روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (148)

{ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ } أي من بعد ذهابه إلى الجبل مناجاة ربه سبحانه { مِنْ حُلِيّهِمْ } جمع حلي كثدي وثدي وهو ما يتخذ للزينة ويتحلى به من الذهب والفضة ، والجار والمجرور متعلق باتخذ كمن بعده من قبله ولا ضير في ذلك لاختلاف معنى الجارين فإن الأول للابتداء والثاني للتبعيض ، وقيل : للابتداء أيضاً ، وتعلقه بالفعل بعد تعلق الأول به واعتباره معه ، وقيل : الجار الثاني متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده إذ لو تأخر لكان صفة له ، وإضافة الحلي إلى ضمير القوم لأدنى ملابسة لأنها كانت للقبط فاستعاروها منهم قبيل الغرق فبقيت في أيديهم وقيل : إنها على ما يتبادر منها بناءً على أن القوم ملكوها بعد أن ألقاها البحر على الساحل بعد غرق القبط أو بعد أن استعاروها منهم وهلكوا . قال الإمام : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون وقومه لعلمه أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم لأجل المال أو لتبقى أموالهم في أيديهم .

واستشكل ذلك بكونه أمراً بأخذ مال الغير بغير حق ، وإنما يكون غنيمة بعد الهلاك مع أن الغنائم لم تكن حلالاً لهم لقوله صلى الله عليه وسلم : «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أحلت لي الغنائم » الحديث على أن ما نقل عن القوم في سورة طه [ 87 ] من قولهم : { حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم } يقتضي عدم الحل أيضاً .

وأجيب بأن ذلك أن تقول : إنهم لما استعبدوهم بغير حق واستخدموهم وأخذوا أموالهم وقتلوا أولادهم ملكهم الله تعالى أرضهم وما فيها ، فالأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده ، وكان ذلك بوحي من الله تعالى لا على طريق الغنيمة ، ويكون ذلك على خلاف القياس وكم في الشرائع مثله ، والقول المحكي سيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه ، وهذه الجملة كما قال الطيبي عطف على قوله سبحانه : { وواعدنا موسى } [ الأعراف : 142 ] عطف قصة على قصة .

وقرأ حمزة . والكسائي { حُلِيّهِمْ } بكسر الحاء اتباعاً لكسر اللام كدلي وبعض { حُلِيّهِمْ } على الأفراد وقوله سبحانه : { عِجْلاً } مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل ، أخر عن المجرور لما مر آنفاً ، وقيل : إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثاني محذوف أي إلهاً ، والعجل ولد البقر خاصة وهذا كما يقال لولد الناقة حوار ولولد الفرس مهر ولولد الحمار جحش ولولد الشاة حمل ولولد العنز جدي ولولد الأسد شبل ولولد الفيل دغفل ولولد الكلب جرو ولولد الظبي خشف ولولد الأروية غفر ولولد الضبع فرعل ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوص ولولد الحية حربش ولولد النعام رأل ولولد الدجاجة فروج ولولد الفأر درص ولولد الضب حسل إلى غير ذلك ، والمراد هنا ما هو على صورة العجل .

وقوله تعالى : { جَسَداً } بدل من عجلاً أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسداً ، وفسر ببدن ذي لحم ودم ، قال الراغب : الجسد كالجسم لكنه أخص منه ، وقيل : إنه يقال لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه ، ويقال أيضاً لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالهواء ، ومن هنا على ما قيل قيل للزعفران الجساد ولما أشبع صبغه من الثياب مجسد ، وجاء المجسد أيضاً بمعنى الأحمر ، وبعض فسر الجسد به هنا فقال : أي أحمر من ذهب { لَّهُ خُوَارٌ } هو صوت البقر خاصة كالثغار للغنم واليعار للمعز والنبيب للتيس والنباح للكلب والزئير للأسد والعواء والوعوعة للذئب والضباح للثعلب والقباع للخنزير والمؤاء للهرة ، والنهيق والسحيل للحمار والصهيل والضبح والقنع والحنحمة للفرس والرغاء للناقة والصني للفيل والبتغم للظبي والضعيب للأرنب والعرار للظليم والصرصرة للبازي والعقعقة للصقر والصفير للنسر والهدير للحمام والسجع للقمري والسقسقة للعصفور والنعيق والنعيب للغراب والصقاء والزقاء للديك والقوقاء والنقيقة للدجاجة والفحيح للحية والنقيق للضفدع والصبىء للعقرب والفأرة والصرير للجراد إلى غير ذلك .

وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ { جؤار } بجيم مضمومة وهمزة ، وهو الصوت الشديد ، ومثله الصياح والصراخ . والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً وخوار مبتدأ ، والجملة في موضع النعت لعجلاً .

روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فصار حياً ، وذكر بعضهم في سر ذلك أن جبريل عليه السلام لكونه الروح الأعظم سرت قوة منه إلى ذلك التراب أثرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى لأمر يريده عز وجل ، ولا يلزم من ذلك أن يحيا ما يطؤه بنفسه عليه السلام لأن الأمر مربوط بالإذن وهو إنما يكون بحسب الحكم التي لا يعلمها إلا الحكيم الخبير فتدبر . وإلى القول بالحياة ذهب كثير من المفسرين ، وأيد بأن الخوار إنما يكون للبقر لا لصورته ، وبأن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه كالصريح فيما دل عليه الخبر . وقال جمع من مفسري المعتزلة : إن العجل كان بلا روح وكان السامري قد صاغه مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الريح فكانت تدخل في تلك الأنابيب فيسمع لها صوت يشبه خوار العجل ولذلك سمي خواراً . وما في طه سيأتي إن شاء تعالى الكلام فيه . واختلف في هذا الخوار فقيل : كان مرة واحدة ، وقيل : كان مرات كثيرة ، وكانوا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم . وعن السدي أنه كان يخور ويمشي . وعن وهب نفي الحركة ، والآية ساكتة عن إثباتها ، وليس في الأخبار ما يعول عليه فالتوقف عن إثبات المشي أولى ، وليست هذه المسألة من المهمات ، وإنما نسب الاتخاذ إلى قوم موسى عليه السلام وهو فعل السامري لأنهم رضوا به وكثيراً ما ينسب الفعل إلى قوم مع وقوعه من واحد منهم فيقال : قتل بنو فلان قتيلاً والقاتل واحد منهم ، وقيل : لأن المراد اتخاذهم إياه إلهاً ، فالمعنى صيروه إلهاً وعبدوه ، وحينئذٍ لا تجوز في الكلام لأن العبادة له وقعت منهم جميعاً .

قال الحسن : كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه السلام ، واستثنى آخرون غيره معه ، وعلى القول الأول قيل : لا بد من تقدير فعبدوه ليكون ذلك مصب الإنكار لأن حرمة التصوير حدثت في شرعنا على المشهور ولأن المقصود إنكار عبادته { خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } تقريع لهم وتشنيع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر ، أي ألم يروا أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر من الكلام وإرشاد السبيل بوجه من الوجوه فكيف عدلوه بخالق الأجسام والقوى والقدر ، وجعله بعضهم تعريضاً بالإله الحق وكلامه الذي لا ينفد وهدايته الواضحة التي لا تجحد ، وقيل : إنه تعريض بالله تعالى وبكلامه مع موسى عليه السلام وهدايته لقومه { اتخذوه } تكرار لجميع ما سلف من الاتخاذ على الوجه المخصوص المشتمل على الذم ، وهو من باب الكناية على أسلوب :

أن يرى مبصر ويسمع واع *** أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر .

{ وَكَانُواْ ظالمين } اعتراض تذييلي أي إن دأبهم قبل ذلك الظلم ووضع الأشياء في غير موضعها فليس ببدع منهم هذا المنكر العظيم ، وكرر الفعل ليبني عليه ذلك ، وقيل : الجملة في موضع الحال أي اتخذوه في هذه الحالة المستمرة لهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً } صنعه لهم السامري وكان من قوم يعبدون العجل أو ممن رآهم فوقع في قلبه لسوء استعداده حبه وأضمر عبادته واختار صياغته من حليهم ليكون ميلهم إليه أتم لأن قلب الإنسان يميل حيث ماله سيما إذا كان ذهباً أو فضة ، وكثير من الناس اليوم عبيد الدرهم والدينار وهما العجل المعنوي لهم وإن لم يسجدوا له وأكثر الأقوال أن ذلك العجل صار ذا لحم ودم وإليه الإشارة بقوله سبحانه : { جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } [ الأعراف : 148 ] وفي كلام الشيخ الأكبر قدس سره أنه صار ذا روح بواسطة التراب الذي وطئه الروح الأمين ولم يصرح بكونه ذا لحم ودم

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ } بما ينفعهم ولا يهديهم سبيلاً إلى الحق { اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين } [ الأعراف : 148 ] حيث عدلوا عن عبادة الحق إلى عبادة غيره في نظرهم

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (148)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{واتخذ قوم موسى}، بني إسرائيل، {من بعده}، حين انطلقوا إلى الطور، {من حليهم عجلا جسدا}، يعني صورة عجل جسد، يقول: ليس فيه روح، {له خوار}، يعني له صوت البهائم... {ألم يروا}، يعني بني إسرائيل، {أنه لا يكلمهم}، يعني لا يقدر على أن يكلمهم، {ولا يهديهم سبيلا}، يعني طريقا إلى الهدى، يعني العجل، {اتخذوه} العجل إلها، {وكانوا ظالمين}، يعني مشركين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: واتخذ بنو إسرائيل قوم موسى من بعد ما فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لمناجاته ووفاء للوعد الذي كان ربه وعده من حليهم عجلاً، وهو ولد البقرة، فعبدوه. ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال:"جَسَدا لَهُ خُوَارٌ" والخوار: صوت البقر. يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضلّ بمثله أهل العقل، وذلك أن الربّ جلّ جلاله الذي له ملك السموات والأرض ومدبّر ذلك، لا يجوز أن يكون جسدا له خوار، لا يكلم أحدا ولا يرشد إلى خير. وقال هؤلاء الذين قصّ الله قصصهم لذلك: هذا إلهنا وإله موسى، فعكفوا عليه يعبدونه جهلاً منهم وذهابا عن الله وضلالاً...

وقوله: "ألَمْ يَرَوْا أنّهُ لا يُكَلّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً "يقول: ألم ير الذين عكفوا على العجل الذي اتخذوه من حليهم يعبدونه أن العجل "لا يُكَلّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً" يقول: ولا يرشدهم إلى طريق، وليس ذلك من صفة ربهم الذي له العبادة حقا، بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله، ويرشد خلقه إلى سبيل الخير وينهاهم عن سبيل المهالك والردى. يقول الله جلّ ثناؤه: "اتّخَذُوهُ": أي اتخذوا العجل إلها، "وكانُوا" باتخاذهم إياه ربا معبودا "ظالِمِينَ" لأنفسهم، لعبادتهم غير من له العبادة، وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... اتخذوا العجل إلها عبدوه، يذكر هذا، والله أعلم، لما لم يعرفوا نعم الله، ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه وللتفكر في نعمه، فتؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتّبعها، ولا نضيّعها على ما ضيّع قوم موسى.

وقوله تعالى: {من بعده} أي من بعد مفارقة موسى قومه...

وقوله تعالى: {عجلا جسدا} قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلا في خواره، وقيل: الجسد، هو الذي لا تدبير له ولا تمييز ولا بيان... {ألم يروا أنه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا}... يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له، ولا كلام، ولا سبب يعبّر به، أو دعاء، واختاروا إلهية من وصفه ما ذكر...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: لم قيل: واتخذ قوم موسى عجلاً، والمتخذ هو السامري؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه. والثاني: أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه... {أَلَمْ يَرَوْاْ} حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحقّ ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه. ثم ابتدأ فقال: {اتخذوه} أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر {وَكَانُواْ ظالمين} واضعين كل شيء في غير موضعه، فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم، ولا أوّل مناكيرهم.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

"أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا" سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن انتفاء التكليم يستلزم انتفاء العلم، وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه، أعقبه تعالى مبيناً ومصوراً ومحققاً لوقوعه ومقرراً قوله عطفاً على {فأتوا على قوم يعكفون} [الأعراف: 138] مبيناً لإسراعهم في الكفر: {واتخذ} أي بغاية الرغبة {قوم موسى} أي باتخاذ السامري ورضاهم، ولم يعتبروا شيئاً مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير مثلها {من بعده} أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي أتممنا بها الأربعين {من حليهم} أي التي كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط {عجلاً} ولما كان العجل اسماً لولد البقر، بين أنه إنما يشبه صورته فقط، فقال مبدلاً منه: {جسداً}. ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهماً لأنه خال مما يشبه الناشئ عن الروح، قال {له خوار} أي صوت كصوت البقر، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم كان معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر الكفرة فكان جديراً بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا أنه بالصوغ صار إلهاً وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه، ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها. ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلهاً، دل على ذلك بالإنكار عليهم في قوله: {ألم يروا} أي الذين اتخذوا إلهاً {أنه لا يكلمهم} أي كما كلم الله موسى عليه السلام {ولا يهديهم سبيلاً} كما هداهم الله تعالى إلى سبيل النجاة، منها سلوكهم في البحر الذي كان سبباً لإهلاك عدوهم كما كان سبباً لنجاتهم... ولما كان هذا أمراً عظيماً جداً مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق، كان جديراً بالتأكيد فقال تعالى: {اتخذوه} أي بغاية الجد والنشاط والشهوة {وكانوا} أي جلبة وطبعاً مع ما أثبت لهم من الأنوار {ظالمين} أي حالهم حال من يمشي في الظلام، أو أن المقصود أن الظلم وصف لهم لازم، فلا بدع إذا فعلوا أمثال ذلك...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

{وَكَانُواْ ظالمين} اعتراض تذييلي أي إن دأبهم قبل ذلك الظلم ووضع الأشياء في غير موضعها فليس ببدع منهم هذا المنكر العظيم، وكرر الفعل ليبني عليه ذلك، وقيل: الجملة في موضع الحال أي اتخذوه في هذه الحالة المستمرة لهم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

... قال تعالى في بيان ضلالتهم، وتقريعهم على جهالتهم، {ألم يروا أنّه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا} أي ألم يروا أنه فاقد لما يعرف به الإله الحق، وخاصة ما له من حق العبادة على الخلق، بما يكلم به من يختاره منهم لرسالته، ويعلمه ما يجب أن يعرفوه من صفاته وسبيل عبادته، كما يكلم رب العالمين رسوله موسى عليه السلام، ويهديه سبيل الشريعة التي تتزكى بها أنفسهم، وتقوم بها مصالحهم، فعلم بهذا أن من شأن الرب الإله الحق أن يكون متكلما، وأن يكلم عباده ويهديهم سبيل الرشاد باختصاصه من شاء منهم وإعداده لسماع كلامه، وتلقي وحيه وتبليغ أحكامه، وفي سورة طه: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 89] فالمراد بالقول هداية الوحي، والمعنى أنه ليس له من صفات الرب الإله هداية الإرشاد التي مرجعها صفة الكلام، ولا الضر والنفع اللذين هما متعلق صفتي القدرة والإرادة.

ثم قال تعالى: {اتّخذوه وكانوا ظالمين} أي اتخذوه وهم يرون أنه لا يكلمهم بما فيه صلاحهم، ولا يهديهم لما فيه رشادهم، ولا يملك دفع الضر عنهم، ولا إسداد النفع إليهم، أي أنهم لم يتخذوه عن دليل ولا شبهة دليل، بل عن تقليد لما رأوا عليه المصريين من عبادة العجل "أبيس "من قبل، ولما رأوه من العاكفين على أصنام لهم من بعد، وكانوا ظالمين لأنفسهم بهذا الاتخاذ الجهلي الذي يضرهم ولا ينفعهم بشيء.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً؟ اتخذوه وكانوا ظالمين!).. وهل أظلم ممن يعبد خلقاً من صنع أيدي البشر. والله خلقهم وما يصنعون؟! وكان فيهم هارون -عليه السلام- فلم يملك لهم رداً عن هذا الضلال السخيف. وكان فيهم بعض عقلائهم فلم يملكوا زمام الجماهير الضالة المتدافعة على العجل الجسد -وبخاصة أنه من الذهب معبود إسرائيل الأصيل!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...وجملة: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً؛ لبيان فساد نظرهم في اعتقادهم، والاستفهام للتقرير وللتعجيب من حالهم...

... وقد سفه رأي الذين اتخذوا العجل إلاهاً، بأنهم يشاهدون أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، ووجه الاستدلال بذلك على سفه رأيهم هو أنهم لا شبهة لهم في اتخاذه إلاهاً بأن خصائصه خصائص العجماوات، فجسمه جسم عجل، وهو من نوع ليس أرقى أنواع الموجودات المعروفة، وصوته صوت البقر، وهو صوت لا يفيد سامعه، ولا يبين خطاباً، وليس هو بالذي يهديهم إلى أمر يتبعونه حتى تغني هدايتهم عن كلامه، فهو من الموجودات المنحطة عنهم، وهذا كقول إبراهيم {فاسْألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فماذا رأوا منه مما يستأهل الإلهية، فضلاً على أن ترتقي بهم إلى الصفات التي يستحقها الإله الحق، والذين عبدوه أشرف منه حالاً وأهدى، وليس المقصود من هذا الاستدلال على الألوهية بالتكليم والهداية، وإلا للزم إثبات الإلهية لحكماء البشر.

وجملة: {اتخذوه} مؤكدة لجملة {واتخذ قوم موسى} فلذلك فصلت، والغرض من التوكيد في مثل هذا المقام هو التكرير لأجل التعجيب، كما يقال: نَعمْ اتخذوه، ولتبنى عليه جملة {وكانوا ظالمين} فيظهرَ أنها متعلقة باتخاذ العجل، وذلك لبعد جملة: {واتخذ قوم موسى} بما وليها من الجملة وهذا كقوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} إلى قوله {فليكتب} [البقرة: 282] أعيد فليكتب لتُبنى عليه جملة: {وليُملل الذي عليه الحق} [البقرة: 282]، وهذا التكرير يفيد معَ ذلك التوكيدَ وما يترتب على التوكيد...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

اليهود وعبادتهم للعجل:

في هذه الآيات يقصّ القرآن الكريم إحدى الحوادث المؤسفة، وفي نفس الوقت العجيبة التي وقعت في بني إسرائيل بعد ذهاب موسى (عليه السلام) إلى ميقات ربّه، وهي قصّة عبادتهم للعجل التي تمّت على يد شخص يدعى «السامري» مستعيناً بحلي بني إسرائيل وما كان عندهم من آلات الزّينة. إنّ هذه القصّة مهمّة جدّاً بحيث إنّ الله تعالى أشار إليها في أربع سور، في سورة البقرة الآية (51) و (54) و (92) و (93)، وفي سورة النساء الآية (153)، والأعراف الآيات المبحوثة هنا، وفي سورة طه الآية (88) فما بعد. على أنَّ هذه الحادثة مثل بقية الظواهر الاجتماعية لم تكن لتحدث من دون مقدمة وأرضيَّة، فبنو إسرائيل من جهة قضوا سنين مديدة في مصر وشاهدوا كيف يعبد المصريون الأبقار أو العجول. ومن جانب آخر عندما عبروا النيل شاهدوا في الضفة الأُخرى مشهداً من الوثنية، حيث وجدوا قوماً يعبدون البقر، وكما مرّ عليك في الآيات السابقة طلبوا من موسى (عليه السلام) صنماً كتلك الأصنام، ولكن موسى (عليه السلام) وبّخهم وردّهم، ولامهم بشدّة. وثالث، تمديد مدّة ميقات موسى (عليه السلام) من ثلاثين إلى أربعين، الذي تسبب في أن تشيع في بني إسرائيل شائعة وفاة موسى (عليه السلام) بواسطة بعض المنافقين، كما جاء في بعض التفاسير. والأمر الرابع، جهل كثير من بني إسرائيل بمهارة السامريّ في تنفيذ خِطته المشؤومة، كل هذه الأُمور ساعدت على أن تُقبل أكثرية بني إسرائيل في مدّة قصيرة على الوثنية، ويلتفوا حول العجل الذي أوجده لهم السامريّ للعبادة.

وظاهر هذه الآية وإن كان يفيد في بدء النظر أنّ جميع قوم موسى شاركوا في هذا العمل، إلاّ أنّه بالتوجه إلى الآية (159) من هذه السورة، التي تقول: (ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون) يستفاد أنّ المراد من الآية المبحوثة هنا ليس كلّهم، بل أكثرية عظيمة منهم سلكوا هذا السبيل، وذلك بشهادة الآيات القادمة التي تعكس عجز هارون عن مواجهتها وصرفها عن ذلك.