فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ} (148)

{ واتخذ قوم موسى من بعده } أي من بعد خروجه إلى الطور وذهابه إلى المناجاة { من } للتبعيض أو للابتداء أو للبيان { حليّهم } التي استعاروها من قوم فرعون للعيد ليتزينوا به حين هموا بالخروج من مصر ، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو لأنها بقيت عندهم إلى أن هلك فرعون وقومه فصارت ملكا لهم ، والحليّ بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلى وبه قرأ أهل المدينة وأهل البصرة .

وقرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي إلا عاصما بكسر الحاء بالاتباع أي باتباع الحاء للام كدلي وهو ظاهر ، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء قال النحاس : جمع حلي وحليّ وحُلى مثل ثَديّ وثُدى وثدى .

{ عجلا } أي اتخذوا عجلا إلها و { جسدا } بدل من عجلا أو وصف له يعني : اتخذوا من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة عجلا { له خوار } أي صوت البقر/ هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين ، والخوار : الصياح يقال : خار يخور خوارا إذا صاح ، كذلك خار يخار ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا مع أنه اتخذه السامري وحده لكونه واحدا منهم وهم راضون بفعله .

روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعا فيهم : إن معكم حليا من حلى آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم ، وقد أغرق الله أهله من القبط فهاتوه فدفعوه إليه فاتخذ منه العجل المذكور .

قال قتادة : فجعله جسدا لحما ودما له خوار قال عكرمة : صوت ، وقيل كان جسدا لا روح فيه وكان يسمع منه صوت من خفق الريح والأول أولى لأنه كان يخور قال وهب : كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك ، وقال السدي : كان يخور ويمشي وقرأ علي وأبو السماك له جؤار بالجيم والهمزة وهو الصوت الشديد .

{ ألم يروا أنه لا يكلمهم } الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي : ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلها لا يقدر على تكليمهم فضلا عن أن يقدر على جلب نفع لهم أو دفع ضر عنهم { ولا يهديهم سبيلا } أي طريقا واضحة يسلكونها وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد { اتخذوه } إلها ، وأعيد تأكيدا { وكانوا ظالمين } لأنفسهم في اتخاذه إلها أو في كل شيء ومن جملة ذلك الاتخاذ .