روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

{ لِكُلّ أُمَّةٍ } كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه الصلاة والسلام من أهل الأديان السماوية عن منازعته عليه الصلاة والسلام ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع وإظهار خطئهم في النظر أي لكل أمة معينة من الأمم الخالية والباقية { جَعَلْنَا } وضعنا وعيناً { مَنسَكًا } أي شريعة خاصة ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر لا لأمة أخرى منهم ، والكلام نظير قولك لكل من فاطمة وزينب وهند وحفصة أعطيت ثوباً خاصاً إذا كنت أعطيت فاطمة ثوباً أحمر وزينب ثوباً أصفر وهنداً ثوباً أسود وحفصة ثوباً أبيض فإنه بمعنى لفاطمة أعطيت ثوباً أحمر لا لأخرى من أخواتها ولزينب أعطيت ثوباً أصفر لا لأخرى منهن وهكذا ، وحاصل المعنى هنا عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالاً ولا اشتراكاً ، وقوله تعالى : { هُمْ نَاسِكُوهُ } صفة لمنسكاً مؤكدة للقصر ، والضمير لكل أمة باعتبار خصوصها أي تلك الأمة المعينة ناسكون به وعاملون لا أمة أخرى ؛ فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام منسكهم ما في التوراة هم عاملون به لا غيرهم ، وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من الموجودين إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم ما في القرآن ليس إلا ، والفاء في قوله سبحانه : { فَلاَ ينازعنك في الأمر } أي أمر الدين لترتيب النهي على ما قبلها فإن تعيينه تعالى لكل أمة من الأمم التي من جملتها أمته عليه الصلاة والسلام شريعة مستقلة بحيث لا تتخطى أمة منهم ما عين لها موجب لطاعة هؤلاء له صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم إياه في أمر الدين زعماً منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم مما في التوراة والإنجيل فإن ذلك شريعة لمن مضى قبل انتساخه وهؤلاء أمة مستقلة شريعتهم ما في القرآن فحسب ، والظاهر أن المراد نهيهم حقيقة عن النزاع في ذلك .

واختار بعضهم كونه كناية عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى نزاعهم المبني على زعمهم المذكور لأنه أنسب بقوله تعالى الآتي { وادع } الخ ، وأمر الأنسبية عليه ظاهر إلا أنه في نفسه خلاف الظاهر ، وقال الزجاج : هو نهي له عليه الصلاة والسلام عن منازعتهم كما تقول : لا يضاربنك زيد أي لا تضاربنه وذلك بطريق الكناية ، وهذا إنما يجوز على ما قيل وبحث فيه في باب المفاعلة للتلازم فلا يجوز في مثل لا يضربنك زيد أن تريد لا تضربنه .

وتعقب بأنه لا يساعده المقام . وقرئ { فَلاَ ينازعنك } بالنون الخفيفة . وقرأ أبو مجلز .

ولاحق بن حميد { فَلاَ ينازعنك } بكسر الزاي على أنه من النزع بمعنى الجذب كما في «البحر » ، والمعنى كما قال ابن جني فلا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم فتكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره .

وفي «الكشاف » أن المعنى أثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه ، والمراد زيادة التثبيت له عليه الصلاة والسلام بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله تعالى ولدينه ومثله كثير في القرآن .

وقال الزجاج : هو من نازعته فنزعته أنزعه أي غلبته ، فالمعنى لا يغلبنك في المنازعة والمراد بها منازعة الجدال يعني أن ذلك من باب المغالبة ، لكن أنت تعلم أنها عند الجمهور تقال في كل فعل فاعلته ففعلته أفعله بضم العين ولا تكسر إلا شذوذاً ، وزعم الكسائي ورده العلماء أن ما كان عينه أو لامه حرف حلق لا يضم بل يترك على ما كان عليه فيكون ما هنا على توجيه الزجاج شاذاً عند الجمهور .

