روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (25)

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ منكُمْ } { مِنْ } إما شرطية وما بعدها شرطها ، وإما موصولة وما بعدها صلتها ، و { مّنكُمْ } حال من الضمير في { يَسْتَطِعْ } وقوله سبحانه : { طُولاً } مفعول به ليستطع وجعله مفعولاً لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول . والمراد به الغنى والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد ، وأصله الفضل والزيادة ، ومنه الطائل ، وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم : طلته أي نلته ، ومنه قول الفرزدق :

إن الفرزدق صخرة ملمومة *** ( طالت ) فليس تنالها الأوعالا

قوله عز وجل : { أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } أي الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات ، وعبر عنهن بذلك لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء إما أن يكون متعلقاً ب { طُولاً } على معنى ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار في موضع الصفة ل { طُولاً } أي ومن لم يستطع غنى موصلاً إلى نكاحهن أو لنكاحهن أو على على أن الطول بمعنى القدرة كما قال الزجاج ، ومحل { إن } بعد الحذف جر ، أو نصب على الخلاف المعروف ، وهذا التقدير قول الخليل ، وإليه ذهب الكسائي ، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من { طُولاً } بدل الشيء من الشيء ، وهما لشيء واحد بناءاً على أن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح قوة وفضل ، وقيل : يجوز أن يكون مفعولاً ليستطع و { طُولاً } مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز أي ومن لم يستطع منكم استطاعة أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ لا تعلق لذلك بالمقام .

وقوله تعالى وتقدس : { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة ، و { مَا } موصولة في محل جر بمن التبعيضية ، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله ، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم ، وأجاز أبو البقاء كون ( من ) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم ، وقوله تعالى : { مّن فتياتكم } أي إمائكم { المؤمنات } في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى { مَا } ، وقيل : ( من ) زائدة ، و { فتياتكم } هو المفعول للفعل المقدر قبل ، و مما ملكت متعلق بنفس الفعل ، و ( من ) لابتداء الغاية ، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول ، و ( من ) للتبعيض ، و ( المؤمنات ) على جميع الأوجه صفة ( فتياتكم ) ، وقيل : هو مفعول ذلك الفعل المقدر ، وفيه بعد .

وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط كما ذهب إليه الشافعي وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] و { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } [ النساء : 24 ] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص ؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة ؛ أما أولاً : فالمفهومان أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول ، وأما ثانياً : فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح ، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة ، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء ، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها ، وبالكراهة صرح في «البدائع » ، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى ، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم .

واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر ، أو رقيقة فرقيق ، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة ، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم ، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة ، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل قاله ابن الهمام وفيه مناقشة مّا فتأمل .

وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم لكل جديد لذة أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء ؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد

{ والله أَعْلَمُ بإيمانكم } جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب ، ورب أمة يفوق إيمانها إمان كثير من الحرائر .

والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم ، وقيل : جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب ، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى ؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك ، وأياً ما كان فبعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له ، وزعم بعضهم أن ( بعضكم ) فاعل للفعل المحذوف ، قيل : وفي الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات ، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجلي على ذلك .

{ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن ، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب . والمراد من الأهل الموالي ، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا : للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية » الوصي لو زوج أمة اليتيم من لكن في الظهيرية الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز ، وفي «جامع الفصولين » القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب ، وفي «فتح القدير » للشريك المفاوض تزويج الأمة ، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد ، وقال أبو يوسف : يملكون ذلك ، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن ، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي ، وإلى هذا ذهب مالك وهو رواية عند أحمد ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر ، وقال : حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " والعهرالزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع ، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما ، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح ، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة عيب عن نفسه بخلاف النكاح ، قال ابن الهمام : لا يقال : يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول : هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة . والحج ، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً ، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك وهو الشارع زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى . ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم . واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى ، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل ، وفي «الظهيرية » لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل ، ومن نصف المسمى وحكى معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون

{ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد ، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن ، ولعل ما تقدم قرينة عليه ، قيل : ونكتة اختيار ( آتوهن ) على أتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة ، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين ، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه . وقال الإمام مالك : الآية على ظاهرها والمهر للأمة ، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية ، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً ، وكذا إن فسر قوله تعالى .

{ بالمعروف } بما عرف شرعاً من إذن الموالي ، والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار ، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ

{ محصنات } حال إما من مفعول { *آتوهن } فهو بمعنى متزوجات ، أو من مفعول { بَعْضٍ فانكحوهن } فهو بمعنى عفائف ، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه : { فتياتكم المؤمنات } فليس في إعادته كثير جدوى ، والمشهور هنا تفسير المحصنات بالعفائف فقوله تعالى : { غَيْرَ مسافحات } تأكيد له ، والمراد غير مجاهرات بالزنا كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { وَلاَ * مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } عطف على ( مسافحات ) و ( لا ) لتأكيد ما في { غَيْرِ } من معنى النفي والأخدان جمع خدن وهو الصاحب ، والمراد به هنا من تتخذه المرأة صديقاً يزني بها والجمع للمقابلة ، والمعنى ولا مسرات الزنا . وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى سر وعلانية ، وروي عن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر منه ويقولون : إنه لؤم ويستحلون ما خفي ويقولون : لا بأس به ، ولتحريم القسمين نزل قوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الأنعام : 151 ] .

{ فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي بالأزواج كما قال ابن عباس وجماعة وقرأ إبراهيم { أُحْصِنَّ } بالبناء للفاعل أي أحصن فروجهن وأزواجهن ، وأخرج عبد بن حميد أنه قرىء كذلك ثم قال : إحصانها إسلامها ، وذهب كثير من العلماء إلى أن المراد من الاحصان على القراءة الأولى الإسلام أيضاً لا التزوج ، وبعض من أراده من الآية قال : لا تحد الأمة إذا زنت ما لم تتزوج بحرّ ، وروي ذلك مذهباً لابن عباس ، وحكي عدم الحد قبل التزوج عن مجاهد وطاوس ، وقال الزهري : هو فيها بمعنى التزوج . والحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم تتزوج لما في «الصحيحين » عن زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال : " اجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها ولو بضفير " فالمزوجة محدودة بالقرآن وغيرها بالسنة ، ورجح هذا الحمل بأنه سبحانه شرط الإسلام بقوله جل وعلا : { مّن فتياتكم المؤمنات } فحمل ما هنا على غيره أتم فائدة وإن جاز أنه تأكيد لطول الكلام . وذكر بعض المحققين أن تفسير الإحصان بالإسلام ظاهر على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من جهة أنه لا يشترط في التزوج بالأمة أن تكون مسلمة وإن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع ، وهو مشكل على قول من يقول بمفهوم الشرط من الشافعية فإنه يقتضي أن الأمة الكافرة إذا زنت لا تجلد ، وليس مذهبه كذلك فإنه يقيم الحد على الكفار

{ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك .

