روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} (12)

{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى * الملائكة } متعلق بمضمر مستأنف أي اذكر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد حسبما ينطق به الكاف ، وقيل : منصوب ب { يثبت } [ الأنفال : 11 ] ويتعين حينئذٍ عود الضمير المجرور في به إلى الربط ليكون المعنى ونثبت الأقدام بتقوية قلوبكم وقت الإيحاء إلى الملائكة والأمر بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال ، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم زمانه على زمان ذلك ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لأن التثبيت بالمطر باق إلى زمانه أو يعتبر الزمان متسعاً قد وقع جميع المذكور فيه وفائدة التقييد التذكير بنعمة أخرى والإيماء إلى اقتران تثبيت الأقدام بتثبيت القلوب المأمور به الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، أو الرمز إلى أن التقوية وقعت على أتم وجه ، وقيل : هو بدل ثالث من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] ويبعده تخصيص الخطاب بسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام . واختار بعض المحققين الأول مدعياً أن في الثاني تقييد التثبيت بوقت مبهم وليس فيه مزيد فائدة . وفي الثالث إباء التخصيص عنه مع أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته ولا يستطيعه غيره عليه الصلاة والسلام لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المذكور ، ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكر لا يقتضي تعين الأول نعم يقتضي أولويته .

والمراد بالملائكة الملائكة الذين وقع بهم الإمداد ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة ، والمعنى إذ أوحى { إِنّى مَعَكُمْ } أي معينكم على تثبيت المؤمنين ، ولا يمكن حمله على إزالة الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } [ التوبة : 40 ] لأن الملائكة لا يخافون من الكفرة أصلاً ، وما تشعر به كلمة مع من متبوعية الملائكة لا يضر في مثل هذه المقامات ، وهو نظير { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ البقرة : 153 ] ونحوه ، والمنسبك مفعول يوحي ، وقرىء إني بالكسر على تقدير القول أي قائلاً إني معكم ، أو إجراء الوحي مجراه لكونه متضمناً معناه ، والفاء في قوله سبحانه : { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات في موطن الحرب والحد في مقاساة شدائد القتال قالا أو حالا ، وكان ذلك هنا في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم ، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول : أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم ، وجاء في رواية كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول : إني سمعت المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفين ويقول : أبشروا فإن الله تعالى ناصركم .

وقال الزجاج : كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم ، وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له الهام كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة ؛ وقيل : كان ذلك بمجرد تكثير السواد .

وعن الحسن أنه كان بمحاربه أعدائهم وذهب إلى ذلك جماعة وجعلوا قوله تعالى : { سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } تفسيراً لقوله تعالى : { إِنّى مَعَكُمْ } كأنه قيل : أني معكم في إعانتهم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم ، والرعب بضم فسكون وقد يقال بضمتين وبه قرأ ابن عامر والكسائي الخوف وانزعاج النفس بتوقع المكروه ، وأصله التقطيع من قولهم : رعبت السنام ترعيباً إذا قطعته مستطيلاً كأن الخوف يقطع الفؤاد أو يقطع السرور بضده ، وجاء رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات ، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى : { فاضربوا } الخ تفسيراً لقوله تبارك وتعالى : { فَثَبّتُواْ } مبين لكيفية التثبيت . وقد أخرج عبد بن حميد . وابن مردويه عن أبي داود المازني قال : بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلاً يقول : أقدم حيزوم فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .

وجوز بعضهم أن يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في الجملة ، وقوله سبحانه وتعالى : { سَأُلْقِى } الخ جملة استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على التثبيت ، وقوله سبحانه وتعالى : { فاضربوا } الخ جملة مستعقبة للتثبيت بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ ، وكأن المعنى أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا . وجىء بالفاء للنكتة المذكورة ، ووسط { سألقي } تصديقاً للتثبيت وتمهيداً للأمر بعده ، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلاً لمن قال : إن الملائكة قاتلت يوم بدر ، وقال آخرون : التثبت بغير المقاتلة ، وقوله عز وجل : { ءامَنُواْ سَأُلْقِى } تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو استئناف بياني ، والخطاب في { فاضربوا } للمؤمنين صادراً من الملائكة حكاه الله تعالى لنا ، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلاً تحت القول ، كأنه قيل : قولوا لهم قولي { سَأُلْقِى } الخ ، أو كأنه قيل : كيف نثبتهم ؟ فقيل : قولوا لهم قولي { سَأُلْقِى } الخ ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال معنى ولفظاً . وأما القول بأن { فاضربوا } الخ خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال ، وأنى ذلك ؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة ، وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة { فَوْقَ الاعناق } أي الرؤوس كما روي عن عطاء .