وقال سيبويه : كما في «المفصل » وليس في كل شيء يكون هذا أي باب المغالبة ألا ترى أنك تقول : نازعني فنزعته استغنى عنه بغلبته ، ثم إن المراد من لا يغلبنك في المنازعة لا تقصر في منازعتهم حتى يغلبوك فيها ، وفيه مبالغة في التثبيت فليس هناك نهى له صلى الله عليه وسلم عن فعل غيره ، هذا وما ذكرنا من تفسير المنسك بالشريعة هو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره القفال ، وقال الإمام : هو الأقرب ، وقيل : هو مصدر بمعنى النسك أي العبادة ، قال ابن عطية : يعطي ذلك { هُمْ نَاسِكُوهُ } وقيل : هو اسم زمان ، وقيل : اسم مكان ، وكان الظاهر ناسكون فيه إلا أنه اتسع في ذلك ، وقال مجاهد : هو الذبح .

وأخرج ذلك الحاكم وصححه . والبيهقي في الشعب عن علي بن الحسن رضي الله تعالى عنهما ؛ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وعبد بن حميد عن عكرمة ، وجعل ضمير { ينازعنك } للمشركين ، والأمر المتنازع فيه أمر الذبائح لما ذكر من أن الآية نزلت بسبب قول الخزاعيين بديل بن ورقاء . وبشر بن سفيان . ويزيد بن خنيس للمؤمنين ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله تعالى . ومنهم من اقتصر على جعل محل النزاع أمر النسائك وجعله عبارة عن قول الخزاعيين المذكور . وتعقبه شيخ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلاً كيف لا وأنه يستدعي أن يكون أكل الميتة وسائر ما يدين به المشركون من الأباطيل من المناسك التي جعلها الله تعالى لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل . وأجيب بأن المعنى عليه لا ينازعنك المشركون في أمر النسائك فإنه لكل أمة شريعة شرعناها وأعلمناك بها فكيف ينازعون بما ليس له عين ولا أثر فيها ، وقيل : المعنى عليه لا تلتفت إلى نزاع المشركين في أمر الذبائح فإنا جعلنا لكل أمة من أهل الأديان ذبحاهم ذابحوه .

وحاصله لا تلتفت إلى ذلك فإن الذبح شرع قديم للأمم غير مختص بأمتك وهذا مما لا شك في صحته ، ومن قال بصحة الآثار وعض عليها بالنواجذ لا يكاد يجد أولى منه في بيان حاصل الآية على ما تقتضيه ، ومن لم يكن كذلك ورأى أن الآية متى احتملت معنى جزلاً لا محذور فيه قيل به وإن لم يذكره أحد من السلف فعليه بما ذكرناه أولاً في تفسير الآية ، وأياً ما كان فالظاهر أنه إنما لم تعطف هذه الجملة كما عطف قوله تعالى : { وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ } [ الحج : 34 ] الخ لضعف الجامع بينها وبين ما تقدمها من الآيات بخلاف ذلك . وفي «الكشف » بياناً لكلام الكشاف في توجيه العطف هناك وتركه هنا أن الجامع هناك قوي مقتض للعطف فإن قوله تعالى : { لَكُمْ فِيهَا } [ الحج : 33 ] أي في الشعائر منافع دينية ودنيوية كوجوب نحرها منتهية إلى البيت العتيق كالإعادة لما في قوله تعالى : { لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ معلومات } [ الحج : 28 ] إلا أن فيه تخصيصاً بالمخاطبين فعطف عليه { وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا } [ الحج : 34 ] للذكر لتتم الإعادة والغرض من هذا الأسلوب أن يبين أنه شرع قديم وأنه لم يزل متضمناً لمنافع جليلة في الدارين ، وأما فيما نحن فيه فأين حديث النسائك من حديث تعداد الآيات والنعم الدالة على كمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ولعمري أن شرعية النسائك لكل أمة وإن كانت من الرحمة والنعمة لكن النظر إلى المجانسة بين النعم وما سيق له الكلام فالحالة مقتضية للقطع ، وذكره ههنا لهذه المناسبة على نحو خفي ضيق اه ، وهو حسن وظاهره تفسير النسك بالذبح .

