{ يأَهْلِ الكتاب لاتغلوا } تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الضلال البعيد ، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم وجماعة من المفسرين ، وعن الحسن أنه خطاب لهم ولليهود لأن الغلو أي مجاوزة الحد والإفراط المنهي عنه في قوله تعالى : { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } وقع منهم جميعاً ، أما النصارى فقال بعضهم : عيسى عليه السلام ابن الله عز وجل ، وبعضهم أنه الله سبحانه ، وآخرون ثالث ثلاثة وأما اليهود فقالوا : إنه عليه السلام ولد لغير رشده ، ورجح ما عليه الجماعة بأن قول اليهود قد نعى فيما سبق وبأنه أوفق بما بعد { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القول الحق دون القول المتضمن لدعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الصاحبة والولد والاستثناء مفرغ ، وهو متصل عند الأكثرين . وادعى بعض أن المراد من الحق هنا تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد ، والأشبه بالإستثناء الانقطاع لأن التنزيه لا يكون مقولاً عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى وهو مخالف لما عليه الأكثر في الاستثناء المفرغ فافهم .
{ إِنَّمَا المسيح } بالتخفيف ، وقد مر معناه ، وقرىء المسيح بكسر الميم وتشديد السين كالسكيت وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : { عِيسَى } بدل منه أو عطف بيان له كما قال أبو البقاء وغيره وقوله تعالى : { ابن مَرْيَمَ } صفة له مفيدة بطلان ما زعموه فيه من بنوته عليه السلام له عز وجل ، وقوله سبحانه : { رَسُولِ الله } خبر المبتدأ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أي أنه عليه السلام مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها إلى ما تقولون { وَكَلِمَتُهُ } عطف على { رَسُولِ الله } ومعنى كونه ( كلمة ) أنه حصل بكلمة كن من غير مادة معتادة ، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة .
وقال الغزالي قدس سره : لكل مولود سبب قريب وبعيد ، فالأول : المني والثاني : قول كن ، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى عليه السلام أضافه إلى البعيد ، وهو قول كن إشارة إلى انتفاء القريب ، وأوضحه بقوله سبحانه : { ألقاها إلى مَرْيَمَ } أي أوصلها إليها وحصلها فيها ، فجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة ، وقيل : معناه أنه يهتدي بكلام الله تعالى ، وروي ذلك عن أبي علي الجبائي ، وقيل : معناه بشارة الله تعالى التي بشر بها مريم عليها السلام على لسان الملائكة كما قال سبحانه : { إِذْ قَالَتِ الملئكة يامريم * مَرْيَمَ *إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ } [ آل عمران : 45 ] وجملة { ألقاها } حال على ما قيل : من الضمير المجرور في { *كلمته } بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة ، والتقدير وكلمته ملقياً إياها وقيل : حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل عليه { الله وَكَلِمَتُهُ } من معنى المشتق الذي هو العامل فيها ، وقيل : حال من فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون ، والتقدير إذ كان ألقاها إلى مريم .
{ وَرُوحٌ مّنْهُ } عطف على ما قبله وسمي عليه السلام روحاً لأنه حدث عن نفخة جبرائيل عليه السلام في درع مريم عليها السلام بأمره سبحانه ، وجاء تسمية النفخ روحاً في كلامهم ، ومنه قول ذي الرمة في نار ( اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال ) :
وأحيها بروحك *** و من متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح ، وهي لابتداء الغاية مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى .
يحكى أن طبيباً نصرانياً حاذقاً للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له : إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى ، وتلى هذه الآية ، فقرأ الواقدي قوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى * السموات وَمَا فِي الارض *جَمِيعاً مّنْهُ } [ الجاثية : 13 ] فقال : إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءاً منه سبحانه وتعالى علواً كبيراً فانقطع النصراني فأسلم ، وفرح الرشيد فرحاً شديداً ، ووصل الواقدي بصلة فاخرة ، وقيل : سمي روحاً لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح ، وإلى ذلك ذهب الجبائي ، وقيل : الروح هنا بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى : { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } [ المجادلة : 22 ] على وجه ، وقيل : أريد بالروح الوحي الذي أوحى إلى مريم عليها السلام بالبشارة ، وقيل : جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكوناً من النفخ لا من النطفة وصف بالروح ، وقيل : أريد بالروح السر كما يقال : روح هذه المسألة كذا أي أنه عليه السلام سر من أسرار الله تعالى وآية من آياته سبحانه ، وقيل : المراد ذو روح على حذف المضاف ، أو استعمال الروح في معنى ذي الروح ، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف ، ونظير ذلك ما في التوراة أن موسى عليه السلام رجل الله . وعصاه قضيب الله وأورشليم بيت الله ، وقيل : المراد من الروح جبريل عليه السلام ، والعطف على الضمير المستكن في ألقاها والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى مريم ، ولا يخفى بعده . وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى عليه السلام بنسبة الروح إليه إذ لغيره عليه السلام مشاركة له في ذلك ، ففي «إنجيل لوقا » قال يسوع لتلاميذه : إن أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه ، وفي «إنجيل متى » : إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه ، وفي «التوراة » : قال الله تعالى لموسى عليه السلام اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت ، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم ، وفيها في حق يوسف عليه السلام : يقول الملك : هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى عز وجل حال فيه ، وفيها أيضاً : إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك .
ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباده حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء ، وإطلاق ذلك على عيسى عليه السلام من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد : عدل ، وليس المراد به الروح الذي به الحياة أصلاً ، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل الشاحب ، والموت بصورة الكبش ، ويؤيد ذلك في الجملة ما في «إنجيل متى » في تمام الكلام على تعميد عيسى عليه السلام : إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا بصوت من السماء هذا ابن الحبيب الذي سرت به نفسي فإنه على تقدير صحته يهدم ما يزعمه النصارى من أنه عليه السلام تجسد بروح القدس في بطن أمه . وما فيه من وصفه عليه السلام بالبنوة سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه .
{ مَّا كَانَ } وخصوه بالألوهية { وَرُسُلِهِ } أجمعين ولا تخرجوا أحداً منهم إلى ما يستحيل وصفه به من الألوهية { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } أي الآلهة ثلاثة : الله سبحانه والمسيح ومريم كما يبنىء عنه قوله تعالى : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] إذ معناه إلهين غير الله تعالى فيكونون معه ثلاثة . وحكي هذا التقدير عن الزجاج ، أو الله سبحانه ثلاثة إن صح عنهم أنهم يقولون : الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس ، وأنهم يريدون بالأول الذات أو الوجود ، وبالثاني العلم أي الكلمة ، وبالثالث الحياة كذا قيل .
وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحققين أن النصارى اتفقوا على أن الله تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيز ولا مختص بجهة ولا مقدر بقدر ولا يقبل الحوادث بذاته ولا يتصور عليه الحدوث والعدم ، وأنه واحد بالجوهرية ، ثلاثة بالأقنومية ، والأقانيم صفات للجوهر القديم ، وهي الوجود والعلم والحياة ، وعبروا عن الوجود بالأب والحياة بروح القدس والعلم بالكلمة . ثم اختلفوا فذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأن كل واحد منها إله ، وصرحوا بإثبات التثليث ، وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يشركون ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر وانقلبت الكثرة وحدة وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي ، وأن مريم ولدت إلهاً أزلياً مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو جزئي ، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم ، وأن القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معاً ، وأطلقوا لفظ الأب على الله تعالى ، والابن على عيسى عليه السلام .
وذهب نسطور الحكيم في زمان المأمون إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور . ومن النسطورية من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود ، وصرحوا بالتثليث كالملكانية ، ومنهم من منع ذلك ، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوها لكن لم يجعلوها أقانيم ، وزعموا أن الابن لم يزل متولداً من الأب وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد ، والحدوث راجع إلى الناسوت ، فالمسيح إله تام وإنسان تام ، وهما قديم وحادث ، والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث ، وقالوا : إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت .
وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح ، وقالوا : إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم ، ورووا عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر «إنجيله » : إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا ، وقال : في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله تعالى هو الكلمة ، ومنهم من قال : ظهر اللاهوت بالناسوت بحيث صار هو هو وذلك كظهور الملك في الصورة المشار إليه بقوله تعالى : { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [ مريم : 17 ] ومنهم من قال : جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركب النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهراً واحداً وهو المسيح وهو الإله ، ويقولون صار الإله إنساناً وإن لم يصر الإنسان إلهاً كما يقال في الفحمة الملقاة في النار : صارت ناراً ولا يقال : صارت النار فحمة ، ويقولون : إن اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئي دون الكلي ، وأن مريم ولدت إلهاً وأن القتل والصلب واقع على اللاهوت والناسوت جميعاً إذ لو كان على أحدهما بطل الاتحاد ، ومنهم من قال : المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه . محدث من وجه .
ومن اليعقوبية من قال : إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئاً وإنما مرت بها كمرور الماء بالميزاب ، ومنهم من زعم أن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات التي كانت تظهر عنه وتفارقه تارة فتحله الآفات والآلام ، ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهور اللاهوت على الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه ، وذلك كظهور نقش الطابع على الشمع والصورة المرئية في المرآة ، ومنهم من قال : إن الوجود والكلمة قديمان والحياة مخلوقة . ومنهم من قال إن الله تعالى واحد وسماه أباً وأن المسيح كلمة الله تعالى وابنه على طريق الاصطفاء وهو مخلوق قبل العالم وهو خالق للأشياء كلها .
وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ولا يرى في المسيح ما يراه النصارى بل يعتقد رسالته وأنه مخلوق بجسمه وروحه ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا أو اجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا فشرح أريوس مقالته ، فرد عليه الاكصيدروس بطريق الإسكندرية وشنع على مقالته عند الملك ، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة اختلافهم وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة وأكثرهم اليوم عليها ، وهي نؤمن بالله تعالى الواحد الأب ( صانع كل شيء ) مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى ، ( وبالرب ) الواحد ( يسوع ) المسيح ابن الله تعالى الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع ، إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم ؛ وخلق كل شيء الذي من أجلنا معاشر الناس ، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ( ومريم ) وصار إنساناً وحبل به وولد من مريم البتول ( واتجع ) ، وصلب أيام فيلاطس ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجىء تارة أخرى ( للقضاء ) ( 1 ) بين الأموات والأحياء ، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه ( وبعمودية ) واحدة لغفران الخطايا ، ( وبجماعة ) واحدة قدسية ( مسيحية ) ( كاطولكية ) ( وبقيام أبداننا ) وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين انتهى .
وهذه جملة الأقاويل وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول مما لا مستند لها ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علماً على أن ما سموه أمانة لا أصل له في شرع الإنجيل ولا مأخوذة من قول المسيح ولا من أقوال تلاميذه ، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذب بعضه بعضاً ويعارضه ويناقضه ، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردهم تتميماً للفائدة وتأكيداً لإبطال تلك العقائد الفاسدة .