{ فَعَلَيْهِنَّ } أي فثابت عليهن شرعاً { نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } أي الحرائر الأبكار { مّنَ العذاب } أي الحد الذي هو جلد مائة ، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأن لا يتنصف ؛ وهذا دفع لتوهم أن الحد لهن يزيد بالإحصان ، فيسقط الاستدلال به على أنهن قبل الإحصان لا حد عليهن كما روي ذلك عمن تقدم . قال الشهاب : وعلم من بيان حالهن حال العبيد بدلالة النص( {[241]} ) فلا وجه لما قيل : إنه خلاف المعهود لأن المعهود أن يدخل النساء تحت حكم الرجال بالتبعية وكأن وجهه أن دواعي الزنا فيهن أقوى وليس هذا تغليباً وذكراً بطريق التبعية حتى يتجه ما ذكر ، ويرد على وجه التخصيص أنه لو كان كذلك لم يدل على حكم العبيد بل الوجه فيه أن الكلام في تزوج الإماء فهو مقتضى الحال انتهى . والظاهر أن المراد بالحال المعلوم بدلالة النص حال العبيد إذا أتوا بفاحشة لا مطلقاً ، فإن حال العبيد ليس حال الإماء في مسألة النكاح من كل وجه كما بين في «كتب الفروع » ، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرىء ( فإن أتوا ) ، و ( أتين بفاحشة ) ، هذا والفاء في { فَإِنْ أَتَيْنَ } جواب ( إذا ) ، والثانية : جواب ( إن ) ، والشرط الثاني مع جوابه مترتب على وجود الأول ، و { مّنَ العذاب } في موضع الحال من الضمير في الجار والمجرور والعامل فيها هو العامل في صاحبها ، قال أبو البقاء : ولا يجوز أن تكون حالاً من { مَا } لأنها مجرورة بالإضافة فلا يكون لها عامل

{ ذلك } أي نكاح الإماء { لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } أي لمن خاف الزنا بسبب غلبة الشهوة عليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت فقال : الإثم ، فقال نافع : وهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال : نعم أما سمعت قول الشاعر :

رأيتك تبتغي ( عنتي ) وتسعى *** مع الساعي عليّ بغير دخل

وقيل : أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان بعد صلاح حاله ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح ، ويفهم من كلام كثير من اللغويين أنه حقيقة في الإثم وكذا في الجهد والمشقة ، ومنه أكمة عَنُوت أي صعبة المرتقى ، وفسره الزجاج هنا بالهلاك ، والذي عليه الأكثرون ما تقدم وهو مأثور أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : المراد به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد ، ورجح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه مع ما فيه من الإشارة إلى أن اللائق بحال المؤمن الخوف من الزنا المفضي إلى العذاب ، وفي هذا إيهام بأن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه وأياً مّا كان فهو شرط آخر لجواز تزوج الإماء عند الشافعي عليه الرحمة ، ومذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه ليس بشرط وإنما هو إرشاد للأصلح

{ وَأَن تَصْبِرُواْ } أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين .

{ خَيْرٌ لَّكُمْ } من نكاحهن وإن رخص لكم فيه لأن حق الموالي فيهن أقوى فلا يخلصن للأزواج خلوص الحرائر إذ هم يقدرون على استخدامهن سفراً وحضراً ، وعلى بيعهن للحاضر والبادي ، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سميا إذا ولد لهم منهن أولاد ، ولأنهن ممتهنات مبتذلات خراجات ولاجات وذلك ذل ومهانة سارية للناكح ، ولا يكاد يتحمل ذلك غيور ، ولأن في نكاحهن تعريض الولد للرق . وقد أخرج عبد الرزاق وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرقه نصفه » وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «ما تزحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً » وعن أبي هريرة وابن جبير مثله . وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال : «نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا للمضطر » وفي «مسند الديلمي والفردوس » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " وقال الشاعر :

ومن لم تكن في بيته قهرمانة *** فذلك بيت لا أبا لك ضائع

وقال الآخر :

إذا لم يكن في منزل المرء حرة *** تدبره ضاعت مصالح داره

{ والله غَفُورٌ } أي مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن ، وإنما عبر بذلك تنفيراً عنه حتى كأنه ذنب { رَّحِيمٌ } أي مبالغ في الرحمة فلذلك رخص لكم ما رخص .


[241]:- وقال بعضهم: لا حد على العبد أصلا وإنما الحد على الأمة إذا زنت محصنة، وقال آخرون: يجلد كالحر لعموم (الزانية والزاني) إلى آخرها لأن الآية المنصفة وردت في الإماء اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (25)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ومن لم يستطع منكم طولا}: من لم يجد منكم سعة من المال، {أن ينكح المحصنات المؤمنات}، يعني الحرائر، فليتزوج من الإماء، {فمن ما ملكت أيمانكم}، يعني الولائد، فتزوجوا {من فتياتكم المؤمنات}، يعني الولائد. {والله أعلم بإيمانكم} من غيره، فيكره للعبد المسلم أن يتزوج وليدة من أهل الكتاب، لأن ولده يصير عبدا، فإن تزوجها وولدت له، فإنه يشتري من سيده رضى أو كره، ويسعى في ثمنه، {بعضكم من بعض} يتزوج هذا وليدة هذا، وهذا وليدة هذا.

{فانكحوهن بإذن أهلهن}: تزوجوا الولائد بإذن أربابهن، {وآتوهن أجورهن}، يقول: وأعطوهن مهورهن {بالمعروف محصنات} عفائف لفروجهن، {غير مسافحات} غير معلنات بالزنا، {ولا متخذات أخدان}، يعني أخلاء في السر، فيزني بها سرا.

{فإذا أحصن}، يعني أسلمن، {فإن أتين بفاحشة}: فإن جئن بالزنا، {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}، يعني خمسين جلدة، نصف ما على الحرة إذا زنت، {ذلك} التزويج للولائد، {لمن خشي العنت منكم}، يعني الإثم في دينه، وهو الزنا، {وأن}، يعني ولئن {تصبروا} عن تزويج الأمة، {خير لكم} من تزويجهن، {والله غفور} لتزويجه الأمة، {رحيم} به حين رخص له في تزويجها إذا لم يجد طولا، يعني سعة في تزويج الحرة...

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25]. قوله تعالى: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25].

- يحيى: قال مالك: هن الإماء المؤمنات. قال مالك: فإنما أحل الله، فيما نرى، نكاح الإماء المؤمنات. ولم يحلل نكاح إماء أهل الكتاب؛ اليهودية والنصرانية.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في معنى الطول الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية؛

فقال بعضهم: هو الفضل والمال والسعة... الطّوْل: الغنى.

وقال آخرون: معنى الطول في هذا الموضع: الهَوَى.

عن جابر أنه سئل عن الحرّ يتزوّج الأمة، فقال: إن كان ذا طول فلا. قيل: إن وقع حبّ الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العنت فليتزوّجها.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرّم شيئا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرّة، فأحلّ ما حرّم من ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة. فإذ كان ذلك إجماعا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يحلّ له من أجل غلبة هوى سرّه فيها، لأن ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيى بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرّمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حرم عليهم منها فيغيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبد في حرام لقضاء لذة، وفي إجماع الجميع على أن رجلاً لو غلبه هوى امرأة حرة أو امرأة أنها لا تحلّ له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضح فساد قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاح الإماء.

فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومن لم يجد منكم سعة من مال لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم. وأصل الطّوْل: الإفضال، يقال منه: طال عليه يَطُول طَوْلاً في الإفضال، وطال يَطُول طُولاً في الطول الذي هو خلاف القصر.

{إنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ}

يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم أيها الناس طولاً، يعني: من الأحرار أن ينكح المحصنات وهنّ الحرائر المؤمنات اللواتي قد صدّقن بتوحيد الله وبما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحقّ.

عن ابن عباس، قوله: {أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ} يقول: أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين.

قال ابن زيد في قوله: {أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمْ المُؤْمِناتِ} قال: من لم يجد ما ينكح به حرة فينكح هذه الأمة فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها، ولم يحل الله ذلك لأحد إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرّة وينفق عليها، ولم يحلّ له حتى يخشى العنت...

وأما الفتيات فإنهنّ جمع فتاة، وهنّ الشواب من النساء، ثم يقال لكل مملوكة ذات سنّ أو شابة فتاة، والعبد فتى.

ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله: {مِنْ فَتَياتِكُمْ المُؤْمناتِ} تحريم ما عدا المؤمنات منهنّ، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟

فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين. عن مجاهد: {مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ} قال: لا ينبغي للحرّ المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.

وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق. واعتلوا لقولهم بقول الله: {أُحِلّ لَكُمُ الطّيّباتُ وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ وَالمُحْصَناتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ} قالوا: فقد أحلّ الله محصنات أهل الكتاب عاما، فليس لأحد أن يخصّ منهنّ أمة ولا حرّة. قالوا: ومعنى قوله: {فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ}: غير المشركات من عبدة الأوثان.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين¹، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أحلّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماها فيهنّ، فغير جائز لمسلم نكاحهنّ.

فإن قال قائل: فإن الآية التي في المائدة تدلّ على إباحتهنّ بالنكاح؟ قيل: إن التي في المائدة قد أبان أن حكمها في خاصّ من محصناتهم، وأنها معنّى بها حرائرهم دون إمائهم، قوله: {مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ} وليست إحدى الآيتين دافعة حكمها حكم الأخرى، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى لو لم يكن جائزا اجتماع حكميهما على صحة، فأما وهما جائز اجتماع حكمهما على الصحة، فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس، ولا خبر بذلك ولا قياس، والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم.

{وَاللّهُ أعْلَمُ بإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم وتأويل ذلك: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فلينكح بعضكم من بعض، بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا. ف«البعض» مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه إذ كان قوله: {فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ} في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم ردّ بعضكم على ذلك المعنى فرفع. ثم قال جلّ ثناؤه: {واللّهُ أعْلَمُ بإيمَانِكُمْ}: أي والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله منكم، يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولاً لحرة من فتياتكم المؤمنات، لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولاً لحرّة من هذا الموسر فتاته المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته وكِلوا سرائرهنّ إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن.

{فانْكِحُوهُنّ بإذْنِ أهْلِهِنّ وآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ بالمَعْرُوفِ}: فتزوّجوهنّ بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهنّ ورضاهم وأعطوهنّ مهورهنّ، ويعني بقوله {بالمَعْرُوفِ}: على ما تراضيتم به مما أحلّ الله لكم وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن.

{مُحْصَناتٍ}: عفيفات، {غيرَ مُسافِحاتٍ}: غير مزانيات، {ولا مُتّخِذَاتِ أخْدَانٍ}: ولا متخذات أصدقاء على السفاح. وقد ذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن الزواني كنّ في الجاهلية في العرب: المعلنات بالزنا. والمتخذات الأخدان: اللواتي قد حبسن أنفسهنّ على الخليل والصديق للفجور بها سرّا دون الإعلان بذلك. عن ابن عباس، قوله: {مُحْصَناتٍ غيرَ مُسافِحَاتٍ وَلا مُتّخذَاتِ أخْدَانٍ} يعني: تنكحوهنّ عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية. {وَلا مُتّخِذَاتِ أخْدَانٍ} يعني: أخلاّء.

{فإذَا أُحْصِنّ}؛ اختلفت القراء في قراءة ذلك؛

فقرأه بعضهم: «فإذا أَحْصَنّ» بفتح الألف، بمعنى: إذا أسلمن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.

وقرأه آخرون: {فإذَا أُحْصِنّ} بمعنى: فإذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب. فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا في ذلك غير جائز إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءة بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل¹، وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا فغير دافع أحدهما صاحبه، لأن الله قد أوجب على الأمة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحد، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْها كِتابَ اللّهِ وَلا يُثَرّبْ عَلَيْها، ثُمّ إنْ عادتْ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ وَلاَ يُثرّبْ عَلَيْها، ثُمّ إنْ عادَتْ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ وَلا يُثَرّبْ عَلَيْها، ثُمّ إنْ زنَتْ الرّابِعَةَ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ ولْيَبِعها ولَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ». وقال صلى الله عليه وسلم: «أقِيمُوا الحُدُودَ على ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ». فلم يخصص بذلك ذات زوج منهنّ ولا غير ذات زوج، فالحدود واجبة على موالي الإماء إقامتها عليهنّ إذا فجرن بكتاب الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما: حدثكم به ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا مالك بن أنس عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني ولم تحصن، قال: «اجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ فاجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ فاجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ فقال في الثالثة أو الرابعة: فَبِعْهَا وَلَوْ بِضٍفِيرٍ» والضفير: الشعر.

فقد بين أن الحدّ الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء هو ما كان قبل إحصانهنّ فأما ما وجب من ذلك عليهنّ بالكتاب، فبعد إحصانهنّ؟ قيل له: قد بينا أن أحد معاني الإحصان: الإسلام، وأن الاَخر منه التزويج وأن الإحصان كلمة تشتمل على معان شتى، وليس في رواية من روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأمة تزنى قبل أن تحصن، بيان أن التي سئل عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي تزنى قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتجّ في أن الإحصان الذي سنّ صلى الله عليه وسلم حدّ الإماء في الزنا هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويج دون الإسلام. وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول، أن كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامة الحدّ عليها، متزوّجة كانت أو غير متزوّجة، لظاهر كتاب الله والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من أخرجه من جوب الحدّ عليه منهنّ بما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك تبين به صحة ما اخترنا من القراءة في قوله: {فإذَا أُحْصِنّ}. فإن ظنّ ظانّ أن في قول الله تعالى ذكره: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ} دلالة على أن قوله: {فإذَا أُحْصِنّ} معناه: تزوّجن، إذ كان ذكر ذلك بعد وصفهنّ بالإيمان بقوله: {مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ} وحسب أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهنّ بالإيمان، فقد ظنّ خطأ¹ وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فيتاتكم المؤمنات، فإذا هنّ آمن فإن أتين بفاحشة، فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب، فيكون الخبر بيانا عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهنّ بعد البيان عما لا يجوز لناكحهنّ من المؤمنين من نكاحهنّ، وعمن يجوز نكاحه له منهنّ. فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام فغير جائز لأحد صرف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إياهنّ بالإيمان غير أن الذي نختار لمن قرأ: «مُحْصَناتٍ غيَرَ مُسافِحاتٍ» بفتح الصاد في هذا الموضع أن يقرأ {فإذَا أُحْصِنّ فإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ} بضم الألف، ولمن قرأ {مُحْصِناتٍ} بكسر الصاد فيه، أن يقرأ: «فإذَا أحْصَنّ» بفتح الألف، لتأتلف قراءة القارئ على معنى واحد وسياق واحد، لقرب قوله: «محصنات» من قوله: {فإذَا أُحْصِنّ} ولو خالف من ذلك لم يكن لحنا، غير أن وجه القراءة ما وصفت.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته، فقال بعضهم: معنى قوله {فإذَا أُحْصِنّ}: فإذا أسلمن.

وقال آخرون: معنى قوله: {فإذا أُحْصِنّ}: فإذا تزوّجن.

وهذا التأويل على قراءة من قرأ: {فإذَا أُحْصِنّ} بضمّ الألف، وعلى تأويل من قرأ: «فإذا أَحْصَنّ» بفتحها. وقد بينا الصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا.

{فإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ}: فإن أتت فتياتكم، وهنّ إماؤكم، بعد ما أَحْصنّ -بإسلام، أو أحصنّ بنكاح -بفاحشة، وهي الزنا، {فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ ما على المُحْصَناتِ مِنَ العَذَابِ}: فعليهنّ نصف ما على الحرائر من الحدّ إذا هن زنين قبل الإحصان بالأزواج والعذاب الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع هو الحدّ. وذلك النصف الذي جعله الله عذابا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هنّ أحصنّ خمسون جلدة، ونفي ستة أشهر، وذلك نصف عام، لأن الواجب على الحرّة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج: جلد مائة، ونفي حَوْل، فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة، وذلك الذي جعله الله عذابا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة... فإن قال قائل: وكيف {فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذَابِ} وهل يكون الجلد على أحد؟ قيل: إن معنى ذلك فلازم أبدانهنّ أن تجلد نصف ما يلزم أبدان المحصنات، كما يقال: عليّ صلاة يوم، بمعنى: لازم عليّ أن أصلي صلاة يوم، وعليّ الحجّ والصيام مثل ذلك، وكذلك عليه الحدّ بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحدّ ليقام عليه.