وذكر الطيبي أن ما تقدم عطف على قوله تعالى : { وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } [ الحج : 32 ] الخ وهو من تتمة الكلام مع المؤمنين أي الأمر ذلك والمطلوب تعظيم شعائر الله تعالى وليس هذا مما يختص بكم إذ كل أمة مخصوصة بنسك وعبادة .

وهذه الآية مقدمة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يوجب نزاع القوم تسلية له وتعظيم لأمره حيث جعل أمره منسكاً وديناً يعني شأنك وشأن أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ترك المنازعة مع الجهال وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى النزاع وملازمة الدعوة إلى التوحيد أو لكل أمة من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقاً وديناً هم ناسكوه فلا ينازعنك هؤلاء المجادلة . سمي دأبهم نسكاً لإيجابهم ذلك على أنفسهم واستمرارهم عليه تهكماً بهم ومسلاة لرسوله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم ، وأما اتصاله بما سبق من الآيات فإن قوله تعالى : { وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } [ الحج : 55 ] يوجب القلع عن إنذار القوم والإياس منهم ومتاركتهم والآيات المتخللة كالتأكيد لمعنى التسلية فجيء بقوله تعالى : { لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ ينازعنك } تحريضاً له عليه الصلاة والسلام على التأسي بالأنبياء السالفة في متاركة القوم والإمساك عن مجادلتهم بعد الإياس من إيمانهم وينصره قوله تعالى :

{ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة } [ الحج : 69 ] فالربط على طريقة الاستئناف وهو أقوى من الربط اللفظي . والذي يدور عليه قطب هذه السورة الكريمة الكلام في مجادلة القوم ومعانديهم والنعي عليهم بشدة شكيمتهم ألا ترى كيف افتتحها بقوله سبحانه : { وَمِنَ الناس مَن يجادل في الله } [ الحج : 3 ] وكررها وجعلها أصلاً للمعنى المهتم به وكلما شرع في أمر كر إليه تثبيتاً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ومسلاة لصدره الشريف عليه الصلاة والسلام فلا يقال : إن هذه الآية واقعة مع أباعد عن معناها انتهى ، ولعمري أنه أبعد عن ربوع التحقيق وفسر الآية الكريمة بما لا يليق . وقد تعقب في «الكشف » اتصاله بما ذكر بأنه لا وجه له فقد تخلل ما لا يصلح لتأكيد معنى التسلية المذكورة أعني قوله تعالى : { وَمَنْ عَاقَبَ } [ الحج : 60 ] الآيات لاسيما على ما آثره من جعلها في المقاتلين في الشهر الحرام ولو سلم فلا مدخل للاستئناف وهو تمهيد لما بعده أعني قوله تعالى : { فَلاَ ينازعنك } الخ ، وأما قوله والذي يدور عليه الخ فهو مسلم وهو عليه لا له فتأمل والله تعالى الموفق للصواب .

{ وادع } أي وادع هؤلاء المنازعين أو الناس كافة على أنهم داخلون فيهم دخولاً أولياً { إلى رَبّكَ } إلى توحيده وعبادته حسبما بين في منسكهم وشريعتهم { إِنَّكَ لعلى هُدًى } أي طريق موصل إلى الحق ففيه استعارة مكنية وتخييليتها على ، وقوله تعالى : { مُّسْتَقِيمٍ } أي سوي أو أحدهما تخييل والآخر ترشيح ، ثم المراد بهذا الطريق إما الدين والشريعة أو أدلتها ، والجملة استئناف في موضوع التعليل .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال سبحانه: {لكل أمة} يعني: لكل قوم فيما خلا {جعلنا منسكا} يعني: ذبحا، يعني: هراقة الدماء ذبيحة في عيدهم {هم ناسكوه} يعني: ذابحوه... {فلا ينازعنك في الأمر} يعني: في أمر الذبائح، فإنك أولى بالأمر منهم، أي من كفار خزاعة وغيرهم...