أما قولهم : بأن الله تعالى جوهر بالمعنى المذكور فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللفظي سمعاً ، والأمر فيه هين ، وأما حصرهم الأقانيم في ثلاثة ؛ صفة الوجود ، وصفة الحياة ، وصفة العلم فباطل لأنه بعد تسليم أن صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلاً سوى قولهم : بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه وهو غير يقيني كما لا يخفى ، ثم هو باطل بما تحقق في موضعه من وجوب صفة القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، فإن قالوا : الأقانيم هي خواص الجوهر وصفات نفسه ، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعداه إلى غيره وذلك متحقق في الوجود والحياة إذ لا تعلق لوجود الذات القديمة وحياتها بغيرها ، وكذلك العلم إذ العلم مختص بالجوهر من حيث هو معلوم به ، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنهما لا اختصاص لهما بالذات القديمة بل يتعلقان بالغير مما هو مقدور ومراد ، والذات القديمة غير مقدورة ولا مرادة ، وأيضاً فإن الحياة تجزىء عن القدرة والإرادة من حيث إن الحي لا يخلو عنهما بخلاف العلم فإنه قد يخلو عنه ، ولأنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتفضيل بخلاف العلم ، قلنا : أما قولهم : إن الوجود والحياة مختصة بذات القديم ولا تعلق لهما بغيره فمسلم ، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوماً لتعلقه بغير ذات القديم إذ هو معلوم به فلئن قالوا : العلم إنما كان أقنوماً من حيث كان متعلقاً بذات القديم لا من حيث كان متعلقاً بغيره فيلزمهم أن يكون البصر أقنوماً لتعلقه بذات القديم من حيث إنه يرى نفسه ولم يقولوا به ، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات الله تعالى أقنوماً لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلقه بغيره كما في الوجود والحياة ، فلئن قالوا : البقاء هو نفس الوجود فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه باقياً وهو محال .
وقولهم : بأن الإرادة تجزىء عن القدرة والإرادة إما أن يريدوا به أن القدرة والإرادة نفس الحياة ، أو أنهما خارجتان عنها لازمتان لها لا تفارقانها ، فإن كان الأول فقد نقضوا مذهبهم حيث قالوا : إن الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم والقدرة والإرادة غير مختصتين بذات القديم تعالى ، وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتحاد معها ، وإن قالوا : إنها لازمة لها مع المغايرة فهو ممنوع فإنه كما يجوز خلو الحي عن العلم ، فكذلك قد يجوز خلوه عن القدرة والإرادة كما في حالة النوم والإغماء مثلاً ، وقولهم : إنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتفضيل ، فيلزم منه أن لا تكون مجزئة عن القدرة أيضاً لاختصاصها بهذا النوع من المبالغة والتفضيل ، وأما قولهم : بأن الكلمة حلت في المسيح وتدرعت به فهو باطل من وجهين . الأول : أنه قد تحقق امتناع حلول صفة القديم في غيره ، الثاني : أنه ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الروح وهي الحياة ، ولئن قالوا : إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها غيره قلنا : أولاً : لا نسلم ذلك فقد روى النصارى أنه عليه السلام سئل عن القيامة فلم يجب ، وقال لا يعرفها إلا الله تعالى وحده ، وثانياً : سلمنا لكنه قد اختص عندكم بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبأمور لا يقدر عليها غيره من المخلوقين بزعمكم ، والقدرة عندكم في حكم الحياة إما بمعنى أنها عينها أو ملازمة لها فوجب أن يقال بحلول الحياة فيه ولم تقولوا به .
وأما قول الملكانية بالتثليث في الآلهة ، وأن كل أقنوم إله فلا يخلو إما أن يقولوا : إن كل واحد متصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات أو ألا يقولوا به ، فإن قالوا به فهو خلاف أصلهم ، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلة على امتناع إلهين ، وأيضاً فإنهم إما أن يقولوا : بأن جوهر القديم أيضاً إله أو ألا يقولوا ، فإن كان الأول فقد أبطلوا مذهبهم فإنهم مجمعون على الثالوث ، وبقولهم هذا يلزم التربيع ، وإن كان الثاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلاً مع أن جوهر القديم أصل والأقانيم صفات تابعة ، فكان أولى أن يكون إلااها ، وإن قالوا بالثاني فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية ، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز إطلاق ذلك ، وأما قولهم : بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح فيبطله امتناع حلول صفات القديم بغير ذات الله تعالى ، ودعواهم الاتحاد ممتنعة من جهة الدلالة والإلزام ، أما الأول فإنهما عند الاتحاد إما أن يقال : ببقائهما أو بعدهما أو ببقاء أحدهما وعدم الآخر ، أما على التقدير الأول فهما إثنان كما كانا ، وإن كان الثاني فالواحد الموجود غيرهما . وإن كان الثالث فلا اتحاد للإثنينية وعدم أحدهما ، وأما على التقدير الثاني فمن أربعة أوجه : الأول : أنه إذا جاز اتحاد أقنوم الجوهر القديم بالحادث ، فما المانع من اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم ؟ فلئن قالوا : المانع أن اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه وهو ممتنع ، واتحاد صفة القديم بالحادث يوجب شرفه ، وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع ، قلنا : فكما أن ذات القديم تنقص باتحاد صفة الحادث بها فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت الحادث فليكن ذلك ممتنعاً ، الثاني : أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح فما الفرق بين ناسوت وناسوت ؟ فلئن قالوا إنما اتحد بالناسوت الكلي دون الجزئي رددناه بما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى ، الثالث : أن مذهبهم أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر القديم مع اختصاصها به ولم يوجب قيامها به الاتحاد فأن لا يوجب اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى . الرابع : أن الإجماع منعقد على أن أقنوم الجوهر القديم مخالف للناسوت كما أن صفة نفس الجوهر تخالف نفس العرض ، وصفة نفس العرض تخالف الجوهر ، فإن قالوا بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض أو صفة العرض بالجوهر حتى أنه يصير الجوهر في حكم العرض والعرض في حكم الجوهر ، فقد التزموا محالاً مخالفاً لأصولهم ، وإن قالوا : بامتناع اتحاد صفة نفس الجوهر بالعرض ونفس العرض بالجوهر مع أن العرض والجوهر أقبل للتبدل والتغير فلأن يمتنع في القديم والحادث أولى .
وقولهم إن المسيح إنسان كلي باطل من أربعة أوجه : الأول : أن الإنسان الكلي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي من الناس ، وقد اتفقت النصارى أن المسيح مولود من مريم عليهما السلام ، وعند ذلك فإما أن يقال : إن إنسان مريم أيضاً كلي كما حكي عن بعضهم أو جزئي ، فإن كان كلياً فإما أن يكون هو عين إنسان المسيح أو غيره ، فإن كان عينه لزم أن يولد الشيء من نفسه وهو محال ، ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ومريم المسيح ولم يقل به أحد ، وإن كان غيره فالإنسان الكلي ما يكون عاماً مشتركاً بين جميع ، وطبيعته جزء من معنى كل إنسان ، ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح بطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم وبالعكس وذلك محال ، وإن كان إنسان مريم جزئياً فمن ضرورة كون المسيح مولوداً عنها أن يكون الكلي الصالح لاشتراك الكثرة منحصراً في الجزئي الذي لا يصلح لذاته وهو ممتنع ، الثاني : أن النصارى مجمعون على أن المسيح كان مرئياً ومشاراً إليه ، والكلي ليس كذلك . الثالث أنهم قائلون : إن الكلمة حلت في المسيح إما بجهة الاتحاد أو لا بجهة الاتحاد ، فلو كان المسيح إنساناً كلياً لما اختص به بعض أشخاص الناس دون البعض ولما كان المولود من مريم مختصاً بحلول الكلمة دون غيره ولم يقولوا به ، الرابع : أن الملكانية متفقون على أن القتل وقع على اللاهوت والناسوت ، ولو كان ناسوت المسيح كلياً لما تصور وقوع الجزئي عليه .
وأما ما ذهب إليه نسطور من أن الأقانيم ثلاثة ، فالكلام معه في الحصر على طرز ما تقدم ، وقوله : ليست عين ذاته ولا غير ذاته فإن أراد بذلك ما أراد به الأشعري في قوله : إن الصفات لا عين ولا غير فهو حق ، وإن أراد غيره فغير مفهوم ؛ وأما تفسيره العلم بالكلمة ، فالنزاع معه في هذا الإطلاق لفظي ، ثم لا يخلو إما أن يريد بالكلمة الكلام النفسي أو الكلام اللساني ، والكلام في ذلك معروف ؛ وقوله : إن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت عليه لا حاصل له لأنه إما أن يريد بإشراق الكلمة عليه عليه السلام ما هو مفهوم من مثاله ، وهو أن يكون مطرحاً لشعاعها عليه ، أو يريد أنها متعلقة به كتعلق العلم القديم بالمعلومات ، أو يريد غير ذلك فإن كان الأول يلزم أن تكون الكلمة ذات شعاع ، وفي جهة من مطرح شعاعها ، ويلزم من ذلك أن تكون جسماً ، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال ، وإن كان الثاني فهو حق غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة ، وإن كان الثالث فلا بد من تصويره ليتكلم عليه .
وأما قول بعض النسطورية : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله حي ناطق فهو باطل بأدلة إبطال التثليث ، وأما من أثبت منهم لله تعالى صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب خلا أن القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنها مشاركة لها في كونها من الصفات تحكم بحت ، والفرق الذي يستند إليه باطل كما علمت ؛ وأما قولهم : إن المسيح إنسان تام وإله تام وهما جوهران : قديم وحادث ، فطريق ردّه من وجهين : الأول : التعرض لإبطال كون الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلها وذلك بأن يقال : إما أن يقولوا : بأن ما اتحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أن كل أقنوم إله كما ذهبت إليه الملكانية ، فإن كان الأول : فهو ممتنع لعدم الأولوية ، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضاً لما تقدم ، الثاني : أنه إذا كان المسيح مشتملاً على الأقنوم والناسوت الحادث ، فإما أن يقولوا بالإتحاد أو بحلول الأقنوم في الناسوت ، أو حلول الناسوت في الأقنوم ، أو أنه لا حلول لأحدهما في الآخر ، فإن كان الأول فهو باطل بما سبق في إبطال الاتحاد ، وإن كان الثاني فهو باطل بما يبطل حلول الصفة القديمة في غير ذات الله تعالى وحلول الحادث في القديم ، وإن كان الثالث فإما أن يقال بتجاورهما واتصالهما أو لا ، فإن قيل : بالأول فإما أن يقال بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به ، فإن قيل : بالانفصال فهو ممتنع لوجهين : الأول : ما يدل على إبطال انتقال الصفة عن الموصوف ، الثاني : أنه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للناسوت بنفسها وهو محال ، وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم يلزم منه أن يكون ذات الجوهر القديم متصلة بجسد المسيح ضرورة اتصال أقنومها به ، وعند ذلك فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى من اتحاد الجوهر القديم به ولم يقولوا بذلك ، وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما فلا معنى للاتحاد بجسد المسيح ، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح أولى من العكس ، وأما قول من قال منهم : إن الإله واحد وإن المسيح ولد من مريم وإنه عبد صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه بتسميته ابناً فهو كما يقول الموحدون ، ولا خلاف معهم في غير إطلاق اسم الابن ، وأما قول بعض اليعقوبية : إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً وصار الإله هو المسيح فهو أظهر بطلاناً مما تقدم ، وبيانه من وجهين : الأول : أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحماً ودماً مع اختلاف حقيقتيهما لجاز انقلاب المستحيل ممكناً والممكن مستحيلاً والواجب ممكناً أو ممتنعاً والممكن أو الممتنع واجباً ، ولم يبق لأحد وثوق بشيء من القضايا البديهية ، ولجاز انقلاب الجوهر عرضاً والعرض جوهراً ، واللحم والدم أقنوماً ، والأقنوم ذاتاً والذات أقنوماً ، والقديم حادثاً والحادث قديماً ، ولم يقل به أحد من العقلاء ، الثاني : أنه لو انقلب الأقنوم لحماً ودماً ، فإما أن يكون هو عين الدم واللحم اللذين كانا للمسيح ، أو زائداً عليه منضماً إليه ، والأول : ظاهر الفساد ، والثاني : لم يقولوا به ؛ وأما ما نقل عن يوحنا من قوله : في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله هو الكلمة ، فهو مما انفرد به ولم يوجد في شيء من الأناجيل ، والظاهر أنه كذب ، فإنه بمنزلة قول القائل : الدينار عند الصيرفي والصيرفي هو الدينار ، ولا يكاد يتفوه به عاقل ، وكذا قوله : إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا غير مسلم الثبوت ، وعلى تقدير تسليمه يحتمل التقديم والتأخير أي إن الجسد الذي صار بالتسمية كلمة حل فينا ، وعنى بذلك الجسد عيسى عليه السلام ، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى بطرس كبير التلاميذ ووصي المسيح ، فإنه أقام بعده عليه السلام بتدبير دينه وكانت النصارى تفزع إليه على ما تشهد به كتبهم ، فكأنه يقول : إن ذهبت الكلمة أي عيسى الذي سماه الله تعالى بذلك من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسداً وحل فينا ، يريد أن تدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس .
ومن الناس من خرج كلامه على إسقاط همزة الإنكار عند إخراجه من العبراني إلى اللسان العربي ، والمراد أصارت وفيه بعد ، ومن العجب العجيب أن يوحنا ذكر أن المسيح قال لتلاميذه : إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم بعدي لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق ، ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأثبت فيه ، فلما سمع تلاميذه هذه الكلامة قالوا : ما أصعبها من يطيق سماعها فرجع كثير منهم عن صحبته ، فإن هذا مع قوله : إن الله سبحانه هو الكلمة والكلمة صارت جسداً في غاية الإشكال إذ فيه أمر الحادث بأكل الله تعالى القديم الأزلي وشربه ، والحق أن شيئاً من الكلامين لم يثبت ، فلا نتحمل مؤنة التأويل .
وأما قولهم : إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو ، فإما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت كما يصرح به قولهم : صار هو هو ، فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق وهو محال كما علمت وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت فهو أيضاً محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم ، أو أن الناسوت اتصف باللاهوت وهو أيضاً محال لامتناع حلول القديم بالحادث ، وأما من قال منهم : بأن جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا جوهراً واحداً هو المسيح فباطل من وجهين : الأول : ما ذكر من إبطال الاتحاد ، الثاني : أنه ليس جعل الناسوت لاهوتاً بتركبه مع اللاهوت أولى من جعل اللاهوت ناسوتاً من جهة تركبه مع الناسوت ولم يقولوا به ، وأما جوهر الفحمة إذا ألقيت في النار فلا نسلم أنه صار بعينه جوهر النار بل صار مجاوراً لجوهر النار ، وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت بمجاورة جوهر النار ، أما إن جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا .
وأما قولهم : إن الاتحاد بالناسوت الجزئي دون الكلي فمحال لأدلة إبطال الاتحاد وحلول القديم بالحادث ، وبذلك يبطل قولهم : إن مريم ولدت إلهاً ، وقولهم : القتل وقع على اللاهوت والناسوت معاً على أنه يوجب موت الإله وهو بديهي البطلان ، وأما قول من قال : إن المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه محدث من وجه فباطل لأنه إذا كان جوهر المسيح متحداً لا كثرة فيه ، فالحدوث إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه ، أو لغيره فإن كان الأول فهو محال وإلا لكان الشيء الواحد قديماً لا أول له حادثاً له أول وهو متناقض ، وإن كان الثاني فهو خلاف المفروض ، وأما قول من قال : إن الكلمة مرت بمريم كمرور الماء في الميزاب فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى ، وبه يبطل قول من قال : إن الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى ، وقولهم : إن ما ظهر من صورة المسيح في الناسوت لم يكن جسماً بل خيالاً كالصورة المرئية في المرآة باطل لأن من أصلهم أن المسيح إنما أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللاهوت ، فإذا كان ما ظهر فيه من اللاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه ، والقول : بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث ليس كذلك لقيام الأدلة على قدم الصفات فهو قديم أزلي كيف وأنه لو كان حادثاً لكان الإله قبله غير حي ، ومن ليس بحي لا يكون عالماً ولا ناطقاً ، وقول من قال : إن المسيح مخلوق قبل العالم وهو خالق لكل شيء باطل لقيام الأدلة على أنه كان الله تعالى ولا شيء غيره .
وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه : الأول أن قولهم : نؤمن بالواحد الأب صانع كل شيء ، يناقض قولهم : وبالرب الواحد المسيح الخ مناقضة لا تكاد تخفى ، الثاني أن قولهم : إن يسوع المسيح ابن الله تعالى بكر الخلائق مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه إذ الوالد والولد لا يكونان معاً في الوجود وكونهما معاً مستحيل ببداهة العقول لأن الأب لا يخلو إما أن يكون ولد ولداً لم يزل أو لم يكن ، فإن قالوا : ولد ولداً لم يزل ، قلنا : فما ولد شيئاً إذ الابن لم يزل وإن ولد شيئاً لم يكن ، فالولد حادث مخلوق وذلك مكذب لقولهم : إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء ، الثالث أن قولهم : إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول المسيح في الإنجيل : وقد سئل عن يوم القيامة فقال : لا أعرفه ولا يعرفه إلا الأب وحده ، فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب على أنه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أول لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ولما وقف الأمر على غاية وهو محال ، الرابع أن قولهم : إن يسوع أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء باطل مكذب لما في الإنجيل إذ يقول متى : هذا مولد يسوع المسيح بن داود ، وأيضاً خالق العالم لا بد وأن يكون سابقاً عليه وأنى بسبق المسيح وقد ولدته مريم ؟ا وأيضاً في الإنجيل إن إبليس قال للمسيح : أسجد لي وأعطيك جميع العالم وأملكك كل شيء ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له فكيف يكون خالق العالم محصوراً في يد بعض العالم ؟ا نعوذ بالله تعالى من الضلالة .
الخامس أن قولهم : المسيح الإله الحق الذي نزل من السماء لخلاص الناس وتجسد من روح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد ، فيه عدة مفاسد : منها أن المسيح لا يخص مجرد الكلمة ولا مجرد الجسد بل هو اسم يخص هذا الجسد الذي ولدته مريم عليها السلام ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحاً فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء ، ومنها أن الذي نزل من السماء لا يخلو إما أن يكون الكلمة أو الناسوت ، فإن زعموا أن الذي نزل هو الناسوت فكذب صراح لأن ناسوته من مريم ، وإن زعموا أنه اللاهوت فيقال : لا يخلو إما أن يكون الذات أو العلم المعبر عنه بالكلمة فإن كان الأول لزم لحوق النقائص للبارىء عز اسمه ، وإن كان الثاني لزم انتقال الصفة وبقاء البارىء بلا علم وذلك باطل .
ومنها أن قولهم : إنما نزل لخلاص معشر الناس يريدون به أن آدم عليه السلام لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان وأوجب عليهم الخلود في النار فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به وذلك دعوى لا دلالة عليها ، هب أنا سلمناها لهم لكن يقال : أخبرونا مم هذا الخلاص الذي تعنى الإله الأزلي له وفعل ما فعل بنفسه لأجله ؟ ولم خلصكم ؟ وممن خلصكم ؟ وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينهم ؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والروح ؟ فإن زعموا أن الخلاص من تكاليف الدنيا وهمومها أكذبهم الحس ، وإن كان من تكاليف الشرع وأنهم قد حط عنهم الصلاة والصوم مثلاً أكذبهم المسيح . والحواريون بما وضعوه عليهم من التكاليف ، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من أحكام الدار الآخرة فمن ارتكب محرماً منهم لم يؤاخذ أكذبهم الإنجيل والنبوات إذ يقول المسيح في الإنجيل إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين : فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم قبل تأسيس الدنيا ، وأقول لأهل الشمال : فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم ، السادس أن قولهم : وتجسد من روح القدس باطل بنص الإنجيل إذ يقول مَتّى في الفصل الثاني منه : إن يوحنا المعمداني حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء في صفة حمامة وذلك بعد ثلاثين من عمره .