{ذَلِكَ لَمِنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ}: هذا الذي أبحت أيها الناس من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طولاً لنكاح المحصنات المؤمنات، أبحته لمن خشي العنت منكم دون غيره ممن لا يخشى العنت.

واختلف أهل التأويل في هذا الموضع؛

فقال بعضهم: هو الزنا... العنت: الزنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تُعْنِتُهُ، وهي الحدّ.

والصواب من القول في قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ}: ذلك لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه. وذلك أن العنت هو ما ضرّ الرجل، يقال منه: قد عَنِتَ فلان فهو يَعْنَتُ عَنتا: إذا أتى ما يضره في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى: {وَدّوا ما عَنِتّمْ} ويقال: قد أعنتني فلان فهو يعنتني: إذا نالني بمضرّة¹ وقد قيل: العنت: الهلاك.

فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضرر في الدين، وهو من العنت. والذين وجهوه إلى الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين وهي من العنت. والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحدّ، فإنهم قالوا: الحدّ مضرّة على بدن المحدود في دنياه، وهو من العنت. وقد عمّ الله بقوله: {لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ} جميع معاني العنت، ويجمع جميع ذلك الزنا، لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا بما يعنت بدنه، ويكتسب به إثما ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهل التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذّة وقضاء شهوة فإنه بأدائه إلى العنت منسوب إليه موصوف به أن كان للعنت سببا.

{وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: وأن تصبروا أيها الناس عن نكاح الإماء خير لكم، والله غفور لكم نكاح الإماء أن تنكحوهنّ على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك إن أصلحتم أمور أنفسكم فيما بينكم وبين الله، رحيم بكم، إذ أذن لكم في نكاحهنّ عند الافتقار وعدم الطول للحرة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجِدّ، والأخذ بالاحتياط والتضييق؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالأخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أوْلى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجَلُّ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص. ثم قال في آخر الآية: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: يعني على مقاساة ما فيه الشدة، وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة؟ قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين.

وقوله: {مّن فتياتكم} أي من فتيات المسلمين، لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين...

فإن قلت: فما معنى قوله: {والله أَعْلَمُ بإيمانكم}؟ قلت: معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه.

{بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان، لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه.

{بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن...

{وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف} وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز. فإن قلت: الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل: وآتوهن؟ قلت: لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي، أو على أن أصله: فآتوا مواليهن، فحذف المضاف...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حِكْمَةِ الْآيَةِ:

اُنْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إلَى مُرَاعَاةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لِمَصَالِحِنَا وَحُسْنِ تَقْدِيرِهِ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَحْكَامِنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ الرِّقَّ عَلَى الْخَلْقِ عُقُوبَةً لِلْجَانِي وَخِدْمَةً لِلْمَعْصُومِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْعَلَّاقَةَ قَدْ تَنْتَظِمُ بِالرِّقِّ فِي بَابِ الشَّهْوَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا جِبِلَّةً، وَرَتَّبَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا فِي اتِّحَادِ الْقُرُونِ وَتَرْتِيبِ النَّظَرِ، وَشَرَّفَهُ لِشَرَفِ فَائِدَتِهِ وَمَقْصُودِهِ مِنْ وُجُودِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ صَانَ عَنْهُ مَحِلَّ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهَا سَبَبَ الْحِلِّ وَطَرِيقَ التَّحْرِيمِ، وَالِاسْتِمْتَاعُ يَكْفِي.

الثَّانِي: -وَهُوَ الْمَقْصُودُ- صِيَانَةُ النُّطْفَةِ عَنْ التَّصْوِيرِ بِصُورَةِ الْإِرْقَاقِ.

الثَّالِثُ: صِيَانَةٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ حِينَ كَثَّرَ شُرُوطَهُ، وَأَعْلَى دَرَجَتَهُ، وَكَمَّلَ صِفَتَهُ؛ وَقَدْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ أَحْوَالَ الْخَلْقِ سَتَسْتَقِيمُ بِقِسْمَتِهِ إلَى ضِيقٍ وَسَعَةٍ وَضَرُورَةٍ أَذِنَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ لِلْحُرِّ فِي تَعْرِيضِ نُطْفَتِهِ لِلْإِرْقَاقِ، لِئَلَّا يَكُونَ مُرَاعَاةَ أَمْرٍ مَوْهُومٍ يُؤَدِّي إلَى فَسَادٍ حَال مُتَوَقَّعَة، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْهَوَى يُجِيزُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَر الْمُحَقِّقِينَ فِي مُطَالَعَةِ الْأَحْكَامِ مِنْ بَحْرِ الشَّرْعِ وَسَاحِلِ الْعَقْلِ؛ فَاِتَّخَذُوهَا مُقَدِّمَةً لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي فَهْمِ سِيَاقِ الْآيَةِ:

اعْلَمُوا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا سِيقَتْ مَسَاقَ الرُّخَصِ، كَقَوْلِهِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وَقَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وَنَحْوِهُ. فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُلْحَقَ بِالرُّخَصِ الَّتِي تَكُونُ مَقْرُونَةً بِأَحْوَالِ الْحَاجَةِ وَأَوْقَاتِهَا، وَلَا يَسْتَرْسِلُ فِي الْجَوَازِ اسْتِرْسَالَ الْعَزَائِمِ؛ وَإِلَى هَذَا مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَصْلًا، وَجَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُطْلَقًا، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَقَدْ جَهلَ مَسَاقَ الْآيَةِ مَنْ ظَنَّ هَذَا؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الطَّوْلِ. وَالثَّانِي خَوْفُ الْعَنَتِ؛ فَجَاءَ بِهِ شَرْطًا عَلَى شَرْطٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَرَائِرَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْحَرَائِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ذِكْرًا مُطْلَقًا؛ فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِمَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ذَكَرَهَا ذِكْرًا مَشْرُوطًا مُؤَكَّدًا مَرْبُوطًا.

...

...

...

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: لَمَّا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ الْمُحَرَّمَاتِ الْحَاضِرَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلتَّكْلِيفِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، فَلَوْ وَقَعَ هَذَا الْإِحْلَالُ بِنَصٍّ لَكَانَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا نَسْخًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عُمُومًا؛ فَجَرَى عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ أَلْفًا مَا أَثَّرَ فِي الْعُمُومِ، فَكَيْفَ وَهِيَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ؟ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} وَهُوَ عُمُومٌ خَرَجَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ وَبَقِيَ تَحْتَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَهُمُ الْمُحَارِبُونَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لَا فَصَاحَةً وَلَا حِكْمَةً وَلَا دِينًا وَلَا شَرِيعَةً.

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}

الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمَّا شَرَطَ الْإِيمَانَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَخْفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ أَحَالَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيهِ، وَقَالَ: {وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} فِيمَا أَضْمَرْتُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، كُلُّكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَبِظَاهِرِهِ مَعْصُومٌ، حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ الْحَكِيمُ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ: «عَلَيَّ رَقَبَةٌ وَأُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ. قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» حَمْلًا عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْإِيمَانِ، نَعَمْ وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ.

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}.

قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي الشَّرَفِ، وَرَدٌّ عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُسَمِّي وَلَدَ الْأَمَةِ هَجِينًا تَعْبِيرًا لَهُ بِنُقْصَانِ مَرْتَبَةِ أُمِّهِ، وَهَذَا أَمْرٌ أَدْخَلَتْهُ الْيَمَنِيَّةُ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَشْعُرْ بِجَهْلِ الْعَرَبِ وَغَفلتهَا؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ ابْنُ أَمَةٍ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى بَصِيرَةٍ مَا قَبِلَتْ هَذَا التَّعْبِيرَ، وَإِلَيْهَا يُرْجَعُ.

قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}.

فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ:

...

...

...

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا تُنْكَحَ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا ينْكَحُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَسَيِّدِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}: هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى أُجْرَةً، وَدَلِيلُ هَذَا أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ الْبُضْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْمَنْفَعَةَ يُسَمَّى أُجْرَةً.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ لِلْأَمَةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ، أَصْلُهُ إجَازَةُ الْمَنْفَعَةِ فِي الرَّقَبَةِ.

وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ غَشَيَانِهَا بِالتَّزْوِيجِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَهَذَا الْعَقْدُ لَهَا لَا لَهُ، فَعِوَضَهُ لَهَا بِخِلَافِ مَنَافِعِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّهَا وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا لِلسَّيِّدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إطْنَابٍ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ؟ يَعْنِي الْوَاجِبَ، وَهُوَ ضِدُّ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْمَعْرُوفَ الَّذِي هُوَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ؛ وَسَتَرَاهُ مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} يَعْنِي عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ حَرَّمَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ الْإِحْصَانَ وَهُوَ الْعِفَّةُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ: مُحْصَنَاتٍ، أَيْ بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًى، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}، فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْكُوحَاتٌ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا فِي الْكَلَامِ قَبِيحًا فِي النِّظَامِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمَاءِ الْحَلَالِ عَنْ الْمَاءِ الْحَرَامِ؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا نِكَاحُهَا حَتَّى تُسْتَبْرَأَ.

...

.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}:

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَتًى وَفَتَاةً وَصْفٌ لِلْعَبِيدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي».

قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَعْنَى الْإِحْصَانِ هَاهُنَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيه؛ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْإِسْلَامُ؛ قَائِلُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: أُحْصِنَّ: تَزَوَّجْنَ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً وَالْأَمَةُ حُرًّا، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ... وَالْإِحْصَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْإِحْصَانِ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْكِحَ الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ فَلْيَنْكِحِ الْمَمْلُوكَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْحَرَائِرِ مِنَ الْحَدِّ. وَلَا يَتَنَصَّفُ الرَّجْمُ، فَلْيَسْقُط اعْتِبَارُهُ. وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا يَتَشَطَّرُ وَهُوَ الْجَلْدُ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإِذَا تَزَوَّجْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْأَبْكَارِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ الْجَلْدُ.

وَنَحْنُ أَسَدُّ تَأْوِيلًا لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: الْمُؤْمِنَاتُ، يَقْتَضِي الْإِسْلَامَ. فَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَرَّدَةٍ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، فَتَنَاوَلَهَا عُمُومُ هَذَا الْخِطَابِ.

...

...

...

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: دَخَلَ الذُّكُورُ تَحْتَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِهِ: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} بِعِلَّةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، كَمَا دَخَلَ الْإِمَاءُ تَحْتَ قَوْلِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ»؛ بِعِلَّةِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَتَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى حَقِّ الْمِلْكِ.

وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} دُخُولَ الْمُحْصَنِينَ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

...

.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ}.

يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَجَوَازِ خَوْفِ هَلَاكِ الْمَرْءِ؛ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ مَضَرَّتَانِ دُفِعَت الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، فَقُدِّمَ الْمُتَحَقِّقُ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: {ومن لم يستطع منكم} أي أيها المؤمنون {طولاً} أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهويناً لبذله بأنه ميال، لا ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها {أن} أي لأن {ينكح المحصنات} أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهنَّ وهنَّ أنفسهن عن أن يكن كالإماء {المؤمنات} بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر {فمن} أي فلينكح إن أراد من {ما ملكت أيمانكم} أي مما ملك غيركم من المؤمنين {من فتياتكم} أي إمائكم، وأطلقت الفتوة -وهي الشباب- على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخاً، ثم وضح المراد بالإضافة فقال: {المؤمنات} أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار حذراً من مخالطة كافرة خوفاً من الفتنة -كما مضى في البقرة، ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكاً لكافر، هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطاً بعقد مسلمة، حرة كانت أو أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى الترك، وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور {وانكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى...

ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر فيه بالوصف، وكان أمراً قلبياً، لا يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات {أعلم بإيمانكم} فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به وبالوصف لا بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين "فاظفر بذات الدين، تربت يداك!". ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله: {بعضكم من بعض} أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده {فانكحوهن} أي بشرط العجز {بإذن أهلهن} أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم...

ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصاً بالمؤمنين منا قيد بقوله: {منكم}. ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: {وإن تصبروا} أي عن نكاحهن متعففين {خير لكم} أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {غفور} أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى نوع تقصير {رحيم *} أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ذلك من المحذور...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} الاستطاعة أن يكون الشيء في طوعك لا يتعاصى على قدرتك وهو أوسع من الإطاقة، والطول الغنى والفضل من المال والحال أو القدرة على تحصيل المطالب والرغائب، والمحصنات فسرت هنا بالحرائر خاصة بدليل مقابلتها بالفتيات وهن الإماء والحرية كانت عندهم داعية الإحصان والبغاء شأن الإماء قالت هند للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو تزني الحرة؟ وفي التعبير عنهن بهذا اللقب إرشاد إلى تكرمهن فإن الفتاة تطلق على الشابة وعلى الكريمة السخية كأنه يقول لا تعبروا عن عبيدكم وإمائكم بالألفاظ الدالة على الملك بل بلفظ الفتى والفتاة المشعر بالتكريم.

والمعنى ومن لم يستطع منكم طولا في المال أو الحال لنكاح المحصنات أو من لم يستطع استطاعة طول أو من جهة الطول نكاح المحصنات اللواتي أحل لكم أن تبتغوا نكاحهن بأموالكم وأمرتم أن تقصدوا بالاستمتاع والانتفاع بنكاحهن الإحصان لهن ولأنفسكم فلينكح امرأة من نوع ما ملكتم من فتياتكم أي إمائكم المؤمنات. وهذا يؤيد ما قررناه تبعا لجمهور السلف والخلف من كون الاستمتاع في الآية السابقة هو النكاح الثابت، لا المتعة التي هي استئجار عارض، وتقدم أن الاستمتاع الانتفاع ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) للرجل الذي شكا من امرأته ولم تسمح نفسه بطلاقها (فاستمتع بها) رواه أبو داود والنسائي، ولو كانت تلك الآية تجيز المتعة بالحرائر لما كان لوصل هذه الآية بها فائدة وأي امرئ لا يستطيع المتعة لعدم طول حتى يتزوج الأمة فيجعل بها نسله مملوكا لمولاها؟ فإن قيل إنه ربما لا يستطيعها لعدم رغبة النساء فيها لأنها من العار. قلنا: إن صح هذا من عدم استطاعة الطول فهو لا يفيد هذا القائل لأن سبب عد المتعة عارا في الغالب هو تحريمها ومن لا يحرمها كالشيعة فإنما يبيحونها في الغالب اعتقادا وجدلا، لا استحسانا وعملا، فكأنها محرمة عليهم بالفعل لغلبة شعور سائر المسلمين واعتقادهم في ذلك عليهم، ولا شك أن عار الزنا المطلق أشد عندهم وعند سائر الناس عن عار المتعة وقلما يتركه أحد لعدم استطاعة الطول وإنما يتركه من يتركه تدينا في الغالب وخوفا من الأمراض التي تنشأ منه عند بعض الناس. ومن قدر على الزنا كان على المتعة أقدر. ومن الغفلة أن تقيد الأحكام بعادات بعض الناس وأحوالهم الاجتماعية لتوهم أن كل الناس كذلك في كل زمن حتى زمن التشريع.