{وادع إلى ربك} يعني: إلى معرفة ربك وهو التوحيد.

{إنك لعلى هدى} يعني: لعلى دين {مستقيم}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"لِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا" يقول: لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه وقضاء فرائضي وعملاً يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ... وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة...

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: "لِكُلّ أُمةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا": أيّ المناسك عني به؟ فقال بعضهم: عني به: عيدهم الذي يعتادونه...

وقال آخرون: عني به ذبح يذبحونه ودم يهريقونه...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا ولذلك قلنا: عني بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا.

وقوله: "فَلا يُنازِعُنّكَ فِي الأَمْرِ "يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟ فإنك أولى بالحقّ منهم، لأنك محقّ وهم مبطلون...

وقوله: "وَادْعُ إلى رَبّكَ" يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّأوا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن مجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم ومطاعمهم وعبادتهم الآلهة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: {منسكا}: دينا، أي جعلنا لكل أمة دينا، يدعون إليه، أي كل أمة تدعى إلى دين واحد، وهو قول الحسن...

{لكل أمة منسكا} أي شريعة. فهذا على الاختلاف، أي جعلنا لكل أمة شريعة على حدة {هم ناسكوه} ذلك كقوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}... وقال عامة أهل التأويل: {منسكا} أي ذبائح وعيدا...

لأن من الناس من ينكر أن يكون الذبح شريعة الله. فأخبر أن الذبح سنة الله وشريعته في الأمم كلها... {وادع إلى ربك} إلى عبادة ربك، وانههم عن عبادة من دونه. وقوله تعالى: {إنك لعلى هدى مستقيم} هذا يدل أن التأويل الذي ذكرنا في المنسك، وهو الدين، أشبه وأقرب، لأنه ذكر {إنك لعلى هدى مستقيم} فلا يتخالجن في نفسك شك في ذلك...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قال أبو بكر: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فقال:"إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا في يَوْمِنَا هَذَا الصَّلاةُ ثم الذَّبْحُ"... فجعل الصلاة والذبح جميعاً نُسُكاً؛ وهذا يدلّ على أن اسم النسك يقع على جميع العبادات، إلا أن الأظهر الأغلب في العادة عند الإطلاق، الذبح على وجه القربة، قال الله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}... وليس يمتنع أن يكون المراد جميع العبادات ويكون الذبح أحد ما أُرِيدَ بالآية، فيوجب ذلك أن يكونوا مأمورين بالذبح لقوله تعالى: {فَلا يُنَازِعُنَّكَ في الأَمْرِ}...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

هو نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك. أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنازعة في الدين، وهم جهال لا علم عندهم، وهم كفار خزاعة...

{فِى الأمر} في أمر الدين. وقيل: في أمر النسائك...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وأما قوله: {فلا ينازعنك} ففيه قولان: أحدهما: وهو قول الزجاج: أنه نهي لهم عن منازعتهم، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه. والثاني: أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه. فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: {وادع إلى ربك} أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى. كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال: {وإن جادلوك}.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{فلا ينازعنك} سائر أرباب الملل. {في الأمر} في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، وقيل المراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء،...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فلا ينازعنك في الأمر} أي بما يلقيه الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به، من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم: لو كان من عند الله لما أمر اليوم بشيء ونهي عنه غداً. لأنه يلزم منه البدء، فليس الأمر كما زعموا، بل هو دال على العلم بالعواقب والاقتدار التام على شرع المذاهب، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه، فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا فيه كائناً ما كان... ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له صلى الله عليه وسلم إلهاباً وتهييجاً إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك، لأن كيدهم في تضليل، والإقبال على شأنه، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته على إجلاله صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بالنهي، عطف عليه قوله: {وادع} أي أوقع الدعوة لجميع الخلق {إلى ربك} أي المحسن إليك بإرسالك، بالحمل لهم على كل ما أمرك به متى ما أمرك، ولا يهولنك قولهم، فإنهم مغلوبون لا محالة، ولا تتأمل عاقبة من العواقب، بل أقدم على الأمر وإن ظن أن فيه الهلاك، فإنه ليس عليك إلا ذلك. وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين، وقهر المعاندين، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر، وأحكم الشأن في جميع الزواجر؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنك} مؤكداً له بحسب ما عندهم من الإنكار {لعلى هدى مستقيم} فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

