدول من وجه ، فإن كان أحدهما قيداً للآخر وهو ماض بالنسبة إليه فهو حقيقة ووجهه ما ذكر ولا تكون الجملة معطوفة حينئذ ، فإن عطفت وجعل المضي بالنسبة لأحد المتعاطفين فلا مانع منه وهل هو حقيقة أو مجاز محل تردد ، والذي يحكم به الانصاف اختيار قول أبي حيان من أولوية الحالية على ذلك ، والقول بأنه لا وجه له لا وجه له ، وحينئذ يقدر قد عند الأكثرين أي وقد حشرناهم { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } أي لم نترك ، يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر الذي هو ترك الوفاء ، والغدير الذي هو ماء يتركه السيل في الأرض . وقرئ { يُغَادِرُ } بالياء التحتية على أن الضمير لله تعالى على طريق الالتفات .
وقرأ قتادة { تغادر } بالتاء الفوقية على أن الضمير للأرض كما في قوله تعالى : { مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } [ الإنشقاق : 4 ] وجوز أبو حيان كونه للقدرة . وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم كذلك أو بفتح الدال مبنياً للمفعول ورفع { أَحَدٌ } على النيابة عن الفاعل . وقرأ الضحاك { نغدر } بضم النون وإسكان الغين وكسر الدال .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } [ الكهف : 47 ] قال ابن عطاء : دل سبحانه بهذا على إظهار جبروته وتمام قدرته وعظيم عزته ليتأهب العبد لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك المشهد وجوابه
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ويوم نسير الجبال} من أماكنها،
{وترى الأرض بارزة} من الجبال والبناء والشجر وغيره،
{وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا}، فلم يبق منهم أحد إلا حشرناه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجِبالَ" عن الأرض، فَنبسّها بَسّا، ونجعلها هباء منبثا، "وَتَرَى الأرْضَ بارِزَةً "ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها...
وقيل: معنى ذلك: وترى الأرض بارزا أهلها الذين كانوا في بطنها، فصاروا على ظهرها...
"وَحَشْرناهُمْ" يقول: جمعناهم إلى موقف الحساب، "فَلَمْ نُغادِرُ مِنْهُمْ أحَدا"، يقول: فلم نترك، ولم نبق منهم تحت الأرض أحدا...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يذكرهم، جل وعلا، بشدة أهوال ذلك اليوم و أفزاعه حين سار أثبت شيء رأوا في الدنيا، وتكسر أصلب شيء رأوا في الدنيا، وهو الجبال لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه... ثم يحتمل أن تكون هذه الأهوال التي ذكر لأهل الكفر والعصاة منهم، فأما أهل الإيمان والإحسان يكونون في أمن وعافية من تلك الأهوال كقوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا} الآية (فصلت: 30).
وقوله تعالى: {وترى الأرض بارزة} أي ظاهرة، ليس عليها بناء ولا شجر ولا جبال و لا حجر ولا شيء؛ تصير مستوية على ما ذكرنا {قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} (طه: 16و17) ويحتمل قوله: {وترى الأرض بارزة} أي يكون أهلها بارزين له كقوله: {وبرزوا لله جميعا} (إبراهيم: 21).
{وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} أي يجمعهم جميعا كقوله {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة: 49 و50).
اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال: {ويوم نسير الجبال} والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان {ويوم نسير الجبال} ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} ولقوله: {وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا}
والنوع الثاني: من أحوال القيامة قوله تعالى: {وترى الأرض بارزة}
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة بالثواب أو الضعة بالعقاب، و كان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوماً يجمع فيه الخلائق، فهو بالحقيقة المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ذكره، لأنه أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفاً على {واضرب}: {ويوم} أي واذكر لهم يوم {نسير الجبال} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض -بعد أن صار هشيماً- بالرياح {فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النحل: 88] {وترى الأرض} بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل {و} الحال أنا قد {حشرناهم} أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهراً إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت، وتظهر الفضائح والمغيبات، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير، والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها {فلم نغادر} أي نترك بما لنا من العظمة {منهم} أي الأولين والآخرين {أحداً} لأنه لا ذهول ولا عجز...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إنه مشهد تشترك فيه الطبيعة ويرتسم الهول فيه على صفحاتها وعلى صفحات القلوب. مشهد تتحرك فيه الجبال الراسخة فتسير، فكيف بالقلوب، وتتبدى فيه الأرض عارية، وتبرز فيه صفحتها مكشوفة لا نجاد فيها ولا وهاد، ولا جبال فيها ولا وديان. وكذلك تتكشف خبايا القلوب فلا تخفى منها خافية. ومن هذه الأرض المستوية المكشوفة التي لا تخبى ء شيئا، ولا تخفي أحدا: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا)...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وعَبَّر سبحانه بالفعل "حَشَرَ "للإشارة إلى جمْعِهم غيرَ مُريدين، أو مختارين، وأنهم جميعا متلاقون الضّالّون والمُضِلّون...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
في الآيات: وصف ليوم القيامة وفزع الكفار فيه لما تحقق به وعد الله الذي كانوا يشكون فيه. وعبارتها واضحة، والوصف مخيف مفزع حقا، وقد استهدف به كما هو المتبادر فيما استهدف إنذار السامعين وبخاصة الكافرين المجرمين وإثارة الرعب والفزع فيهم وحملهم على الارعواء...
والإشارةُ إلى تسيير الجبال يُقصَد به على ما تُلهِمه روح الآيات تصويرُ هَوْلِ الآخرة ومشاهدِها بالإضافة إلى ما في الخبر القرآني من حقيقة غيبيّة يجب الإيمان بها. ولقد تنوع ذكر مصير الجبال في الآخرة مما يمكن أن يكون قرينةً على هذا القصد. والجبالُ تَشْغَل من أذهان السامعين حيِّزا بسبب ضخامتها وعلوِّها مما يفسِّر حكمة التنزيل في تَكرار ذِكر مصائِرِها في الآخرة وهوانِها على الله وقُدرتِه...
ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر أقوى مظهر ثابت في الحياة الدنيا، وإلا ففي الأرض أشياء أخرى قوية وثابتة كالعمائر وناطحات السحاب، والشجر الكبير الضخم المعمر وغيرها كثير. فإذا كان الحق سبحانه سيَنسِف هذه للجبال ويزيلها عن أماكنها، فغيرُها مما على وجه الأرض زائلٌ من بابِ أَولَى...
ثم يقول سبحانه: {وترى الأرضَ بارزةً}: الأرض: كلُّ ما أَقَلَّكَ من هذه البسيطة التي نعيش عليها، وكلُّ ما يَعْلوك ويُظِلّك فهو سماء، ومعنى: (بارزةً)، البَرَازُ: هو الفضاء، أي: وترى الأرض فضاءً خاليةً مما كان عليها من أشكال الجبال والمباني والأشجار، حتى البحر الذي يغطي جزءاً كبيراً من الأرض...