الأستاذ الإمام:

فسروا الطّول هنا بالمال الذي يدفع مهرا وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة وهي من مادة الطول بالضم فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات وقد قدر بعضهم (كالحنفية) المهر بدراهم معدودة فقال بعضهم ربع دينار وقال بعضهم عشرة دراهم وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده بل ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لمريد الزواج (التمس ولو خاتما من حديد) (رواه البخاري بلفظ تزوج ولو بخاتم من حديد وهو في الصحيحين والسنن) وروي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئا من القرآن مهرا (والحديث في الصحيحين والسنن وهو الذي أمره النبي بالتماس خاتم الحديد) وتزوج بعضهم بنعلين (وأجازه النبي (صلى الله عليه وسلم) صححه الترمذي) ولم يقيد السلف المهر بقدر معين.

وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار أو عشرة دراهم أو نعلين. وفسره أبو حنيفة أو قال بعض الحنفية بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجا امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج أمة. فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة.

(قال): والطول أوسع من كل ما قالوه وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه، لعيب في خلقه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، فإن لها حقوقا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثيرة. والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا في الإماء أيضا وإن قيل به، وإنما لبيان الواقع، فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن وسكت عن نكاح الكتابيات، والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن (كما تقدم في تفسير سورة البقرة ج2 تفسير) فكان الزواج محصورا في المؤمنات فذكره لأنه الواقع، أي ولأنهم لم يكونوا معرضين لنكاح الكتابيات ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف. وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض.

أقول: في هذا أحسن تخريج وتوجيه لما عليه الحنفية وهم يبنونه على عدم الاحتجاج بمفهوم الشرط ومفهوم اللقب وإلا فظاهر الشرط أن من قدر على نكاح الحرة المؤمنة لا يحل له أن ينكح الأمة المؤمنة بله غير المؤمنة. وظاهر وصف الفتيات بالمؤمنات أنه لا يحل نكاح الأمة غير المؤمنة. وقد أحل الله في سورة المائدة نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب وهن الحرائر في قول مجاهد وغير واحد من مفسري السلف وقال غيرهم هن العفائف وعلى هذا تكون آية المائدة دليلا عن أن الوصف هنا لا مفهوم له أو ناسخة لمفهومه أو مخصصة لعمومه إن قلنا أنه عام وسيأتي أنه خاص. وعندي أن مفهوم الصفة تارة يكون مرادا وتارة لا يكون مرادا فإذا قلت وزع هذا المال أو نسخ هذا الكتاب على طلاب العلم الفقراء. تعين أن يوزع على الأغنياء منهم شيء منه. لأن الصفة مقصودة لمعنى فيها كان هو سبب العطاء وإذا قلت وزع هذه الدراهم على الخدم الواقفين بالباب جاز أن يعطي منها للواقف منهم والقاعد لأن الصفة ههنا ذكرت لبيان الواقع المعتاد لا لمعنى في الوقوف يقتضي العطاء. فبالقرآن تعرف الصفة التي يراد مفهومها والصفة التي لا يراد مفهومها.

و قد يقال إن من القرينة على اعتبار مفهوم الوصف بالمؤمنات هنا أنه لم يكن عندهم في مقابلته إلا المشركات وهن محرمات بنص آية البقرة فلولا القيد هنا لتوهم نسخ ذلك التحريم، ولم يذكر مثل هذا القيد في قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ففهم منها أن المسببات المشركات حلال فاستمتعوا بهن يوم أوطاس فالمفهوم هنا خاص بالمشركات والصواب أن المشركات المحرمات في آية البقرة هن مشركات العرب كما رواه ابن جرير عن بعض مفسري السلف فحرم نكاحهن حتى يؤمن لأن للإسلام سياسة خاصة بالعرب وهي عدم إقرارهم على الشرك ليكونوا كلهم مسلمين. وأما أهل الكتاب فإنه يقرهم على دينهم ويرضى من الداخلين في ذمة المسلمين منهم أن يؤدوا الجزية ولذلك أجاز للمسلمين في موادتهم أن يؤاكلوهم ويتزوجوا منهم وكذلك أقر المجوس على دينهم ومن كان مثلهم فله حكمهم كالبراهمة والبوذيين والله أعلم وأحكم.

ويدل على اعتبار مفهوم الصفة أيضا قوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} فهو يبين أن الإيماء قد رفع شأن الفتيات المؤمنات وساوى بينهن وبين الأحرار والحرائر في الدين وهو أعلم بحقيقة هذا الإيمان ودرجات قوته وكماله فرب أمة أكمل إيمانا من حرة فتكون أفضل منها عند الله تعالى أي فلا يصح مع هذا أن تعدو نكاح الأمة عارا عند الحاجة إليه فأنتم أيها المؤمنون إخوة في الإيمان بعضكم من بعض كما قال تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران:195] وقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:72] وقال في غيرهم: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} [التوبة:68] الخ وقيل بعضكم من بعض في النسب وهو ضعيف كما ترى فالإيمان هو المراد إذ لا ينبغي للمؤمن أن ينكح من اجتمع فيها نقص الشرك ونقص الرق...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم "لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فإذا كانت ظروف المسلم تحول بينه وبين الزواج من حرة تحصنها الحرية وتصونها، فقد رخص له في الزواج من غير الحرة، إذا هو لم يصبر حتى يستطيع الزواج من حرة، وخشي المشقة؛ أو خشي الفتنة:

(ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات -والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض- فانكحوهن بإذن أهلهن؛ وآتوهن أجورهن بالمعروف -محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان- فإذا أحصن. فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. ذلك لمن خشي العنت منكم. وأن تصبروا خير لكم. والله غفور رحيم).

إن هذا الدين يتعامل مع "الإنسان" في حدود فطرته، وفي حدود طاقته. وفي حدود واقعه، وفي حدود حاجاته الحقيقية.. وحين يأخذ بيده ليرتفع به من حضيض الحياة الجاهلية إلى مرتقى الحياة الإسلامية لا يغفل فطرته وطاقته وواقعه وحاجاته الحقيقية، بل يلبيها كلها وهو في طريقه إلى المرتقى الصاعد.. إنه فقط لا يعتبر واقع الجاهلية هو الواقع الذي لا فكاك منه. فواقع الجاهلية هابط، وقد جاء الإسلام ليرفع البشرية من وهدة هذا الواقع! إنما هو يعتبر واقع "الإنسان" في فطرته وحقيقته.. واقتدار الإنسان على الترقي واقع من هذا الواقع.. فليس الواقع فقط هو مجرد تلبطه في وحل الجاهلية.. أية جاهلية.. فمن الواقع كذلك مقدرته -بما ركب في فطرته- على الصعود والتسامي عن ذلك الوحل أيضا! والله -سبحانه- هو الذي يعلم "واقع الإنسان" كله، لأنه يعلم "حقيقة الإنسان" كلها. هو الذي خلقه ويعلم ما توسوس به نفسه.. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟

وقد كان في المجتمع المسلم الأول رقيق يتخلف من الحروب؛ ريثما يتم تدبير أمره.. إما بإطلاق سراحه امتنانا عليه بلا مقابل. وإما فداء مقابل إطلاق سراح أسارى المسلمين، أو مقابل مال -حسب الملابسات والظروف المنوعة فيما بين المسلمين وأعدائهم المحاربين- وقد عالج الإسلام هذا الواقع بإباحة مباشرة ملك اليمين -كما جاء في الآية السابقة- لمن هن ملك يمينه. لمواجهة واقع فطرتهن كما أسلفنا. مباشرتهن إما بزواج منهن -إن كن مؤمنات- أو بغير زواج، بعد استبراء أرحام المتزوجات منهن في دار الحرب، بحيضة واحدة.. ولكنه لم يبح لغير سادتهن مباشرتهن إلا أن يكون ذلك عن طريق الزواج. لم يبح لهن أن يبعن أعراضهن في المجتمع لقاء أجر؛ ولا أن يسرحهن سادتهن في المجتمع يزاولن هذه الفاحشة لحسابهم كذلك!

وفي هذه الآية ينظم طريقة نكاحهن والظروف المبيحة لهذا النكاح:

(ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)..

إن الإسلام يؤثر الزواج من حرة في حالة الطول -أي القدرة على نكاح الحرة- ذلك أن الحرة تحصنها الحرية؛ وتعلمها كيف تحفظ عرضها، وكيف تصون حرمة زوجها. فهن (محصنات) هنا -لا بمعنى متزوجات، فقد سبق تحريم نكاح المتزوجات- ولكن بمعنى حرائر، محصنات بالحرية؛ وما تسبغه على الضمير من كرامة، وما توفره للحياة من ضمانات. فالحرة ذات أسرة وبيت وسمعة ولها من يكفيها، وهي تخشى العار، وفي نفسها أنفة وفي ضميرها عزة، فهي تأبى السفاح والانحدار. ولا شيء من هذا كله لغير الحرة. ومن ثم فهي ليست محصنة، وحتى إذا تزوجت، فإن رواسب من عهد الرق تبقى في نفسها، فلا يكون لها الصون والعفة والعزة التي للحرة. فضلا على أنه ليس لها شرف عائلي تخشى تلويثه.. مضافا إلى هذا كله أن نسلها من زوجها كان المجتمع ينظر إليهم نظرة أدنى من أولاد الحرائر. فتعلق بهم هجنة الرق في صورة من الصور.. وكل هذه الاعتبارات كانت قائمة في المجتمع الذي تشرع له هذه الآية..

لهذه الاعتبارات كلها آثر الإسلام للمسلمين الأحرار ألا يتزوجوا من غير الحرائر، إذا هم استطاعوا الزواج من الحرائر. وجعل الزواج من غير الحرة رخصة في حالة عدم الطول. مع المشقة في الانتظار.

ولكن إذا وجدت المشقة، وخاف الرجال العنت. عنت المشقة أو عنت الفتنة. فإن الدين لا يقف أمامهم يذودهم عن اليسر والراحة والطمأنينة. فهو يحل -إذن- الزواج من المؤمنات غير الحرائر اللواتي في ملك الآخرين.

ويعين الصورة الوحيدة التي يرضاها للعلاقة بين الرجال الأحرار وغير الحرائر. وهي ذاتها الصورة التي رضيها من قبل في زواج الحرائر:

فأولا يجب أن يكن مؤمنات:

(فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)..

وثانيا: يجب أن يعطين أجورهن فريضة لهن لا لسادتهن. فهذا حقهن الخالص.

(فآتوهن أجورهن).

وثالثا: يجب أن تكون هذه الأجور في صورة صداق: وأن يكون الاستمتاع بهن في صورة نكاح. لا مخادنة ولا سفاح: والمخادنة أن تكون لواحد. والسفاح أن تكون لكل من أراد. محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان.

وقد كان المجتمع إذ ذاك يعرف هذه الأنواع من الاتصال الجنسي بين الحرائر كما سلف من حديث عائشة -رضي الله عنها- كما كان يعرف كذلك بين غير الحرائر أنواعا من البغاء. وقد كان سادة من أشراف القوم يرسلون رقيقاتهم يكسبن بأجسامهن في هذا السبيل القذر، لحساب سادتهن. وكان لعبدالله بن أبي بن سلول -رأس المنافقين في المدينة وهو من سادة قومه- أربع جوار يكسبن له من هذا السبيل! وكانت هذه بقايا أو حال الجاهلية، التي جاء الإسلام ليرفع العرب منها، ويطهرهم ويزكيهم، كما يرفع منها سائر البشرية كذلك!

وكذلك جعل الإسلام طريقا واحدة للمعاشرة بين الرجال الأحرار وهؤلاء "الفتيات"، هي طريق النكاح، الذي تتخصص فيه امرأة لرجل لتكوين بيت وأسرة، لا الذي تنطلق فيه الشهوات انطلاق البهائم. وجعل الأموال في أيدي الرجال لتؤدى صداقا مفروضا، لا لتكون أجرا في مخادنة أو سفاح.. وكذلك طهر الإسلام هذه العلاقات حتى في دنيا الرقيق من وحل الجاهلية، الذي تتلبط فيه البشرية كلما ارتكست في الجاهلية! والذي تتلبط فيه اليوم في كل مكان، لأن رايات الجاهلية هي التي ترتفع في كل مكان، لا راية الإسلام!

ولكن -قبل أن نتجاوز هذا الموضع من الآية- ينبغي أن نقف أمام تعبير القرآن عن حقيقة العلاقات الإنسانية التي تقوم بين الأحرار والرقيق في المجتمع الإسلامي، وعن نظرة هذا الدين إلى هذا الأمر عندما واجهه المجتمع الإسلامي. إنه لا يسمي الرقيقات: رقيقات. ولا جواري. ولا إماء. إنما يسميهن "فتيات".

(فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)..

وهو لا يفرق بين الأحرار وغير الأحرار تفرقة عنصرية تتناول الأصل الإنساني -كما كانت الاعتقادات والاعتبارات السائدة في الأرض كلها يومذاك- إنما يذكر بالأصل الواحد، ويجعل الآصرة الإنسانية والآصرة الإيمانية هما محور الارتباط:

(والله أعلم بإيمانكم، بعضكم من بعض)..

وهو لا يسمي من هن ملك لهم سادة. إنما يسميهم "أهلا":

(فانكحوهن بإذن أهلهن).

وهو لا يجعل مهر الفتاة لسيدها. فمهرها إنما هو حق لها. لذلك يخرج من قاعدة أن كسبها كله له. فهذا ليس كسبا، إنما هو حق ارتباطها برجل:

(وآتوهن أجورهن)..

وهو يكرمهن عن أن يكن بائعات أعراض بثمن من المال، إنما هو النكاح والإحصان:

(محصنات غير مسافحات ولامتخذات أخدان)..

وكلها لمسات واعتبارات تحمل طابع التكريم لإنسانية هؤلاء الفتيات، حتى وهن في هذا الوضع، الذي اقتضته ملابسات وقتية، لا تطعن في أصل الكرامة الإنسانية.

وحين يقاس هذا التكريم إلى ما كان سائدا في جاهلية الأرض كلها يومذاك من النظرة إلى الرقيق، وحرمانه حق الانتساب إلى "إنسانية" السادة! وسائر الحقوق التي تترتب على هذه "الإنسانية".. يبدو مدى النقلة التي نقل الإسلام إليه كرامة "الإنسان" وهو يرعاها في جميع الأحوال، بغض النظر عن الملابسات الطارئة التي تحد من أوضاع بعض الأناسي، كوضع الاسترقاق.

ويبدو مدى النقلة البعيدة حين يقاس صنيع الإسلام هذا، وتنظيمه لأوضاع هذه الحالة الطارئة بما تصنعه الجيوش الفاتحة في هذه الجاهلية الحديثة بنساء وفتيات البلاد المفتوحة. وكلنا يعرف حكاية "الترفيه" أو قصة الوحل الذي تلغ فيه جيوش الجاهلية الفاتحة في كل مكان! وتخلفه وراءها للمجتمع حين ترحل يعاني منه السنوات الطوال!