وعكرمة ، وكونها فوق الأعناق ظاهر . وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و { فَوْقَ } باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف ؛ وقيل : إنها مفعول به وهي بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس ، وقيل : هي هنا بمعنى على والمفعول محذوف أي فاضربوهم على الأعناق ، وقيل : زائدة أي فاضربوا الأعناق { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } .

قال ابن الأنباري : البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد .

وقال الراغب : هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يبن أي يقيم من أبن بالمكان وبن إذا أقام ، ولذلك خص في قوله سبحانه وتعالى : { بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } [ القيامة : 4 ] وما نحن فيه لأجل أنهم بها يقاتلون ويدافعون ، والظاهر أنها حقيقة في ذلك ، وبعضهم يقول : إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم الجزء .

وقيل : المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل . والمراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في «الكشاف » . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لجسد كله في لغة هذيل ، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره و { مِنْهُمْ } متعلق به أو بمحذوف وقع حالاً من { كُلَّ بَنَانٍ } وضعف كونه حالاً من بنان بأن فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ } أي يمد الملكوت بالجبروت { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } لانقطاع المدد عنهم واستيلاء قتام الوهم عليهم { فاضربوا فَوْقَ } لئلا يرفعوا رأساً { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال : 12 ] لئلا يقدروا على المدافعة ، وبعضهم جعل الإشارة في الآيات نفسية والخطاب فيها حسبما يليق له الخطاب من المرشد والسالك مثلاً ، ولكل مقام مقال ، وفي تأويل النيسابوري نبذة من ذلك فارجع إليه إن أردته وما ذكرناه يكفي لغرضنا وهو عدم إخلاء كتابنا من كلمات القوم ولا نتقيد بآفاقية أو أنفسية والله تعالى الموفق للرشاد .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} (12)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"إذْ يُوحي رَبّكَ إلى الَملائِكَةِ أنّي مَعَكُمْ" أنصركم، "فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا "يقول: قوّوا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوّهم من المشركين. وقد قيل: إن تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم حربهم معهم، وقيل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم...

وأما ابن إسحاق، فإنه قال...: "فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا" أي فآزروا الذين آمنوا.

"سأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ" يقول تعالى ذكره: سأرعب قلوب الذين كفروا بي أيها المؤمنون منكم، وأملأها فَرَقا حتى ينهزموا عنكم، فاضربوا فوق الأعناق

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "فَوْقَ الأعْناقِ"؛

فقال بعضهم: معناه: فاضربوا الأعناق...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاضربوا الرؤوس...واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الذي فوق الأعناق: الرءوس، وقالوا: وغير جائز أن تقول: فوق الأعناق، فيكون معناه: الأعناق. قالوا: ولو جاز كان أن يقال تحت الأعناق، فيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلاف المعقول من الخطاب، وقلب معاني الكلام.

وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق. وقالوا: «على» و «فوق» معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل، وقوله: "فَوْقَ الأعْناقِ" محتمل أن يكون مرادا به الرؤوس، ومحتمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فيكون معناه: على الأعناق وإذا احتمل ذلك صحّ قول من قال: معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر محتملاً ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجهه إلى بعض معانيه دون بعض إلاّ بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدلّ على خصوصه، فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا.

وأما قوله: "وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ" فإن معناه: واضربوا أيها المؤمنون من عدوّكم كلّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. والبنان: جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ثم قال: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) الوحي كان يسمى وحيا لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها...