وهذه الآية مقدمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عما يوجب نزاع القوم تسلية له وتعظيم لأمره حيث جعل أمره منسكاً وديناً يعني شأنك وشأن أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ترك المنازعة مع الجهال وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى النزاع وملازمة الدعوة إلى التوحيد أو لكل أمة من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقاً وديناً هم ناسكوه فلا ينازعنك هؤلاء المجادلة. سمي دأبهم نسكاً لإيجابهم ذلك على أنفسهم واستمرارهم عليه تهكماً بهم ومسلاة لرسوله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم،...

{وادع} أي وادع هؤلاء المنازعين أو الناس كافة على أنهم داخلون فيهم دخولاً أولياً {إلى رَبّكَ} إلى توحيده وعبادته حسبما بين في منسكهم وشريعتهم {إِنَّكَ لعلى هُدًى} أي طريق موصل إلى الحق...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ} أي في ذلك الجعل والوضع والحوار في تنوعه في كل أمة، وعدم وحدته. أو في أمر ما جئتهم به، زعما بأنه يستغنى عنه بما شرع قبله. لأنه جهل بحكمته تعالى في تكوين الأمم وتربيتها بالشرائع المناسبة لزمنها ومكانها، وحياتها ومنشئها. ولذلك كانت هذه الشريعة أهدى الشرائع للامتنان بها، حينما بلغ الإنسان أعلى طور الرشد ولذلك وجبت الدعوة إليها خاصة كما قال سبحانه {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} أي اثبت على دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك عنه. أو معناه: ثابر على الدعوة إلى ما أمرت به. فلا تضرك منازعتهم. وعلى الكل اتباعك وعدم مخالفتك، لاستقرار الأمر على شرعتك. لأنها الطريق القويم.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

والخلاصة: اثبت أيها الرسول على دينك ثابتا لا يطمعون أن يجذبوك منه ليزيلوك عنه، والمراد بذلك تهييج حميته عليه السلام، وإلهاب غضبه لله ولدينه، ومثل هذا كثير في كتاب الله، وكأنه قد قيل له: تأس بالأنبياء قبلك في متاركة القوم الظالمين، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فصاحب هذا الاعتراض، المنكر لرسالة الرسول، إذا زعم أنه يجادل ليسترشد، يقال له: الكلام معك في إثبات الرسالة وعدمها، وإلا فالاقتصار على هذه، دليل أن مقصوده التعنت والتعجيز، ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويمضي على ذلك، سواء اعترض المعترضون أم لا، وأنه لا ينبغي أن يثنيك عن الدعوة شيء، لأنك {على هُدًى مُسْتَقِيمٍ} أي: معتدل موصل للمقصود، متضمن علم الحق والعمل به، فأنت على ثقة من أمرك، ويقين من دينك، فيوجب ذلك لك الصلابة والمضي لما أمرك به ربك، ولست على أمر مشكوك فيه، أو حديث مفترى، فتقف مع الناس ومع أهوائهم، وآرائهم، ويوقفك اعتراضهم،...

{إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} إرشاد لأجوبة المعترضين على جزئيات الشرع، بالعقل الصحيح، فإن الهدى وصف لكل ما جاء به الرسول، والهدى: ما تحصل به الهداية، من مسائل الأصول والفروع، وهي المسائل التي يعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة السليمة، وهذا يعرف بتدبر تفاصيل المأمورات والمنهيات...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وحين يصل السياق إلى هذا المقطع الفاصل من عرض دلائل القدرة في مشاهد الكون الكبرى يتوجه بالخطاب إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ليمضي في طريقه، غير ملتفت إلى المشركين وجدالهم له؛ فلا يمكنهم من نزاعه في منهجه الذي اختاره الله له، وكلفه تبليغه وسلوكه...

(لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه، فلا ينازعنك في الأمر، وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم...

إن لكل أمة منهجا وطريقة في الحياة والتفكير والسلوك والاعتقاد. هذا المنهج خاضع لسنن الله في تصريف الطبائع والقلوب وفق المؤثرات والاستجابات. وهي سنن ثابتة مطردة دقيقة. فالأمة التي تفتح قلوبها لدواعي الهدى ودلائله في الكون والنفس هي أمة مهتدية إلى الله بالاهتداء إلى نواميسه المؤدية إلى معرفته وطاعته. والأمة التي تغلق قلوبها دون تلك الدواعي والدلائل أمة ضالة تزداد ضلالا كلما زادت اعراضا عن الهدى ودواعيه.. وهكذا جعل الله لكل أمة منسكا هم ناسكوه، ومنهجا هم سالكوه.. فلا داعي إذن لأن يشغل الرسول [صلى الله عليه وسلم] نفسه بمجادلة المشركين، وهم يصدون أنفسهم عن منسك الهدى، ويمعنون في منسك الضلال. والله يأمره ألا يدع لهم فرصة لينازعوه أمره، ويجادلوه في منهجه. كما يأمره أن يمضي على منهجه لا يتلفت ولا ينشغل بجدل المجادلين. فهو منهج مستقيم: (وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم).. فليطمئن إذن على استقامة منهجه. واستقامته هو على الهدى في الطريق...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذا متصل في المعنى بقوله: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم} [الحج: 34] الآية. وقد فُصل بين الكلامين ما اقتضى الحال استطراده من قوله: {وبشر المحسنين إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 37-38] إلى هنا، فعاد الكلام إلى الغرض الذي في قوله: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله} [الحج: 34] الآية ليبنى عليه قوله: {فلا ينازعنك في الأمر}. فهذا استدلال على توحيد الله تعالى بما سبق من الشرائع لقصد إبطال تعدد الآلهة، بأن الله ما جعل لأهل كلّ ملة سبقت إلا مَنسكاً واحداً يتقرّبون فيه إلى الله لأنّ المتقرّب إليه واحد...

وفرّع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها، فالنهي ظاهره موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما أعطيه من الحجج كافٍ في قطع منازعة معارضيه، فالمعارضون هم المقصود بالنهي، ولكن لما كان سبب نهيهم هو ما عند الرسول صلى الله عليه وسلم من الحجج وُجه إليه النهي عن منازعتهم إياه كأنه قيل: فلا تترك لهم ما ينازعونك به...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وانتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة واقعية وتاريخية هي أن نزول الشرائع وتواليها واختلاف بعضها عن بعض في التفاصيل والجزئيات ظاهرة عرفتها الإنسانية خلال أجيال وقرون، فليس ظهور الشريعة التي هي خاتمة الشرائع على الشكل الذي تميزت به عن غيرها أمرا غريبا ولا عجيبا {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه}... وأوصى الحق سبحانه وتعالى رسوله هنا كما أوصاه هناك بأن لا يقبل من خصوم الإسلام أي نزاع أو جدال فيما جاء به عن الله من الحق، وبأن يواصل دعوته عن بينة واقتناع، تاركا الفصل النهائي بينه وبين المعاندين والمنكرين إلى يوم الفصل والجزاء، وذلك قوله تعالى {فلا ينازعنك في الأمر} أي لا ينازعك أحد منهم فيما يشرع لأمتك من أمر الدين {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم}...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي شريعة ومنهجاً في عبادة الله، {هُمْ نَاسِكُوهُ} سائرون عليه وملتزمون به، ذلك أن مصلحة البشر تفرض التغيير والتبديل على هذا المستوى نظراً لتطور التفكير وتغيّر الزمن. وبما أن الله ينزل الأحكام حسب ما تقتضيه مصلحة عباده، وفي ما ينسجم مع أوضاعهم العامة والخاصة، فلا غرابة في أن تختلف المناسك التي جاء بها النبي (ص) عن المناسك التي كانت مألوفةً في الرسالات السابقة، {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ في الأمر} أي ليس لهم أن ينازعوك ذلك، لأن اختلاف ما جاء به النبي عما جاء في الشرائع السابقة، لا يدل على أنه ليس من عند الله، لأن حكمة الله قد اقتضت أن يغيّر خصوصيات المناسك والشرائع من رسالةٍ إلى أخرى. وبما أن الأمر كذلك، فلا بد للنبي (ص) من الابتعاد عن ساحة التعقيد مما يثيره الكافرون من الضوضاء حوله، ومحاولتهم منهم التشكيك بصدق رسالته، بحجّة اختلافها عما يعرفونه من أحكام، لأن أيّ كلامٍ يفتقد الحجّة لا يملك ثباتاً على المدى الطويل، وبالتالي فإن تأثيره الجزئي الذي يمكن أن يتركه لا بد من أن يزول بطريقةٍ أو بأخرى أمام ظهور الحقيقة الواضحة.. ولهذا دعا الله رسوله لمواصلة طريقه دون الاكتراث بكل هذا الضجيج الذي يثيرونه أمامه.. {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} ولا تتوقف ولا تتراجع، بل استمر في الطريق الذي بدأته ودعوت إليه، لأنك على هدى واضح يتحرك في خط الاستقامة، بحيث لا يستطيع أحد أن يسجل عليك نقطة في خط الانحراف...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تناولت البحوث السابقة المشركين خاصّة، ومخالفي الإسلام عامّة، ممّن جادلوا فيما أشرق به الإسلام من مبادىء نسخت بعض تعاليم الأديان السابقة. وكانوا يرون من ذلك ضعفاً في الشريعة الإسلامية، وقوّة في أديانهم، في حين أنّ ذلك لا يشكل ضعفاً إطلاقاً، بل هو نقطة قوّة ومنهج لتكامل الأديان ولذا جاء الفصل الربّاني جلّياً (لكلّ اُمّة جعلنا منسكاً هم ناسكوه)... لهذا فإنّ الآية تبيّن أنّ لكلّ اُمّة شرعة ومنهاجاً يفي بمتطلّباتها بحسب الأحوال التي تعيشها، لكنّ ارتقاءها يستوجب تعاليم جديدة تلبّي مطامحها المرتقّية، وهذا ما صدعت به الآية المباركة وأنارته قائلة: (فلا ينازعنّك في الأمر). فبما تقدّم لا ينبغي لهم منازعتك في هذا الأمر. (وادع إلى ربّك إنّك لعلى هدى مستقيم). تخاطب الآية النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ياأيّها النّبي لا يؤثّر هؤلاء في دعوتك الراشدة باعتراضاتهم الضالّة، فالمهتدي إلى الصراط المستقيم أقوى من الضارب في التيه...

فوصف «الهدى» بالاستقامة، إمّا تأكيداً لها، وإمّا إشارة إلى أنّها يمكن أن تتحقّق بطرق مختلفة، قريبها وبعيدها، مستقيمها وملتويها، إلاّ أنّ الهداية الإلهيّة أقربها وأكثرها استقامة.