ثم يقرر الإسلام عقوبة مخففة على من ترتكب الفاحشة من هؤلاء الفتيات بعد إحصانها بالزواج، واضعا في حسابه واقعها وظروفها التي تجعلها أقرب إلى السقوط في الفاحشة، وأضعف في مقاومة الإغراء من الحرة، مقدرا أن الرق يقلل من الحصانة النفسية، لأنه يغض من الشعور بالكرامة، والشعور بشرف العائلة -وكلاهما شعور يثير الإباء في نفس الحرة- كما يقدر الحالة الاجتماعية والاقتصادية، واختلافها بين الحرة والأمة. وأثرها في جعل هذه أكثر تسامحا في عرضها، وأقل مقاومة لإغراء المال وإغراء النسب ممن يراودها عن نفسها! يقدر الإسلام هذا كله فيجعل حد الأمة -بعد إحصانها- نصف حد الحرة المحصنة بالحرية قبل زواجها.

(فإذا أحصن. فإن أتين بفاحشة، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)

ومفهوم أن النصف يكون من العقوبة التي تحتمل القسمة. وهي عقوبة الجلد. ولا يكون في عقوبة الرجم. إذ لا يمكن قسمتها! فإذا زنت الجارية المؤمنة المتزوجة عوقبت بنصف ما تعاقب به الحرة البكر. أما عقوبة الجارية البكر فمختلف عليها بين الفقهاء. هل تكون هذا الحد نفسه -وهو نصف ما على الحرة البكر- ويتولاه الإمام؟ أم تكون تأديبا يتولاه سيدها ودون النصف من الحد؟ وهو خلاف يطلب في كتب الفقه.

أما نحن -في ظلال القرآن- فنقف أمام مراعاة هذا الدين لواقع الناس وظروفهم، في الوقت الذي يأخذ بأيديهم في المرتقى الصاعد النظيف.

إن هذا الدين يأخذ في اعتباره -كما قلنا- واقع الناس، دون أن يدعهم يتلبطون في الوحل باسم هذا الواقع!

وقد علم الله ما يحيط بحياة الرقيق من مؤثرات. تجعل الواحدة -ولو كانت متزوجة- أضعف من مقاومة الإغراء والوقوع في الخطيئة. فلم يغفل هذا الواقع ويقرر لها عقوبة كعقوبة الحرة. ولكن كذلك لم يجعل لهذا الواقع كل السلطات، فيعفيها نهائيا من العقوبة.

قوام وسط. يلحظ كل المؤثرات وكل الملابسات.

كذلك لم يجعل من انحطاط درجة الرقيق سببا في مضاعفة العقوبة، كما كانت قوانين الجاهلية السائدة في الارض كلها تصنع مع الطبقات المنحطة والطبقات الراقية؛ أو مع الوضعاء والأشراف تخفف عن الأشراف، وتقسو على الضعاف.

كان المعمول به في القانون الروماني الشهير أن تشدد العقوبة كلما انحطت الطبقة. فكان يقول: "ومن يستهو أرملة مستقيمة أو عذراء، فعقوبته -إن كان من بيئة كريمة- مصادرة نصف ماله. وإن كان من بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض"

وكان المعمول به في القانون الهندي الذي وضعه "منو" وهو القانون المعروف باسم "منوشاستر" أن البرهمي إن استحق القتل، فلا يجوز للحاكم إلا أن يحلق رأسه. أما غيره فيقتل! وإذا مد أحد المنبوذين إلى برهمي يدا أو عصا ليبطش به قطعت يده... الخ

وكان اليهود إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد.

وجاء الإسلام ليضع الحق في نصابه؛ وليأخذ الجاني بالعقوبة، مراعيا جميع اعتبارات "الواقع". وليجعل حد الأَمة -بعد الإحصان- نصف حد الحرة قبل الإحصان. فلا يترخص فيعفيها من العقوبة، ويجعل إرادتها ملغاة كلية من ارتكاب الفعل تحت وطأة الظروف. فهذا خلاف الواقع. ولا يغفل واقعها كذلك فيعاقبها عقاب الحرة -وواقعها يختلف عن واقع الحرة. ولا يتشدد تشدد الجاهلية مع الضعاف دون الأشراف!!!

وما تزال الجاهلية الحديثة في أمريكا وفي جنوب أفريقية وفي غيرها تزاول هذه التفرقة العنصرية، وتغفر للأشراف "البيض" ما لا تغفره للضعاف "الملونين" والجاهلية هي الجاهلية حيث كانت. والإسلام هو الإسلام.. حيث كان..

ثم تنتهي الآية ببيان أن الزواج من الإماء رخصة لمن يخشى المشقة أو الفتنة. فمن استطاع الصبر- في غير مشقة ولا فتنة -فهو خير. لما أسلفناه من الملابسات التي تحيط بالزواج من الإماء:

(ذلك لمن خشي العنت منكم. وأن تصبروا خير لكم. والله غفور رحيم)

إن الله لا يريد أن يعنت عباده، ولا أن يشق عليهم، ولا أن يوقعهم في الفتنة. وإذا كان دينه الذي اختاره لهم، يريد منهم الاستعلاء والارتفاع والتسامي، فهو يريد منهم هذا كله في حدود فطرتهم الإنسانية، وفي حدود طاقتهم الكامنة، وفي حدود حاجاتهم الحقيقية كذلك.. ومن ثم فهو منهج ميسر، يلحظ الفطرة، ويعرف الحاجة، ويقدر الضرورة. كل ما هنالك أنه لا يهتف للهابطين بالهبوط، ولا يقف أمامهم- وهم غارقون في الوحل -يبارك هبوطهم، ويمجد سقوطهم. أو يعفيهم من الجهد في محاولة التسامي، أو من التبعة في قلة مقاومة الإغراء!

وهو هنا يهيب بالصبر حتى تتهيأ القدرة على نكاح الحرائر؛ فهن أولى أن تصان نفوسهن بالزواج، وان تقوم عليهن البيوت، وأن ينجبن كرام الأبناء، وأن يحسن الإشراف على الجيل الناشِئ، وأن يحفظن فراش الأزواج.. فأما إذا خشي العنت: عنت المشقة عند الصبر، وعنت الفتنة التي لا تقاوم، فهناك الرخصة، والمحاولة لرفع مستوى الإماء، بذلك التكريم الذي يضفيه عليهن. فهن (فتياتكم) وهم (أهلهن). والجميع بعضهم من بعض يربطهم الإيمان. والله أعلم بالإيمان. ولهن مهورهن فريضة. وهو نكاح لا مخادنة ولا سفاح.. وهن مسؤولات إن وقعن في الخطيئة.. ولكن مع الرفق والتخفيف ومراعاة الظروف:

(والله غفور رحيم)..

يعقب بها على الاضطرار لنكاح غير الحرائر. ويعقب بها على تخفيف عقوبة الإماء.. وهي في موضعها المناسب عقب هذه وتلك، فمغفرة الله ورحمته وراء كل خطيئة، ووراء كل اضطرار.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} المحصنات الحرائر، والفتيات الإماء، فإن الإسلام لا يعبر عن العبد إذا أضيف إلى مولاه بالعبد، بل يعبر عنه بالفتى، وهذا من أدب الإسلام وتكريم الإنسان... {والله اعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} هذه جملة معترضة بين إباحة نكاح الفتيات المؤمنات، وصورة العقد عليهن. وهذه الجملة السامية فيها فائدتان: أولاهما: التفتيش النفسي عن القلب، وما تخفيه الصدور بحيث يكون الشخص دائم التفتيش عن عيوبه، لأن الله تعالى أعلم بإيماننا منا، وهو سيحاسبنا على ما يعلم، وأفعل التفضيل في قوله تعالى:"أعلم" على بابه، فهو أعلم منا بأنفسنا... {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان} النكاح العقد ولا يستعمل في القرآن إلا بهذا المعنى، والمعنى: فاعقدوا عليهن عقد الزواج بإذن أهلهن، وأهلهن في هذا المقام هم المالكون لهن. وعبر عن المالكين بالأهل حملا للناس على الأدب في التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لا علاقة رق، ولذا يجب عليه أن يعطيه كل حقوق قرابته من مأكل ومسكن وملبس، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إخوانكم خولكم (أي مكنكم الله من رقابهم) قد ملككم الله إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون"...