السابع أن قولهم : إن المسيح نزل من السماء وحملت به مريم وسكن في رحمها مكذب بقول لوقا الإنجيلي : إذ يقول في «قصص الحواريين » في الفصل الرابع عشر منه : إن الله تعالى هو خالق العالم بما فيه وهو رب السماء والأرض لا يسكن الهياكل ولا تناله أيدي الرجال ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء لأنه الذي أعطى الناس الحياة ، فوجودنا به وحياتنا وحركاتنا منه ، فقد شهد لوقا بأن الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرجال بأيديها ، وهذا ينافي كون الكلمة سكنت في هيكل مريم وتحولت إلى هيكل المسيح ، الثامن أن قولهم : إنه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث ، التاسع أن قولهم : إن يسوع هذا الرب الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء بمنزلة قول القائل :
لألفينك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زاداً
إذ زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تم عليه من أعدائه ما تم فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية ، العاشر أن قولهم : ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الذنوب فيه مناقضة لأصولهم ، وذلك أن اعتقاد النصارى أنه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح ، ولذلك سموه جمل الله تعالى الذي يحمل عليه الخطايا ، ودعوه مخلص العالم من الخطيئة فإذا آمنوا بأن المعمودية الواحدة هي التي تغفر خطاياهم وتخلص من ذنوبهم فقد صرحوا بأنه لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة فإن كان التعميد كافياً للمغفرة فقد اعترفوا أن وقوع القتل عبث وإن كانت لا تحصل إلا بقتله فما فائدة التعميد وما هذا الإيمان ؟ فهذه عشرة وجوه كاملة في ردّ تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة ، ومن أمعن نظره ردّها بأضعاف ذلك ، وقال أبو الفضل المالكي بعد كلام :
بطلت أمانتهم فمن مضمونها *** ظهرت خيانتها خلال سطورها
بدأوا بتوحيد الإله وأشركوا *** عيسى به ، فالخلف في تعبيرها
قالوا : بأن إلههم عيسى الذي *** ذر الوجود على الخليقة كلها
خلق أمه قبل الحلول ببطنها *** ما كان أغنى ذاته عن مثلها
هل كان محتاجاً لشرب لبانها *** أو أن يربى في مواطن حجرها
جعلوه رباً جوهراً من جوهر *** ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى
قالوا : وجاء من السماء عناية *** لخلاص آدم من لظاه وحرها
قد تاب آدم توبة مقبولة *** فضلالهم جعل الفداء بغيرها
لو جاء في ظلل الغمام وحوله *** شرفاً ملائكة السماء بأسرها
وفدى الذي بيديه أحكم طينه *** بالعفو عن كل الأمور وسترها
ثم اجتباه محبباً ومفضلا *** ووقاه من غي النفوس وشرها
كنتم تحلون الإله مقامه *** فيما تراه نفوسكم من شركها
من غير أن يحتاج في تخليصه *** كل الخلائق أن تبوء بضرها
ويشينه الأعدا بما لا يرتضي *** من كيدها وبما دهى من مكرها
هذي أمانتهم وهذا شرحها *** الله أكبر من معاني كفرها
ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ أنه قال : إن المسيح عندما ودعهم قال : اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس ، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن بسم الله الرحمن الرحيم ، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول على تقدير صحة الرواية ، ودونها خرط القتاد : يحتمل أن يراد بالأب المبدأ ، فإن القدماء كانوا يسمون المباديء بالآباء ، ومن الابن الرسول ، وسمي بذلك تشريفاً وإكراماً كما سمي إبراهيم عليه السلام خليلاً ، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء ، وقد رووا عن المسيح عليه السلام أنه قال : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، وقال : لا تعطوا صدقاتكم قدّام الناس لتتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء . وربما يقال : إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه ، ويشير إلى ذلك ما رووه أنه عليه السلام قال عقيب وصية وصى بها الحواريين : لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامّين كما أن أباكم الذي في السماء تام ، ويراد بروح القدس جبريل عليه السلام ، والمعنى عمدوا ببركة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تبليغ أوامر ربهم ، وفي «كشف الغين عن الفرق بين البسملتين » للشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلهي الواحد الأحد : الغيب المطلق ، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول مخلوق لله تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة المحمدية ، ويضاف إلى الله تعالى فيقال : روح الله تعالى للتشريف والتعظيم ك { نَاقَةُ الله } [ الشمس : 13 ] تعالى ، و { رُوحُ القدس } [ النحل : 102 ] إشارة إليه أيضاً باعتبار ظهوره بصورة البشر السوي النافخ في درع مريم عليها السلام ، والابن إشارة إلى عيسى عليه السلام وهو ابن لذلك الروح باعتبار أن تكوّنه بسبب نفخه ، والأب هو الابن ، والابن هو روح القدس في الحقيقة ، والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة ، فإنه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء ، فبسملة الإنجيل من مقام الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية .
ثم لا يتوهمن متوهم أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا ذوق له في مشربهم ، وذلك لأن القوم نفعنا الله تعالى بهم مبرؤون عما نسبه المحجوبون إليهم من اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول ، أما إنهم لم يقولوا بالتجسيم فلما تقرر عندهم من أن الحق سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعين بذاته ، وكل جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبر عنه بالعماء متعينة بمقتضى استعداد ماهية المعدومة ولا شيء من الوجود المجرد من الماهية المتعين بذاته بالصورة المتعينة في الوجود المنبسط بمقتضى الماهية المعدومة فلا شيء من الجسم بالوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته ، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته بجسم وهو المطلوب ، وأما أنهم لم يقولوا بالعينية ، فلأن الحق تعالى هو ما علمت من الوجود المحض ، الخ ، والمخلوق هو الصورة الظاهرة في الوجود المنبسط على الحقائق المتعين بحسب ماهيته المعدومة ولا شيء من المجرد عن الماهية المتعين بذاته بالمقترن بالماهية المتعين بحسبها ، ومما يشهد لذلك قول الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة من «الفتوحات » في حضرة البديع بعد بسط : وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعاً ، وقوله في هذا الباب أيضاً في قوله تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام : 59 ] انفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما سواه ، فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك ، وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف ، وكذا قال غير واحد ، وقال الشيخ شرف الدين إسماعيل بن سودكين في «شرح التجليات » نقلاً عن الشيخ قدس سره أيضاً : لما ظهرت الممكنات بإظهار الله تعالى لها وتحقق ذلك تحققاً لا يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبداً فبقي متواضعاً لكبرياء الله تعالى خاشعاً له وهذه سجدة الأبد وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته . ومن هنا يعلم حقيقة قوله سبحانه : «كنت سمعه وبصره » الحديث ، ولما لاح من هذا المشهد لبعض الضعفاء لائح قال : أنا الحق فسكر وصاح ولم يتحقق لغيبته عن حقيقته انتهى ، وأما أنهم لم يقولوا بالاتحاد فلأن الاتحاد إما بصيرورة الوجود المحض المجرد المتعين بذاته وجوداً مقترناً بالماهية المعدومة متعيناً بحسبها أو بالعكس ، وذلك محال بوجهيه لأن التجرد عن الماهية ذاتي للحق تعالى والاقتران بها ذاتي للممكن وما بالذات لا يزول .
وفي كتاب «المعرفة » للشيخ الأكبر قدس سره : إذا كان الاتحاد مصيّر الذاتين واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل منهما موجوداً في حال الاتحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلا واحدة ، وقال في كتاب الياء وهو كتاب الهو الاتحاد محال ، وساق الكلام إلى أن قال : فلا اتحاد ألبتة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصورة ، وقال في الباب الخامس من «الفتوحات » خطاباً من الحق تعالى للروح الكلي : وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بالأسرار الإلهية إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها ، إذ لو عرفتها لاتحدت الأنية واتحاد الإنية محال ، فمشاهدتك لذلك محال ، هل ترجع إنية المركب إنية البسيط ؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق ، وأما إنهم لم يقولوا بالحلول فلأنهم فسروا الحلول تارة بأنه الحصول على سبيل التبعية ، وتارة بأنه كون الموجود في محل قائماً به ، ومن المعلوم أن الواجب تعالى وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعين كذلك يستحيل عليه القيام بغيره . قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثاني والتسعين ومائتين من «الفتوحات » : نور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك ، كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلهي ، لكن يختلف الحكم لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه ، وكما يعلم عقلاً أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنما كان لها مجلي ، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه وإنما هو مجلي له وخاصة ومظهر له انتهى .
وهذا نص في نفي الحلول ومنشأ غلط المحجوبين المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السادة نفعنا الله تعالى بهم على وجهه ، وعدم التمييز بين الحلول والتجلي ولم يعلموا أن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلاً له ، فإن الظاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه فالظهور غير الحلول ، فإن الظهور في المظاهر للواسع القدوس يجامع التنزيه بخلاف الحلول ، نعم وقع في كلامهم التعبير بالحلول ومرادهم به الظهور ، ومن ذلك قوله :
يا قبلتي قابليني بالسجود فقد *** رأيت شخصاً لشخص في قد سجدا
لاهوته حل ناسوتي فقدسني *** إني عجبت لمثلي كيف ما عبدا
وكان الأولى بحسب الظاهر عدم التعبير بمثل ذلك ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا ، ولعل عذرهم واضح عند المنصفين ، إذا علمت ذلك وتحققت اختلاف النصارى في عقائدهم ، فاعلم أنه سبحانه إنما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم ، وفي بعض آخر قول آخرين ، وحكاية دعواهم ألوهية مريم عليها السلام كدعواهم ألوهية عيسى عليه السلام مما نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحاً لكن يلزمهم ذلك بناءاً على ما حققه الإمام الرازي رحمه الله تعالى ، والنصارى اليوم ينكرونه والله تعالى أصدق القائلين ، ويمكن أن يقال : إن مدعي ألوهيتها عليها السلام صريحاً طائفة منهم هلكت قديماً كالطائفة اليهودية التي تقول عزير ابن الله تعالى على ما قيل .
ثم إنه سبحانه بالغ في زجر القائلين فأردف سبحانه النهي بقوله عز من قائل : { انتهوا } عن القول بالتثليث { خَيْراً لَّكُمْ } قد مر الكلام في أوجه انتصابه { إِنَّمَا الله إله واحد } أي بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أسبحه تسبيحاً عن ، أو من أن يكون له ولد ، أو سبحوه عن ، أو من ذلك لأن الولد يشابه الأب ويكون مثله والله تعالى منزه عن التشبيه والمثل ، وأيضاً الولد إنما يطلب ليكون قائماً مقام أبيه إذا عدم ولذا كان التناسل والله تعالى باق لا يتطرق ساحته العلية فناء فلا يحتاج إلى ولد ولا حكمة تقتضيه ، وقد علمت ما أوقع النصارى في اعتقادهم أن عيسى عليه السلام ابن الله تعالى . ومن الاتفاقات الغريبة ما نقله مولانا راغب باشا رحمه الله تعالى ملخصاً من «تعريفات أبي البقاء » قال : قال الإمام العلامة محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري نور الله تعالى ضريحه : إن بعض النصارى انتصر لدينه وانتزع من البسملة الشريفة دليلاً على تقوية اعتقاده في المسيح عليه السلام وصحة يقينه به فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدّم فيها وأخر وفكر وقدّر فقتل كيف قدّر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ، فقال : قد انتظم من البسملة المسيح ابن الله المحرر ، فقلت له : حيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكماً وحزت منها أحكاماً وحكماً فلتنصرن البسملة منا الأخيار على الأشرار ، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار إذ قد قالت لك البسملة بلسان حالها : إنما الله رب المسيح راحم النحر لأمم لها المسيح رب ، ما برح الله راحم المسلمين ، سل ابن مريم أحل له الحرام ، لا المسيح ابن الله المحرر ، لا مرحم للئام أبناء السحرة رحم حرّ مسلم أناب إلى الله ، لله نبي مسلم حرم الراح ، ربح رأس مال كلمة الإيمان ، فإن قلت : إنه عليه السلام رسول صدقتك ، وقالت : إيل أرسل الرحمة بلحم ، وإيل من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم ببيت لحم ، وهو المكان الذي ولد فيه عيسى عليه السلام إلى غير ذلك مما يدل على إبطال مذهب النصارى ، ثم انظر إلى البسملة قد تخبر أن من وراء خلها خيولاً وليوثا ، ومن دون طلها سيولاً وغيوثا ، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة فنسجت على منوالها وقابلت الواحدة بعشر أمثالها بل أتيتك بما يغنيك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن الإجابة فيصمتك ، فتعلم أن هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون ومستودع لجوهر سرها المكنون ، ألا ترى أن البسملة إذا حصلت جملتها كان عددها سبعمائة وستة وثمانين فوافق جملها إن مثل عيسى كآدم ليس لله من شريك بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة ولا أشرك بربي أحداً ، يهدي الله لنوره من يشاء ، بإسقاط ألف الجلالة ، فقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خبراً ، وجاءك ما لم تستطع عليه صبراً انتهى .
وقد تقدم نظير ذلك في الباقي بعد إسقاط المكرر من حروف المعجم في أوائل السور حيث رتب الشيعي منه ما ظنه مقوياً لما هو عليه أعني صراط علي حقاً نمسكه وقابلناه بما يبهته مرتباً من هذا الحروف أيضاً فتذكر ، وقرأ الحسن { أَن يَكُونَ } بكسر الهمزة ورفع النون أي سبحانه ما يكون له ولد على أن الكلام جملتان .
