{ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } نزلت في اليهود حيث قالوا عزيز ابن الله وفي نصارى نجران حين قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله فالضمير لما سبق ذكره من النصارى واليهود والمشركين الذين لا يعلمون ، وعطفه على { قَالَتْ اليهود } [ البقرة : 3 11 ] وقال أبو البقاء على { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة } [ البقرة : 111 ] : وجوز أن يكون عطفاً على { مَنَعَ } [ البقرة : 411 ] أو على مفهوم من أظلم دون لفظه للاختلاف إنشائية وخبرية ، والتقدير ظلموا ظلماً شديداً بالمنع ، وقالوا : وإن جعل من عطف القصة على القصة لم يحتج إلى تأويل ، والاستئناف حينئذٍ بياني كأنه قيل بعدما عدد من قبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله تعالى أم امتد ؟ فقيل : بل امتد فإنهم قالوا ما هو أشنع وأفظع ، والاتخاذ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد ، وإما بمعنى التصيير ، والمفعول الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولداً ، وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما ( قالوا ) بغير واو على الاستئناف أو ملحوظاً فيه معنى العطف ، واكتفى بالضمير ، والربط به عن الواو كما في «البحر » { سبحانه } تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا : بأبلغ صيغة ومتعلق سبحان محذوف كما ترى لدلالة الكلام عليه . { بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض } إبطال لما زعموه وإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من التشبيه بالمحدثات في التناسل والتوالد ، والحاجة إلى الولد في القيام بما يحتاج الوالد إليه ، وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب اللازم للحاجة ، وكل محقق قريب سريع ، ولأن الحكمة في التوالد هو أن يبقى النوع محفوظاً بتوارد الأمثال فيما لا سبيل إلى بقاء الشخص بعينه مدة بقاء الدهر ، وكل ذلك يمتنع على الله تعالى فإنه الأبدي الدائم والغنى المطلق المنزع عن مشابهة المخلوقات ، واللام في { لَهُ } قيل للملك ، وقيل : إنها كالتي في قولك لزيد ضرب تفيد نسبة الأثر إلى المؤثر ، وقيل : للاختصاص بأي وجه كان ، وهو الأظهر ، والمعنى ليس الأمر كما افتروا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها ما زعموه ولداً ، والخالق لكل موجود لا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزهاً عن الاحتياج إلى التوالد
{ كُلٌّ لَّهُ قانتون } أي كل ما فيهما كائناً ما كان جميعاً منقادون له لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه إيجاداً وإعداماً وتغيراً من حال إلى حال ، وهذا يستلزم الحدوث والإمكان المنافي للوجوب الذاتي فكل من كان متصفاً بهذه الصفة لا يكون والداً لأن من حق الولد أن يشارك والده في الجنس لكونه بعضاً منه ، وإن لم يماثله ، وكان الظاهر كلمة من مع { قانتون } كيلا يلزم اعتبار التغليب فيه ، ويكون موافقاً لسوق الكلام فإن الكلام في العزير والمسيح والملائكة وهم عقلاء إلا أنه جاء بكلمة ( ما ) المختصة بغير أولي العلم كما قاله بعضهم محتجاً بقصة الزبعرى مخالفاً لما عليه الرضي من أنها في الغالب لما لا يعلم ، ولما عليه الأكثرون من عمومها كما في «التلويح » ، واعتبر التغليب في { قانتون } إشارة إلى أن هؤلاء الذين جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى في جنب عظمته جمادات مستوية الأقدام معها في عدم الصلاحية لاتخاذ الولد ، وقيل : أتى بما في الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهية ، والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات ، وبجمع العقلاء في الثاني لأنه إشارة إلى مقام العبودية ، والجمادات فيه بمنزلة العقلاء .
ويحتمل أن يقدر المضاف إليه كل ما جعلوه ولداً لدلالة المقول لا عاماً لدلالة مبطله ، ويراد بالقنوت الانقياد لأمر التكليف كما أنه على العموم الانقياد لأمر التكوين ، وحينئذ لا تغلب في { قانتون } وتكون الجملة إلزاماً بأن ما زعموه ولداً مطيع لله تعالى مقر بعبوديته بعد إقامة الحجة عليهم بما سبق ، وترك العطف للتنبيه على استقلال كل منهما في الدلالة على الفساد واختلافهما في كون أحدهما حجة والآخر إلزاماً ، وعلى الأول يكون الأخير مقرراً لما قبله ، وذكر الجصاص أن في هذه الآية دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفى الولد بإثبات الملك باعتبار أن اللام له فمتى ملك ولده عتق عليه ، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده ؛ ولا يخفى أن هذا بعيد عما قصد بالآية لا سيما إذا كان الأظهر الاختصاص كما علمت .
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
{ وَقَالُوا } أي : اليهود والنصارى والمشركون ، وكل من قال ذلك : { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله ، وأساءوا كل الإساءة ، وظلموا أنفسهم .
وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم ، قد حلم عليهم ، وعافاهم ، ورزقهم مع تنقصهم إياه .
{ سُبْحَانَهُ } أي : تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله ، فسبحان من له الكمال المطلق ، من جميع الوجوه ، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه .
ومع رده لقولهم ، أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال : { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : جميعهم ملكه وعبيده ، يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك ، وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره ، فإذا كانوا كلهم عبيده ، مفتقرين إليه ، وهو غني عنهم ، فكيف يكون منهم أحد ، يكون له ولدا ، والولد لا بد أن يكون من جنس والده ، لأنه جزء منه .
والله تعالى المالك القاهر ، وأنتم المملوكون المقهورون ، وهو الغني وأنتم الفقراء ، فكيف مع هذا ، يكون له ولد ؟ هذا من أبطل الباطل وأسمجه .
والقنوت نوعان : قنوت عام : وهو قنوت الخلق كلهم ، تحت تدبير الخالق ، وخاص : وهو قنوت العبادة .
فالنوع الأول كما في هذه الآية ، والنوع الثاني : كما في قوله تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }
قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولداً } . وقرأ ابن عامر قالوا بلا واو ، وقرأ الآخرون ( وقالوا اتخذ الله ولداً ) نزلت في يهود المدينة حيث قالوا : ( عزير ابن الله ) وفي نصارى نجران حيث قالوا : المسيح ابن الله ، وفي مشركي العرب حيث قالوا : الملائكة بنات الله .
قوله تعالى : { سبحانه } . نزه وعظم نفسه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب عن عبد الرحمن بن أبي حسن عن نافع بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي ، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد ، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً " .
قوله تعالى : { بل له ما في السماوات والأرض } . عبيداً وملكاً .
قوله تعالى : { كل له قانتون } . قال مجاهد وعطاء والسدي : مطيعون وقال عكرمة ومقاتل : مقرون له بالعبودية ، وقال ابن كيسان : قائمون بالشهادة ، وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة طول القنوت " ، واختلفوا في حكم الآية ، فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص ، وقال مقاتل : هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس ، وذهب جماعة : إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن لفظ " كل " تقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذ منه شيء ، ثم سلكوا في الكفار طريقين : فقال مجاهد : يسجد ظلالهم لله على كره منهم قال الله تعالى : { وظلالهم بالغدو والآصال } وقال السدي : هذا يوم القيامة دليله { وعنت الوجوه للحي القيوم } وقيل : قانتون مذللون مسخرون لما خلقوا له .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.