وقوله تعالى: (إني معكم) قيل: (أني معكم) في النصر والمعونة ودفع العدو عنكم. أو يقول (إني معكم) في التوفيق. ويحتمل أن يكون قوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة) أي أخبروا [في الأصل: أخبر] المؤمنين (أني معكم) لما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع. وقوله تعالى (فتبتوا الذين آمنوا) أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر والأمن بعد ما كانوا خائفين...؛ لما أجابوا ربهم مع ضعف أبدانهم وقلة عددهم أبدلهم الله مكان الخوف لهم أمنا، ومكان الضعف القوة والنصر، ومكان الذل العز، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفا ومكان العز الذل ومكان الكثرة الضعف والفشل. فذلك، والله أعلم معنى قوله (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب).

وقوله (فتبتوا الذين آمنوا). وجائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم؛ لأنهم سبب تثبيتهم، أو يثبتهم من غير أن علم المؤمنون بهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{إِذْ يُوحِى...}... المعنى: أني معينكم على التثبيت فثبتوهم. وقوله: {سَأُلْقِى...

فاضربوا} يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: {أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ} ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدّون بالملائكة...

{فَوْقَ الاعناق} أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزا وتطييرا للرؤوس...

والبنان: الأصابع، يريد الأطراف. والمعنى: فاضربوا المقاتل والشوي، لأن الضرب إما واقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً. ويجوز أن يكون قوله {سَأُلْقِى} إلى قوله: {كُلَّ بَنَانٍ} عقيب قوله: {فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ} تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به، كأنه قال: قولوا لهم قولي: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} أو كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قولي: {سَأُلْقِى} فالضاربون على هذا هم المؤمنون.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق}... أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: {فثبتوا}. وقيل: بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح...

واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم، وفي قوله: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}... المراد إما القتل، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبّتوا الذين آمنوا} الظرف هنا غير بدل من إذ، في الآيات التي قبله ولا متعلق بما تعلقت به بل هو متعلق بيثبت والمعنى أنه يثبت الأقدام بالمطر في وقت الكفاح الذي يوحي فيه ربك إلى الملائكة آمرا لهم أن يثبتوا به الأنفس بملابستهم لها واتصالهم بها وإلهامها تذكر وعد الله لرسوله وكونه لا يخلف الميعاد، والمعية في قوله: (إني معكم) معية الإعانة كقوله: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153].

{سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الرعب بوزن فعل: اسم مصدر من رعبه (وتضم عينه) وبه قرأ ابن عامر والكسائي ومعناه: الخوف الذي يملأ القلب، ولما فيه من معنى الملء يقال: رعبت الحوض أو الإناء أي ملأته، ورعب السيل الوادي. وقيل أصل معناه القطع إذ يقال رعبت السنام ورعبته ترعيبا إذا قطعته طولا، وفسره الراغب بما يجمع بين المعنيين فقال: الرعب الانقطاع من امتلاء الخوف اه. ويقال رعبته (من باب فتح) وأرعبته، وأبلغ منه تعبير التنزيل بإلقاء الرعب وبقذف الرعب في القلب لما فيه من الإشعار بأنه يصب في القلوب دفعة واحدة.

{فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} أي فاضربوا الهام وافلقوا الرؤوس – أو اضربوا على الأعناق- واقطعوا الأيدي ذات البنان التي هي أداة التصرف في الضرب وغيره وهو متعين في حال هجوم الفارس من الكفار على الراجل من المسلمين فإذا يسبق هذا إلى قطع يده قطع ذاك رأسه. والبنان جمع بنانة وهو أطراف الأصابع...