{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه ، وبيان ذلك أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها لا يخرج من ملكوته شيء منها ، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكها لجميعها ، وقوله تعالى : { وكفى بالله وَكِيلاً } إشارة إلى دليل آخر لأن الوكيل بمعنى الحافظ فإذا استقل سبحانه وتعالى في الحفظ لم يحتج إلى الولد فإن الولد يعين أباه في حياته ويقوم مقامه بعد وفاته والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلاً ويكون افتراؤه حمقاً وجهلاً .
( وهذا ومن باب الإشارة ) : { يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } نهي لليهود والنصارى عند الكثيرين من ساداتنا ، وقد غلا الفريقان في دينهم ، أما اليهود فتعمقوا في الظواهر ونفي البواطن فحطوا عيسى عليه السلام عن درجة النبوة والتخلق بأخلاق الله تعالى ، وأما النصارى فتعمقوا في البواطن ونفي الظواهر فرفعوا عيسى عليه السلام إلى درجة الألوهية { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } بالجمع بين الظواهر والبواطن والجمع والتفصيل كما هو التوحيد المحمدي { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله } الداعي إليه { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } أي حقيقة من حقائقه الدالة عليه { وَرُوحٌ مّنْهُ } أي أمر قدسي منزه عن سائر النقائص ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن سبب تخصيص عيسى عليه السلام بهذا الوصف أن النافخ له من حيث الصورة الجبريلية هو الحق تعالى لا غيره فكان بذلك روحاً كاملاً مظهراً لاسم الله تعالى صادراً من اسم ذاتي ولم يكن صادراً من الأسماء الفرعية كغيره وما كان بينه وبين الله تعالى وسائط كما في أرواح الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام فإن أرواحهم وإن كانت من حضرة اسم الله تعالى لكنها بتوسط تجليات كثيرة من سائر الحضرات الأسمائية فما سمي عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته إلا لكونه وجد من باطن أحدية جمع الحضرة الإلهية ولذلك صدرت منه الأفعال الخاصة بالله تعالى من إحياء الموتى وخلق الطير وتأثيره في الجنس العالي والجنس الدون ، وكانت دعوته عليه السلام إلى الباطن والعالم القدسي فإن الكلمة إنما هي من باطن اسم الله تعالى وهويته الغيبية ، ولذلك طهر الله تعالى جسمه من الأقذار الطبيعية لأنه روح متجسدة في بدن مثالي روحاني إلى آخر ما ذكره الإمام الشعراني في «الجواهر والدرر » { مَّا كَانَ الله } بالجمع والتفصيل { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } لأن ذلك ينافي التوحيد الحقيقي ، وعيسى عليه السلام في الحقيقة فان وجوده بوجود الله تعالى وحياته عليه السلام بحياته جل شأنه وعلمه عليه السلام بعلمه سبحانه { إِنَّمَا الله إله واحد } وهو الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أنزهه عن أن يكون موجود غيره متولد منه مجالس له في الوجود
{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } [ النساء : 171 ] أي ما في سموات الأرواح وأرض الأجساد لأنها مظاهر أسمائه وصفاته عز شأنه
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أهل الكتاب}: النصارى، {لا تغلوا في دينكم}، يعني الإسلام، فالغلو في الدين أن تقولوا على الله غير الحق في أمر عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، {ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله}، وليس لله تبارك وتعالى ولدا، {وكلمته}، يعني بالكلمة، قال: كن فكان، {ألقاها إلى مريم وروح منه}، يعني بالروح: أنه كان من غير بشر، نزلت في نصارى نجران في السيد والعاقب ومن معهما. {فآمنوا}: صدقوا {بالله} عز وجل بأنه واحد لا شريك له {ورسله}، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه نبي ورسول، {ولا تقولوا ثلاثة}: لا تقولوا: إن الله عز وجل ثالث ثلاثة، {انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد}، يعني عيسى صلى الله عليه وسلم، {له ما في السماوات وما في الأرض} من الخلق عبيده، وفي ملكه عيسى وغيره، {وكفى بالله وكيلا}: شهيدا بذلك.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"يا أهْلَ الكِتابِ": يا أهل الإنجيل من النصارى، "لا تَغْلُوا فِي دِيِنِكُمْ": لا تجاوزوا الحقّ في دينكم فتفرِطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحقّ، فإنّ قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحقّ، لأن الله لم يتخذ ولدا، فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابنا. "وَلا تَقُولُوا على اللّهِ إلاّ الحَقّ "وأصل الغلوّ في كلّ شيء: مجاوزة حده الذي هو حده.
عن الربيع، قال: صاروا فريقين: فريق غَلَوا في الدين، فكان غلوّهم فيه: الشكّ فيه والرغبة عنه. وفريق منهم قصروا عنه ففسقوا عن أمر ربهم.
"إنّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ": ما المسيح أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب بابن الله كما تزعمون، ولكنه عيسى ابن مريم دون غيرها من الخلق، لا نسب له غير ذلك. ثم نعته الله جلّ ثناؤه بنعته ووصفه بصفته، فقال: هو رسول الله، أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه. وأصل المسيح: الممسوح، صرف من مفعول إلى فعيل، وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب وقيل: مسح من الذنوب والأدناس التي تكون في الاَدميين، كما يمسح الشيء من الأذى الذي يكون فيه فيطهر منه، ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله: المسيح: الصديق. وقد زعم بعض الناس أن أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية «مَشِيحَا» فعرّبت، فقيل المسيح، كما عرّب سائر أسماء الأنبياء التي في القرآن مثل إسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى.
وليس ما مثل به من ذلك للمسيح بنظير وذلك أن إسماعيل وإسحاق وما أشبه ذلك، أسماء لا صفات، والمسيح صفة، وغير جائز أن تخاطب العرب وغيرها من أجناس الخلق في صفة شيء إلا بمثل ما يفهم عمن خاطبها، ولو كان المسيح من غير كلام العرب ولم تكن العرب تعقل معناه ما خوطبت به. وأما المسيح الدجال، فإنه أيضا بمعنى الممسوح العين، صرف من مفعول إلى فعيل، فمعنى المسيح في عيسى صلى الله عليه وسلم: الممسوح البدن من الأدناس والآثام، ومعنى المسيح في الدجال: الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كالذي رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
"وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ "يعني بالكلمة: الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي مريم بها، بشارة من الله لها التي ذكر الله جلّ ثناؤه في قوله: "إذْ قالَتِ المَلائِكَةِ يا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ": برسالة منه، وبشارة من عنده. عن قتادة: "وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ" قال: هو قوله: كن فكان.
وقوله: "ألْقاها إلى مَرْيَمَ": أعلمها بها وأخبرها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أخبرتك بها، وكلمتك بها.
وأما قوله: "وَرُوحٌ مِنْه" فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله؛
فقال بعضهم: معنى قوله: "وَرُوحٌ مِنْه": ونفخة منه، لأنه حدّث عن نفخة جبريل عليه السلام في دِرْع مريم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه رُوح من الله، لأنه بأمره، كان، قال: وإنما سمي النفخ رُوحا لأنها ريح تخرج من الروح،
وقال بعضهم: يعني بقوله: "وَرُوحٌ مِنْهُ": أنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله: «كن»، قالوا: وإنما معنى قوله: "وَرُوحٌ مِنْهُ": وحياة منه، بمعنى: إحياء الله إياه بتكوينه.
وقال بعضهم: معنى قوله: "وَرُوحٌ مِنْهُ": ورحمة منه كما قال جلّ ثناؤه في موضع آخر: "وأيّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ". قال: ومعناه في هذا الموضع: ورحمة منه. قال: فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدّقه، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد.
وقال آخرون: معنى ذلك: وروح من الله خلقها فصوّرها، ثم أرسلها إلى مريم، فدخلت في فيها، فصيرها الله تعالى روح عيسى عليه السلام.
وقال آخرون: معنى الروح ههنا: جبريل عليه السلام. قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضا إليها روح من الله، ثم من جبريل عليه السلام. ولكلّ هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب.
"فَآمِنُوا باللّهِ وَرُسُلِهِ": فصدّقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له، وصدّقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له. "وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ": ولا تقولوا الأرباب ثلاثة. ورفعت الثلاثة بمحذوف دلّ عليه الظاهر، وهو «هم». ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة... ثم قال لهم جلّ ثناؤه متوعدا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله: "انتهوا" أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزور والشك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قِيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قِيلكم ذلك، إن أقمتم عليه ولم تنيبوا إلى الحقّ الذي أمرتكم بالإنابة إليه والاَجل في معادكم.
"إنّمَا اللّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ": ما الله أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة كما تقولون، لأن من كان له ولد فليس بإله، وكذلك من كان له صاحبة فغير جائز أن يكون ألها معبودا، ولكن الله الذي له الألوهة والعبادة، إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك. ثم نزّه جلّ ثناؤه نفسه وعظمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكفرة به، فقال: "سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ": علا الله وجلّ وعزّ وتعظم وتنزّه عن أن يكون له ولد أو صاحبة. ثم أخبر جلّ ثناؤه عباده أن عيسى وأمه، ومن في السموات ومن في الأرض، عبيده، وملكه، وخلقه، وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه، احتجاجا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدا مملوكا، فقال: "لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ": لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها، ملكا وخلقا، وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم، فكيف يكون المسيح ابنا لله وهو في الأرض أو في السموات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن
"وكَفَى باللّهِ وَكِيلاً": وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيما ومدبرا ورازقا، من الحاجة معه إلى غيره.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}... وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} فالقول على الله بما لا يليق به غلو. وقيل: {لا تغلوا} لا تعمقوا {في دينكم} ولا تشددوا، فيحملكم ذلك على الافتراء على الله والقول بما لا يحل، ولا يليق.
{وروح منه}؛ كقوله تعالى: {فنفخنا فيه من روحنا} (التحريم: 12) فسمى ذلك روحا لما به كان يحيي الموتى. ألا ترى أنه سمى القرآن روحا، وقو قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} (الشورى: 52) سماه روحا يحيي القلوب كما يحيي الأبدان بالروح.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولوداً لغير رشدة. وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها. {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق} وهو تنزيهه عن الشريك والولد. وقيل لعيسى (كلمة الله) (وكلمة منه) لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل له: روح الله، وروح منه، لذلك، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيِّ وإنَّما اخترع اختراعاً عند الله وقدرته خالصة. {ألقاها إلى مَرْيَمَ}: أوصلها إليها وحصلها فيها.
{ثلاثة} خبر مبتدأ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس. وأنهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره الله ثلاثة؛ وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله: {ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّي إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116]، {وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله: {إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ} فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله، وأنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء. {سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} وحكاية الله أوثق من حكاية غيره. ومعنى {سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد. {لَّهُ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعني أنَّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزء منه، على أنَّ الجزء إنَّما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض. {وكفى بالله وَكِيلاً} يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{إنما} في هذه الآية حاصرة، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه، وليست صيغة {إنما} تقتضي الحصر، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن حصر، نحو: إنما الشجاع عنترة وغير ذلك. و {سبحانه}: معناه تنزيهاً له وتعظيماً عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى. {له ما في السماوات وما في الأرض}: إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من الأمور.
واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود، تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير: يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى {لا تغلوا في دينكم} وقوله {ولا تقولوا على الله إلا الحق} يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال. ولما منعهم عن طريق الغول، أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده...قوله {روح} أدخل التنكير في لفظ {روح} وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله {منه} إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
ودل بقوله:"عيسى ابن مريم" على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا... لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ، فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ، ولا يبتذلون أسماءهن، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت، وفي ابنها صرح الله باسمها، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
وقال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيم قال: زعم الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله".
ثم رواه هو وعلي بن المديني، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهري كذلك. وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري، عن الحُميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به. ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك: أن رجلا قال: محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّهُ عز وجل". تفرد به من هذا الوجه.
وقوله: {وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ} أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته- فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} أي: إنما هو عبد من عباد الله وخَلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، عليه السلام، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، عز وجل، فكان عيسى بإذن الله، عز وجل، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها، فنزلت حتى وَلَجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله، عز وجل؛ ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان. والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75]. وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]. وقال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ]} [التحريم: 12]. وقال تعالى إخبارا عن المسيح: {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ]} [الزخرف: 59].
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} هو كقوله: {كُنْ} [آل عمران: 59] فكان وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شَاذَّ بن يحيى يقول: في قول الله: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} أي: أعلمها بها، كما زعمه في قوله: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} [آل عمران: 45] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 86] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى، عليه السلام.
وقال البخاري: حدثنا صَدَقَةُ بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عُمَيْر بن هانئ، حدثني جُنَادةُ بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنةَ حق، والنارَ حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". قال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عُمير بن هانئ، عن جُنَادة زاد: "من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء".
وكذا رواه مسلم، عن داود بن رُشَيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به ومن وجه آخر، عن الأوزاعي، به.
فقوله في الآية والحديث: {وَرُوحٌ مِنْهُ} كقوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} الجاثية: 13] ي: مِنْ خَلْقه ومن عنده، وليست "مِنْ "للتبعيض، كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى.
وقد قال مجاهد في قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} أي: ورسول منه. وقال غيره. ومحبة منه. والأظهر الأول أنَّه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} [هود: 64]. وفي قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26]، وكما ورد في الحديث الصحيح:"فأدخل على رَبِّي في داره "أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمَط واحد.
وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا صاحبة له ولا ولد، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وهذه الآية والتي تأتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]. وكما قال في آخر السورة المذكورة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ]} الآية [المائدة: 116]، وقال في أولها: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} الآية [المائدة: 72]، فالنصارى -عليهم لعنة الله- من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدًا. وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور. ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى عليه السلام نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة التي هي أعلى الدرجات وأجلّ المثوبات. وأنه {كَلِمَتُهُ} التي {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم...
فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله. فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذا الدرس جولة مع النصارى من أهل الكتاب، كما كان الدرس الماضي جولة مع اليهود منهم وهؤلاء وهؤلاء من أهل الكتاب، الموجه إليهم هذا الخطاب.
وفي الدرس الماضي أنصف القرآن عيسى بن مريم وأمه الطاهرة من افتراءات اليهود، وأنصف العقيدة الصحيحة في حكاية صلب المسيح -عليه السلام- وأنصف الحق نفسه من يهود، وأفاعيل يهود، وعنت يهود!
وفي هذا الدرس يتجه السياق إلى إنصاف الحق والعقيدة، وإنصاف عيسى بن مريم كذلك من غلو النصارى في شأن المسيح -عليه السلام- ومن الأساطير الوثنية التي تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام، وشتى الملل، التي احتكت بها النصرانية؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان، وأساطير قدماء المصريين، وأساطير الهنود!
ولقد تولى القرآن الكريم تصحيح عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدها مليئة بالتحريفات مشحونة بالأساطير؛ كما تولى تصحيح عقائد المشركين، المتخلفة من بقايا الحنيفية دين إبراهيم -عليه السلام- في الجزيرة العربية ومن ركام فوقها من أساطير البشر وترهات الجاهلية!
لا بل جاء الإسلام ليتولى تصحيح العقيدة في الله للبشر أجمعين؛ وينقذها من كل انحراف وكل اختلال، وكل غلو، وكل تفريط، في تفكير البشر أجمعين.. فصحح -فيما صحح- اختلالات تصور التوحيد في أراء أرسطو في أثينا قبل الميلاد، وأفلوطين في الإسكندرية بعد الميلاد؛ وما بينهما وما تلاهما من شتى التصورات في شتى الفلسفات التي كانت تخبط في التيه، معتمدة على ذبالة العقل البشري، الذي لا بد أن تعينه الرسالة، ليهتدي في هذا التيه!
والقضية التي يعرض لها السياق في هذه الآيات، هي قضية "التثليث "وما تتضمنه من أسطورة "بنوة المسيح" لتقرير وحدانية الله سبحانه على الوجه المستقيم الصحيح.
ولقد جاء الإسلام والعقيدة التي يعتنقها النصارى -على اختلاف المذاهب- هي عقيدة أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس. والمسيح هو "الابن".. ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح. هل هو ذو طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية؟ أم هل هو ذو طبيعة واحدة لاهوتية فقط. وهل هو ذو مشيئة واحدة مع اختلاف الطبيعتين؟ وهل هو قديم كالآب أو مخلوق.. إلى آخر ما تفرقت به المذاهب، وقامت عليه الاضطهادات بين الفرق المختلفة.. (وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في مناسبته في سياق سورة المائدة).
والثابت من التتبع التاريخي لأطوار العقيدة النصرانية، أن عقيدة التثليث، وكذلك عقيدة بنوة المسيح لله -سبحانه- (ومثلها عقيدة ألوهية أمه مريم، ودخولها في التثليثات المتعددة الأشكال) كلها لم تصاحب النصرانية الأولى. إنما دخلت إليها على فترات متفاوتة التاريخ، مع الوثنيين الذين دخلوا في النصرانية، وهم لم يبرأوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة. والتثليث بالذات يغلب أن يكون مقتبساً من الديانات المصرية القديمة، من تثليث" أوزوريس وإيزيس، وحوريس "والتثليثات المتعددة في هذه الديانة..
وقد ظل النصارى الموحدون يقاومون الاضطهادات التي أنزلها بهم الأباطرة الرومان، والمجامع المقدسة الموالية للدولة (الملوكانيون) إلى ما بعد القرن السادس الميلادي على الرغم من كل ما لاقوه من اضطهاد وتغرب وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية!
وما تزال فكرة" التثليث "تصدم عقول المثقفين من النصارى، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض!
يقول القس بوطر صاحب رسالة:"الأصول والفروع "أحد شراح العقيدة النصرانية، في هذه القضية:
" قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا. ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض".
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية. وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية. فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الورادة في سياق هذه السورة، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد!
(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق. إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة. انتهوا خيرا لكم. إنما الله إله واحد. سبحانه أن يكون له ولد. له ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً)..
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق؛ فيزعموا له ولدا -سبحانه- كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة..
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة، وفكرة التثليث، حسب رقي التفكير وانحطاطه. ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله، والذي تزيده الثقافة العقلية، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن" المحبة "بين الآب والابن. وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة.. بأنها" صفات "لله سبحانه في" حالات "مختلفة.. وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري. فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض.
والله -سبحانه- تعالى عن الشركة؛ وتعالى عن المشابهة. ومقتضى كونه خالقا يستتبع.. بذاته.. أن يكون غير الخلق.. وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق. والمالك والملك.. وإلى هذا يشير النصر القرآني:
(إنما الله إله واحد. سبحانه! أن يكون له ولد؟ له ما في السماوات وما في الأرض)
وإذا كان مولد عيسى -عليه السلام- من غير أب عجيبا في عرف البشر، خارقا لما ألفوه، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف. والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود. والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله. والله يخلق السنة ويجريها، ويصرفها حسب مشيئته. ولا حد لمشيئته.
والله -سبحانه- يقول -وقوله الحق- في المسيح:
(إنما المسيح عيسى ابن مريم، رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه)..
فهو على وجه القصد والتحديد: (رسول الله)..
شأنه في هذا شأن بقية الرسل. شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان..
وأقرب تفسير لهذه العبارة، أنه سبحانه، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه (كن.. فيكون).. فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب -كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم- والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى -عليه السلام- في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله:
وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه. فكان" إنسانًا".. كما يقول الله تعالى: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).. وكذلك قال في قصة عيسى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا) فالأمر له سابقة.. والروح هنا هو الروح هناك.. ولم يقل أحد من أهل الكتاب -وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله- إن آدم إله، ولا أقنوم من أقانيم الإله. كما قالوا عن عيسى؛ مع تشابه الحال -من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك. بل إن آدم خلق من غير أب وأم: وعيسى خلق مع وجود أم.. وكذلك قال الله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون)..
ويعجب الإنسان- وهو يرى وضوح القضية وبساطتها -من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله، في أذهان أجيال وأجيال وهي- كما يصورها القرآن -بسيطة بسيطة، وواضحة مكشوفة.
إن الذي وهب لآدم.. من غير أبوين.. حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه، لهو الذي وهب عيسى.. من غير أب.. هذه الحياة الإنسانية كذلك.. وهذا الكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح، لمجرد أنه جاء من غير أب. وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك!.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا:
(فآمنوا بالله ورسله. ولا تقولوا: ثلاثة. انتهوا خيرا لكم)..
وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله- ومن بينهم عيسى بوصفه رسولا، ومحمد بوصفه خاتم النبيين -والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح.. (إنما الله إله واحد).. تشهد بهذا وحده الناموس.. ووحدة الخلق. ووحدة الطريقة: كن.. فيكون.. ويشهد بذلك العقل البشري ذاته. فالقضية في حدود إدراكه. فالعقل لا يتصور خالقا يشبه مخلوقاته، ولا ثلاثة في واحد. ولا واحدا في ثلاثة:
والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل.. والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء:
(له ما في السماوات وما في الأرض)..
ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم بالله ارتباط العبودية للمعبود؛ وهو يرعاهم أجمعين، ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم! فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة: (وكفى بالله وكيلا)..
وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة. إنما يضيف إليها إراحة شعور الناس من ناحية رعاية الله لهم؛ وقيامه- سبحانه -عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم؛ ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة. وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم...
والغلوّ: تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ. ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين. وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ} عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع. وفعل القول إذا عدّي بحرف (على) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب (على) نسبة كاذبة، قال تعالى: {ويقولون على الله الكذب} [آل عمران: 78]. ومعنى القول على الله هنا: أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله.وقوله: {إنما المسيح عيسى ابن مريم} جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ. ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها. وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله. فالقصر قصر موصوف على صفة. والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية...
وقوله: {ولا تقولوا ثلاثة} أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة: الإبهام والخنصر والبنصر. والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد. لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه. والمخاطب بقوله: {ولا تقولوا} خصوص النّصارى...
و (سبحان) اسم مصدر سَبَّح، وليس مصدراً، لأنَّه لم يسمع له فعل سالم. وجزم ابن جني بأنّه علَم على التسبيح، فهو من أعلام الأجناس، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة...
وقوله: {وكفى بالله وكيلا} تذييل، والوكيل الحافظ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض، أي الموجودات كُلّها. وحُذف مفعول (كفى) للعموم، أي كفى كلّ أحد، أي فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابناً له. وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى: {وكفى بالله وكيلاً} في هذه السورة.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق}
نهى في هذا النص الكريم عن الغلو في الدين، والغلو هو تجاوز الحد سلبا أو إيجابا، وقد تجاوز اليهود الحد في شأن عيسى عليه السلام، فأنكروا رسالته لعنة الله عليهم، واتهموا أمه البتول، وغالى فيه النصارى حتى أخرجوه من مرتبة البشرية مع أن البشرية واضحة فيه، وفي ولادته وفي حياته وفي كونه لحما ودما يحيا ويموت ويأكل ويشرب كما يأكل سائر البشر، وإذا كان الغلو في شأن عيسى وقع من اليهود ومن النصارى فإنه يصح أن يكون الخطاب موجها إلى الفريقين باعتبار أن الغلو وقع مستمرا، فيكون النهي عن الاستمرار ولكن سياق القول يدل على أن أهل الكتاب المخاطبين في هذه الآية هم النصارى لأنه سبحانه وتعالى يقول: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا} إلى آخره، فالسياق في خطاب النصارى ومغالاة اليهود بشأن عيسى قد سبق بيانها آنفا.
ولقد أردف الله سبحانه النهي عن المغالاة بتجاوز الحق، وبالأمر بالحق فقال تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا الحق}.
أي لا تقولوا يا معشر النصارى على الله إلا الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، لا على الوهم البعيد، وفي هذا النص السامي إشارات إلى معان فإن أقوالهم التي قالوها غير الحق هي افتراء وكذب على الله تعالى وكذلك عدى القول فقال على الله، لأن القول يتضمن معنى الافتراء وفوق ذلك إنها لا تعتمد على الحق الثابت، وتناقض الدليل الواضح، والبرهان القاطع قائم في أن عيسى ولد، والإله لا يولد، وعيسى كان يأكل ويشرب والإله ليس كذلك وقد زعموا أنهم قتلوه والإله لا يقتل، وزعموا أنه قتل افتداء للخليقة عن عصيان آدم لله تعالى، وليس من المعقول في أي منطق أن يفتدي الله الخليقة عن عصيان أبيها بتمكينهم من قتل ابنه في زعمهم، فإن ذلك القتل جريمة أشد وأشنع، وإذا كانت الأولى تحتاج إلى فداء، فالثانية لا يغني عنها فداء، ولكن هكذا سوغ الوهم لهم.
وإذا كان ما قلوا باطلا، لا يمت إلى الحق بسبب، فالحق هو ما قرره الله تعالى في قوله تعالت كلماته:
{إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} صدر الكلام بأداة القصر، وهي "إنما "ومعنى القول ليس المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله أرسله لهداية الحق، وهو قد نشأ بكلمته ونفخ بروح منه في مريم فكان من بعد بشرا سويا، وهو في إيجاده آية قدرة الله تعالى على الخلق من غير تقيد بالأسباب التي تجري بين الناس، فهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات بديع السماوات والأرض وليس له ولد: {لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)} (الإخلاص).
ولا بد أن تعرض بقليل من البيان لثلاث عبارات: الأولى التعبير ب {المسيح عيسى ابن مريم} والثانية {وكلمته ألقاها إلى مريم} والثالثة {وروح منه} فقد تعلقت الأوهام بالعبارتين الأخريين، فوجب بيانهما مع أن الأولى إزالة لأوهامهم.
أما العبارة الأولى وهي {المسيح عيسى ابن مريم} فإن الله تعالى قد ذكر أنه المسيح وأنه عيسى وأنه ابن مريم فأما الأول فهو الاسم الذي يذكر به في القرآن وذكر بجواره عيسى للإشارة إلى أنه شخص ككل الشخوص فيه إشارة إلى بشريته والتصريح بالبشرية في قوله تعالى "ابن مريم" فهو مولود خرج من رحم أنثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فإنه قد خرج من رحم أم، وحسبنا ذلك دليلا على البشرية المطلقة، وفي ذكر الأم من غير ذكر أب دليل على أنه لا ينتسب إلى أب قط، فليس ابن يوسف النجار وليس ابن الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا.
والعبارة الثانية وهي {كلمته إلى مريم} فإن الكلمة هنا قد تكون مجملة ولكنها ذكرت في آيات مبينة ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، فقد قال تعالى في شأن خلق عيسى عليه السلام: {واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجاجا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21)} (مريم)}.
هذا ما جاء في سورة مريم وقد جاء في سورة آل عمران: {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47)} (آل عمران).
وقال في شأن خلق عيسى من غير أب: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)} (آل عمران).
وبهذا يتبين أن الله سبحانه وتعالى خلقه بكلمة منه، وهو "كن"، كما خلق آدم وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التي تجري بين الناس بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته "كن" وبذلك سمي كلمة الله. وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته، وما كانت الكلمة من الله إلها يعبد، فضلا عن أنه سمي بذلك لأنه فعلا نشأ بكلمة لا بمني الرجل يمنى، بل كلمته التكوين ألقاها (أي أوصلها) إلى مريم فكان التكوين لعيسى.
والعبارات الثالثة {وروح} وهذه أيضا من العبارات التي تعلقت بها أوهامهم إذ قد فتحوا باب الوهم فيها حتى غشي عقولهم فحجبها فظنوا أن هذه الكلمة تدل على معنى الألوهية في عيسى.
وإن تتبع هذا اللفظ في القرآن يدل على أنه يراد به أحيانا الروح التي ينشئها الله تعالى في الأبدان وينفخ فيها وتكون بمعنى الملك جبريل عليه السلام، وتكون بمعنى رحمة وليس في ذلك ما يدل على الربوبية أو الألوهية فيمن تقال فيه أو يسمى باسمه، وقد قيل المعنيان الأولان في شأن عيسى وشأن أمه، فقد قال في شأن أمه مريم البتول: {فنفخنا فيها من روحنا (91) (الأنبياء) وهو جبريل عليه السلام، وقد ذكرنا من قبل قوله تعالى: {...فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17)} (مريم).
وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: {وروح منه} أي أنه سبحانه أنشأه بروح مرسل منه، وهو جبريل الأمين، وقد يقال أنه نشأ بروح منه سبحانه، أي أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان، ولقد قال تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9)} (السجدة) والأول أولى.
وعلى ذلك يكون معنى قوله {وروح منه} أي أنه نشأ بنفخ الله تعالى الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل إنسانا وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل وقد تمثل لها بشرا سويا.
ولكن قد يسأل سائل لماذا سماه الله تعالى روحا، ونقول في الإجابة عن ذلك أن عيسى سمي روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ولأنه غلبت عليه الروحانية وإن كان بشرا كسائر البشر يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ولهذا المعنى سمي روحا (ومن) هنا للابتلاء أي أن الروح مرسل من عند الله تعالى ونافخ بإذنه.
وبهذا الكلام يزول الوهم الذي سلطه الله على عقول الذين غالوا في المسيح عليه السلام غلوا بعيدا فنحلوه ما ليس له، وما ليس من شأنه، وجعلوه إلها وابن إله ومنهم من جعل أمه مريم إلها، إلى آخر ما توهموا.
ولقد لج الوهم ببعضهم فظن أن في القرآن الكريم ما يدل على ما توهموا، فقد قالوا إن في القرآن ما يدل على أن عيسى عليه السلام مؤيد بروح القدس، فقد قال سبحانه: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس (87) (البقرة).
ونقول في إزالة هذا الوهم إن روح القدس في القرآن عدة مرات في مقام التأييد لعيسى هو جبريل عليه السلام، وقد ذكر بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102)} (النحل).
وإذن لا لبس ولا التباس، ويجب أن تفسر بذلك روح القدس التي جاءت في الأناجيل بالنسبة لعيسى، فقد جاء في إنجيل متى: "ولما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس" وبالتفسير المعقول المتفق مع نص القرآن الكريم يكون الحبل بنفخ من روح القدس جبريل، وقد جاء في الإنجيل ما يدل على أن روح القدس هو جبريل عليه السلام: "وهذا الرجل كان بارا تقيا ينتظر نفسه إسرائيل والروح القدس"، وجاء في الإصحاح الثاني من إنجيل متى آية26 (وكان قد أوحي إليه بالروح القدس).
وإذا كان الحق في عيسى عليه السلام أنه رسول الله وأنه تعالى خلقه من غير طريق الأسباب المعتادة إذ خلقه بكلمة وأنه روح جاءت من قبل الله إذ نفخ جبريل الروح في مريم فكان منها الحبل، وأنه غلبته روحانية، إذا كان كذلك فيجب الإيمان بالحق، وإزالة الأوهام وكذا قال سبحانه:
{فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} أي إذا كانت تلك حقيقة المسيح وليس بابن الله، فآمنوا بالله وحده لا شريك له في العبادة ولا في السلطان وليس معه ثان ولا ثالث وليس بوالد ولا ولد، وآمنوا بالرسالة الإلهية وآمنوا بالرسل الذين سبقوا عيسى والرسول الذي جاء من بعده، ولا تكفروا بأحد منهم ولا تغالوا فتقولوا ثلاثة ولذا قال سبحانه: {ولا تقولوا ثلاثة}.
وعبر سبحانه وتعالى بقوله: {ولا تقولوا ثلاثة} بدل قوله "ولا تؤمن بثلاثة أو لا تصدقوا بثلاثة أو لا تزعموا ثلاثة"، لأن أمر الثلاثة قول يقولونه فإن سألتهم عن معناه قالوا مرة الأب والابن وروح القدس أي أنهم ثلاثة متفرقون، ومرة يقولون ثلاثة أقانيم، والذات واحدة، فإن أردت تفسيرا لمعنى الثالث، قالوا كلاما لا يمكن أن تقبله العقول المستقيمة.
...وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يقولوا ثلاثة، وأكد سبحانه وتعالى النهي بقوله: {انتهوا خيرا لكم} وفي التعبير ب "انتهوا" دليل على أنهم لم يعتنقوا ما يدعون اعتقادا جازما، بل إنهم إن كفروا غيروا، فكان الأمر بالانتهاء، وقال انتهوا خيرا لكم، أي انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، لأنكم تخرجون من حيرة الأوهام إلى تفكير العقول وتدركون الحق وتذعنون له، وتكونون مؤمنين بالمسيح حقا وصدقا، والاطمئنان إلى حكم العقل خير من حيرة الوهم والشك، وفي انتهائهم رضا الله تعالى والجزاء في الآخرة.
{له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} أي أن المعبود بحق ليس إلا واحدا، وهو الله تعالى ذو الجلال والإكرام، ووحدانيته تكون في الذات والصفات والعبودية، فليست ذاته الكريمة كذات المخلوقات، وهو وحده سبحانه الجدير بالعبودية والألوهية فلا معبود سواه وهو وحده الخالق للكون، وقد تنزه سبحانه عن أن يكون له ولد لأن هذه صفات المخلوقين، وذاته تعالى واحدة ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لأن كون أحد ولده يقضي الاتصال بالمخلوقين ويكون مثلهم، وهو الخالق لهم ولكل شيء، فكيف يكون المخلوق ولدا، وكيف يكون البشر متولدا من الله تعالى الخالق له المنشئ المكون المربي، ولذا قال سبحانه وتعالى:
{له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} كل ما في السماوات من بروج ونجوم وكواكب وما في الأرض من أحياء على ظهرها ومعادن وفلزات وكنوز في باطنها وما في البحار من أحياء ومن جواهر ولآلئ، هو ملك لله تعالى، فعيسى ابن مريم وأمه وغيرهما مملوكان لله تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93)} (مريم). والله سبحانه هو المدبر للكون الذي وكل إليه أمره، ولذا قال سبحانه وتعالى: {وكفى بالله وكيلا} أي أن الله تعالى هو الذي قد وكل إليه أمر الكون، وتدبيره ظاهره وباطنه، وما ظهر منه للناس، وما خفي عليهم، وكفى بالله وكيلا ليستقيم الأمر فيه، وليسير على سنن مستقيم لا اضطراب فيه ولا اختلاف. اللهم أنت بديع السماوات والأرض لا نؤمن إلا بك، ولا نعبد إلا إياك ولا نرجو الخير إلا منك اللهم إنك أنت مانح النعم ومجريها ولا يرجى سواك.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
تتطرق هذه الآية والآية التي تليها إِلى واحد من أهم انحرافات الطائفة المسيحية، وهذا الانحراف هو اعتقاد المسيحيين بالتثليث، أي وجود آلهة ثلاثة ويأتي التطرق إِلى هذا البحث في سياق البحوث القرآنية التي وردت في الآيات السابقة عن أهل الكتاب والكفار.
فهذه الآية تحذر في البداية أهل الكتاب من المغالاة والتطرف في دينهم، وتدعوهم أن لا يقولوا على الله غير الحق، حيث تقول: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إِلاّ الحق...).
لقد كانت قضية الغلو في حق القادة السابقين إِحدى أخطر منابع الانحراف في الأديان السماوية، فالإِنسان بما أنّه يميل إِلى ذاته يندفع بهذا الميل إِلى إِظهار زعمائه وقادته بصورة أكبر ممّا هم عليه، لكي يضفي على نفسه الأهمية والعظمة من خلال هؤلاء القادة، وقد يدفع الإِنسان التصور الواهي بأن الإِيمان هو المبالغة والغلو في احترام وتعظيم القادة إِلى الوقوع في متاهات هذا النوع من الانحراف الرهيب.
والغلو في أصله ينطوي على عيب كبير يفسد العنصر الأساسي للدين الذي هو عبادة الله وتوحيده ولهذا السبب فقد عامل الإِسلام الغلاة أو المغالين بعنف وشدّة، إِذ عرفت كتب الفقه والعقائد هذه الفئة من الناس بأنّهم أشد كفراً من الآخرين.
بعد ذلك تشير الآية الكريمة إِلى عدّة نقاط، يعتبر كل واحد منها في حدّ ذاته دليلا على بطلان قضية التثليث، وعدم صحة اُلوهية المسيح (عليه السلام)، وهذه النقاط هي:
-لقد حصرت الآية بنوة السيد المسيح (عليه السلام) بمريم (عليها السلام) (إنّما المسيح عيسى بن مريم)، وإِشارة البنوة هذه الواردة في ستة عشر مكاناً من القرآن الكريم إِنّما تؤكّد أنّ المسيح (عليه السلام) هو إنسان كسائر الناس، خلق في بطن اُمّه، ومرّ بدور الجنين في ذلك الرحم، وفتح عينيه على الدنيا حين ولد من بطن مريم (عليها السلام) كما يولد أفراد البشر من بطون اُمهاتهم ومرّ بفترة الرضاعة وتربى في حجر اُمّه، ممّا يثبت بأنّه امتلك كل صفات البشر فكيف يمكن وحالة المسيح (عليه السلام) هذه أن يكون إِلهاً أزلياً أبدياً، وهو في وجوده محكوم بالظواهر والقوانين المادية الطبيعية ويتأثر بالتحولات الجارية في عالم الوجود؟!
وعبارة الحصر التي هي «إنّما» الواردة في الآية تحصر بنوة المسيح (عليه السلام) بمريم (عليها السلام) وتؤكّد على أنّه وإِنّ لم يكن له والد، فليس معنى ذلك أن أباه هو الله، بل هو فقط ابن مريم (عليها السلام).
- تؤكّد الآية الكريمة أنّ المسيح (عليه السلام) هو رسول الله ومبعوث إِلى البشر من قبله سبحانه وتعالى، وإِن هذه المنزلة أي منزلة النّبوة لا تتناسب ومقام الألوهية.
والجدير بالذكر هو أنّ معظم كلام المسيح (عليه السلام) الوارد قسم منه في الأناجيل المتداولة في الوقت الحاضر، إِنّما يؤكّد نبوته وبعثته لهداية الناس، وليس فيه دلالة على ادعائه الألوهية والربوبية.
-تبيّن الآية أن عيسى المسيح (عليه السلام) هو كلمة الله التي ألقاها إِلى مريم (عليها السلام) حيث تقول: (وكلمته ألقاها إِلى مريم).
وقد وردت عبارة: «كلمة» في وصف المسيح في عدد من الآيات القرآنية، وهذه إِشارة إِلى كون المسيح مخلوقاً بشرياً، إِذ أن الكلمات مخلوقة من قبل الله، كما أنّ الموجودات في الكون من مخلوقاته عزَّ وجلّ، فكما أن الكلمات تبيّن مكنونات أنفسنا نحن البشر وتدل على صفاتنا وأخلاقياتنا، فإِنّ مخلوقات الكون تحكي صفات خالقها وجماله وتدل على جلاله وعظمته.
وعلى هذا الأساس فقد وردت عبارة «كلمة» في عدد من العبارات القرآنية، لتشمل جميع مخلوقات الله، كما في الآية (109) من سورة الكهف والآية (29) من سورة لقمان، وبديهي أنّ الكلمات الإِلهية تتفاوت بعضها مع البعض في المنزلة والأهمية وعيسى (عليه السلام) يعتبر إِحدى كلمات الله البارزة الأهمية، لكونه ولد من غير أب، إِضافة إِلى كونه يتمتع بمقام الرسالة الإِلهية.
- تشير الآية إِلى أنّ عيسى المسيح (عليه السلام) هو روح مخلوقة من قبل الله، حيث تقول (وروح منه) وهذه العبارة التي وردت في شأن خلق آدم أو بعبارة أُخرى خلق البشر أجمعين في القرآن الكريم، إِنما تدل على عظمة تلك الروح التي خلقها الله تعالى وأودعها في أفراد البشر بصورة عامّة، وفي المسيح (عليه السلام) وسائر الأنبياء بصورة خاصّة.
وعلى الرغم من أنّ البعض أساء الاستفادة من هذه العبارة وفسّرها بأنّ المسيح (عليه السلام) هو جزء من الله سبحانه وتعالى، مستنداً إِلى عبارة «منه» ولكن الواضح في مثل هذه الحالات أن كلمة «من» ليست للتبعيض، بل تدل على مصدر ومنشأ وأصل وجود الشيء.
...بعد ذلك تؤكّد الآية على ضرورة الإِيمان بالله الواحد الأحد وبأنبيائه، ونبذ عقيدة التثليث، مبشرة المؤمنين بأنّهم إِن نبذوا هذه العقيدة فسيكون ذلك خيراً لهم حيث قالت الآية: (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم...).
وتعيد الآية التأكيد على وحدانية الله قائلة: (إِنّما الله إله واحد...) وهي تخاطب المسيحيين لأنّهم حين يدعون التثليث يقبلون أيضاً بوحدانية الله، فلو كان لله ولد لوجب أن يكون شبيهه، وهذه حالة تناقض أساس الوحدانية.
فكيف إِذن يمكن أن يكون لله ولد، وهو منزّه من نقص الحاجة إِلى زوجة أو ولد، كما هو منزّه من نقائص التجسيم وأعراضه؟ تقول الآية: (سبحانه أن يكون له ولد...) والله هو مالك كل ما في السموات وما في الأرض والموجودات كلها مخلوقاته وهو خالقها جميعاً، والمسيح (عليه السلام) أيضاً واحد من خلق الله، فكيف يمكن الادعاء بهذا الاستثناء فيه؟ وهل يمكن المملوك والمخلوق أن يكون ابنا للمالك والخالق؟! حيث تؤكد الآية: (له ما في السموات وما في الأرض...) والله هو المدبر والحافظ والرازق والراعي لمخلوقاته، تقول الآية: (وكفى بالله وكيلا).
والحقيقة هي أنّ الله الأزلي الأبدي الذي يرعى جميع الموجودات منذ الأزل إِلى الأبد لا يحتاج مطلقاً إِلى ولد، فهل هو كسائر الناس لكي يحتاج إِلى ولد يخلفه من بعد الموت؟
عقيدة التثليث أكبر خرافة مسيحية:
ليس في الانحرافات التي تورط بها العالم المسيحي أكبر من انحراف عقيدة التثليث، لأنّ المسيحيين يعتقدون صراحة بالثالوث الإِلهي، وهم في نفس الوقت يصرحون بأن الله واحد! أي أنّهم يرون الحقيقة في التثليث والتوحيد في أن واحد.
وقد خلقت هذه القضية التي لها حدان متناقضان مشكلة كبيرة للمفكرين والباحثين المسيحيين.
فلو كان المسيحيون مستعدين لقبول مسألة التوحيد بأنّها «مجازية» وقبول مسألة التثليث بأنّها مسألة حقيقية أو قبول العكس، لأمكن تبرير هذا الأمر، ولكنهم يرون الحقيقة في الجمع بين هذين المتناقضين، فيقولون أن الثلاثة واحد كما يقولون أن الواحد ثلاثة في نفس الوقت.
وما يلاحظ من ادعاء في الكتابات التبشيرية الأخيرة للمسيحيين، والتي توزع للناس الجهلاء، من أن التثليث شيء مجازي، إِنّما هو كلام مشوب بالرياء ولا يتلاءم مطلقاً مع المصادر الأساسية للمسيحية، كما لا يتفق مع الآراء والمعتقدات الحقيقية للمفكرين المسيحيين.
ويواجه المسيحيون هنا قضية لا تتفق مع العقل فالمعادلة التي افترضوا فيها أن 1 = 3 لا يقبلها حتى الأطفال الذين هم في مرحلة الدراسة الابتدائية. ولهذا السبب ادعوا أنّ هذه القضية لا تقاس بمقياس العقل، وطلبوا الإِذعان بها عبر ما سمّوه بالرؤية التعبدية القلبية.
وكان هذا التناقض منشأ للتباعد الحاصل لديهم بين الدين والعقل، وسبباً لجر الدين إِلى متاهات خطيرة، الأمر الذي اضطرهم إِلى القول بأن الدين ليس له صلة بالعقل، أو ليس فيه الطابع العقلاني، وأنّه ذو طابع تعبدي محض.
وهذا هو أساس التناقض بين الدين والعلم في منطق المسيحية، فالعلم يحكم بأنّ الثلاثة لا تساوي الواحد، والمسيحية المعاصرة تصر على أنّهما متساويان!