مقتضى السياق أن وحي الله للملائكة قد تم بأمره إياهم بتثبيت المؤمنين كما يدل عليه الحصر في قوله عن إمداد الملائكة {وما جعله الله إلا بشرى} الخ وقوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الخ بدء كلام خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تتمة للبشرى فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات وقيل إن هذا مما أوحي إلى الملائكة، وتأوله هؤلاء بأنه تعالى أمرهم بأن يلقوا هذا المعنى في قلوب المؤمنين بالإلهام كما كان الشيطان يخوفهم ويلقي في قلوبهم ضده بالوسواس. ولا يرد على الأول ما قيل من أنه لا يصح إلا إذا كان الخطاب قد وجه إلى المؤمنين قبل القتال والسورة قد نزلت بعده- لأن نزول السورة بنظمها وترتيبها بعده لا ينافي حصول معانيها قبله وفي أثنائه، فإن البشارة بالإمداد بالملائكة وما وليه قد حصل قبل القتال وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم ذكرهم الله تعالى به بإنزال السورة برمتها تذكيرا بمننه، ولولا هذا لم تكن للبشارة تلك الفائدة، والخطاب في السياق كله موجه إلى المؤمنين وإنما ذكر فيها وحيه تعالى للملائكة بما ذكر عرضا. وقد غفل عن هذا المعنى الألوسي تبعا لغيره وادعى أن الآية ظاهرة في قتال الملائكة، وقد وردت روايات ضعيفة تدل على قتال الملائكة لم يعبأ الإمام ابن جرير بشيء منها ولم يجعلها حقيقة أن تذكروا ولو لترجيح غيرها عليها.

وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وبعض الروايات الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر وما كان له من الفوائد لم يكن كافيا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين حتى كان ألف- وقيل آلاف- من الملائكة يقاتلونهم معهم فيفلقون منهم الهام، ويقطعون من أيديهم كل بنان، فأي مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف؟ وبماذا استحقوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه (وما يدريك لعل الله عز وجل أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؟ رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا- فهل تعارض هذه البينات النقلية والعقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل. ولم يذكر ابن كثير منها إلا قول الربيع بن أنس:"كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوا بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به" ومن أين جاء الربيع بهذه الدعوى؟ ومن ذا الذي رؤي من القتلى بهذه الصفة؟ وكم عدد من قتل الملائكة من السبعين وعدد من قتل أهل بدر غير من سموا وقالوا قتلهم فلان وفلان؟ كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق حتى أنها خالفت نص القرآن نفسه، فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} وهذه الروايات تقول بل جعلها مقاتلة وأن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصرة المتعددة!

إلا أن في هذا من شأن تعظيم المشركين ورفع شأنهم وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الألوسي وغيره بغير سند وابن عباس لم يحضر عزوة بدر لأنه كان صغيرا فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة وقد روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

...

إن حركة العصبة المسلمة في الأرض بهذا الدين أمر هائل عظيم.. أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة! إننا نؤمن بوجود خلق من خلق الله اسمهم الملائكة؛ ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم. فلا نملك من إدراك الكيفية التي اشتركوا بها في نصر المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآني.. وقد أوحى إليهم ربهم: أني معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا، ففعلوا -لأنهم يفعلون ما يؤمرون- ولكننا لا ندري كيف فعلوا. وأمرهم أن يضربوا فوق أعناق المشركين وأن يضربوا منهم كل بنان. ففعلوا كذلك بكيفية لا نعلمها، فهذا فرع عن طبيعة إدراكنا نحن لطبيعة الملائكة، ونحن لا نعلم عنها إلا ما علمنا الله.. ولقد وعد الله سبحانه أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا. فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان. فالله هو الذي خلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو يحول بين المرء وقلبه؛ وهو أقرب إليه من حبل الوريد.. إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة.. ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين، وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول.. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة، لهي أنفع وأجدى...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وتثبيت المؤمنين: إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاماً وتثبيتاً، لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع، وإزالة للاضطراب الشيطاني، وإنما يكون خيراً إذا كان جارياً على ما يحبه الله تعالى بحيث لا يكون خاطراً كاذباً، وإلاّ صار غروراً، فتشجيع الخائف حيث يريد الله منه الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوقى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة، لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل. ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله إلى نفسه وحده بقوله: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعْب} لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب، لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة. وأسند إلقاء الرعْب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقةٌ الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه، وكل ما يقع في العالم هو من تقدير الله على حسب إرادته، وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره الله على كيفية خارقة للعادة، فإن خوارق العادات قد تصدر من القُوى الشيطانية بإذن الله وهو ما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج، ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة، لأن إلقاء الرعب في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين، فهو مبارك أيضاً، وإنما كان إلقاء الرعْب في قلوب المشركين خارقَ عادة، لأن أسباب ضده قائمة، وهي وفرة عددهم وعُددهم وإقدامُهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير...