{ واستفزز } أي واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأوقعه فيما أراده منه ، وأصل معنى الفز القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع ويقال للخفيف فز ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية كما في قول زهير :
كما استغاث بشيء فز غيطلة . . . خاف العيون فلم تنظر به الحشك
والواو على ما في البحر للعطف على { اذهب } [ الإسراء : 63 ] . والمراد من الأمر التهديد وكذا من الأوامر الآتية ، ويمنع من إرادة الحقيقة أن الله تعالى لا يأمر بالفحساء { مَنِ استطعت } أي الذي استطعت أن تستفزه { مِنْهُمْ } فمن موصول مفعول { *استفزز } ومفعول { فَإِن استطعت } محذوف هو ما أشرنا إليه . واختار أبو البقاء كون من استفهامية في موضع نصب باستطعت وهو خلاف الظاهر جداً ولا داعي إلى ارتكابه { بِصَوْتِكَ } أي بدعائك إلى معصية الله تعالى ووسوستك ، وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيراً له حتى كأنه لا معنى له كصوت الحمار .
وأخرج ابن المنذر . وابن جرير وغيرهما عن مجاهد تفسيره بالغناء والمزامير واللهو والباطل ، وذكر الغزنوي أنه آدم عليه السلام أسكن ولد هابيل أعلى جبل وولد قابيل أسفله وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان فلم يتمالكوا أن انحدروا واقترنوا { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } أي صح عليهم من جلبة وهي الصياح قاله الفراء وأبو عبيدة ، وذكر أن جلب وأجلب بمعنى . وقال الزجاج : أجلب على العدو جمع عليه الخيل .
وقال ابن السكيت : جلب عليه أعان عليه ، وقال ابن الأعرابي : أجلب على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع ، وفسر بعضهم { *أجلب } هنا باجمع فالباء في قوله تعالى : { عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } مزيدة كما في لا يقرأن بالسور . وقرأ الحسن { وَأَجْلِبْ } بوصل الألف وضم اللام من جلب ثلاثيا ، والخيل يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ، وقيل إن واحده خائل لاختياله في مشيه وعلى الفرسان مجازاً وهو المراد هنا ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه رضي الله عنهم «يا خيل الله اركبي » والرجل بكسر الجيم فعل بمعنى فاعل فهو صفة كحذر بمعنى حاذر يقال : فلان يمشي رجلاً أي غير راكب .
وقال صاحب اللوامح : هو بمعنى الرجل يعني أنه مفرد أريد به الجمع لأنه المناسب للمقام وما عطف عليه ، وبهذا قرأ حفص . وأبو عمر في رواية . والحسن ، وظاهر الآية يقتضي أن للعين خيلا ورجلاً وبه قال جمع فقيل هم من الجن ، وقيل منهم ومن الأنس وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومجاهد . وقتادة قالوا : إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وما كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس ، وقال آخرون : ليس للشيطان خيل ولا رجالة وإنما هما كناية عن الأعوان والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكباً وبعضهم ماشياً .
وجوز بعضهم أن يكون استفزازه بصوته واجلابه بخيله ورجله تمثيلاً لتسلطه على من يغويه فكأنه مغواراً وقع على قوم فصوت بهم صوتاً يزعجهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، ومراده أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية ولا يضر فيها اعتبار مجاز أو كناية في المفردات فلا تغفل .
وقرأ الجمهور { *رجلك } بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع راجل كركب وراكب لا جمع لغلبة هذا الوزن في المفردات ، وقرىء { إِلاَّ رَجُلٌ } بفتح الراء وضم الجيم وهو مفرد كما في قراءة حفص وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على فعل وفعل كسرا وضما كحدث وندس وغيرهما .
وقرأ عكرمة . وقتادة { *رجالك } كنبالك ، وقرىء { *رجالك } ككفارك وكلاهما جمع رجلان وراجل كما في الكشف ، وفي بعض نسخ الكشاف أنه قرىء { *رجالك } بفتح الراء وتشديد الجيم على أن أصله رجالة فحذف تاؤه تخفيفاً وهي نسخة ضعيفة { وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الاموال } بحملهم على كسبها مما لا ينبغي وصرفها فيما لا ينبغي .
وقيل بحملهم على صرفها في الزنا ، وعن الضحاك بحملهم على الذبح للآلهة ، وعن قتادة بحملهم على تسييب السوائب وبحر البحائر والتعميم أولى { والاولاد } بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة وارتكاب ما لا يرضي الله تعالى فيهم .
وأخرج ابن جرير . وابن وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المشاركة في الأولاد حملهم على تسميتهم بعبد الحرث . وعبد شمس ، وفي رواية حملهم على أن يرغبوهم في الأديان الباطلة ويصبغوهم بغير صبغة الإسلام .
وفي أخرى حملهم على تحصيلهم بالزنا ، وأخرى تزيين قتلهم إياهم خشية الإملاق أو العار ، وقيل حملهم على أن يرغبوهم في القتال وحفظ الشعر المشتمل على الفحش والحرف الخسيسة الخبيثة ، وعن مجاهد أن الرجل إذا لم يسم عند الجماع فالجان ينطوي على احليله فيجامع معه وذلك هي المشاركة في الأولاد ، والأولى ما ذكرنا .
{ وَعَدهُمْ } المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة ونفع الأنساب الشريفة من لم يطع الله تعالى أصلاً وعدم خلود أحد في النار لمنافاة في ذلك عظم الرحمة وطول أمل البقاء في الدنيا ومن الوعد الكاذب وعده إياهم أنهم إذا ماتوا لا يبعثون وغير ذلك مما لا يحصى كثرة ، ثم هذا من قبيل المشاركة في النفس كما في البحر .
{ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } اعترض بين ما خوطب به الشيطان لبيان حال مواعيده والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض مع ما فيه من صرف الكلام عن خطابه وبيان حاله للناس ومن الأشعار بعلية شيطنته للغرور وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب ؛ ويقال : غر فلاناً إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد ، وأصل ذلك على ما قال الراغب من الغر وهو الأثر الظاهر من الشيء ، ونصبه على أنه وصف مصدر محذوف أي وعدا غروراً على الأوجه التي في رجل عدل .
وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي وما يعدهم ويمينهم ما لا يتم ولا يقع إلا لأن يغرهم والأول أظهر .
وذكر الإمام في سبب كون وعد الشيطان غروراً لا غير أنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور . قضاء الشهوة . وإمضاء الغضب . وطلب الرياسة والرفعة ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وتلك الأشياء الثلاثة ليست لذائذ في الحقيقة بل دفع آلام وإن سلم أنها لذائذ لكنها خسيسة يشترك فيه الناقص والكامل بل الإنسان والكلب ومع ذلك هي وشيكة الزوال ولا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة ويتبعها الموت والهرم واشتغال الباب بالخوف من زوالها والحرص على بقائها ، ولذات البطن والفرج منها لا تتم إلا بمزاولة رطوبات متعفنة مستقذرة فتزيين ذلك لا يكاد يكون إلا بما هو أكذب من دعوى اجتماع النقيضين وهو الغرور .
ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال : { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية .
{ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله فهو من خيل الشيطان ورجله .
والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله .
{ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة ، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر وأخذ الأموال بغير حقها أو وضعها بغير حقها أو استعمال المكاسب الردية .
بل ذكر كثير من المفسرين أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع ، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد فيه الحديث .
{ وَعِدْهُمْ } الوعود{[475]} المزخرفة التي لا حقيقة لها ولهذا قال : { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } أي : باطلا مضمحلا كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة ويعدهم عليها الأجر لأنهم يظنون أنهم على الحق ، وقال تعالى : { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال سبحانه: {واستفزز}، يقول: واستزل
{من استطعت منهم بصوتك}، يعني: بدعائك،
{وأجلب}، يعني: واستعن {عليهم بخيلك}، يعني: كل راكب يسير في معصيته،
{ورجلك}، يعني: كل راجل يمشي في معصية الله عز وجل من الجن والإنس من يطيعك منهم،
{وشاركهم في الأموال}، يقول: زين لهم في الأموال، يعني: كل مال حرام، وما حرموا من الحرث والأنعام،
عن ابن عباس، قال: إن الزنا، والغضب، والأولاد، يعني: كل ولد من حرام، فهذا كله من طاعة إبليس وشركته...
{وعدهم}، يعني: ومنيهم الغرور ألا بعث،
{وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}، يعني: باطلا، الذي ليس بشيء...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره بقوله "وَاسْتَفزِزْ": واستخفف واستجهل...
"مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوتِكَ". اختلف أهل التأويل في الصوت الذي عناه جلّ ثناؤه بقوله "وَاسْتَفْزِز مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوتِك"؛
فقال بعضهم: عنى به: صوت الغناء واللعب... وقال آخرون: عنى به "واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ" بدعائك إياه إلى طاعتك ومعصية الله... عن ابن عباس... قال: صوته كلّ داع دعا إلى معصية الله...
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ".
وقوله: "وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلكَ" يقول: وأجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يجلب عليها بالدعاء إلى طاعتك، والصرف عن طاعتي. يقال منه: أجلب فلان على فلان إجلابا: إذا صاح عليه. والجَلَبة: الصوت... وأما قوله: "وَشارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ والأوْلادِ"، فإن أهل التأويل اختلفوا في المشاركة التي عنيت بقوله: "وَشارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ والأوْلادِ"؛
فقال بعضهم: هو أمره إياهم بإنفاق أموالهم في غير طاعة الله واكتسابهموها من غير حلها...
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك كلّ ما كان من تحريم المشركين ما كانوا يحرّمون من الأنعام كالبحائر والسوائب ونحو ذلك...
وقال آخرون: بل عُنِي به ما كان المشركون يذبحونه لآلهتهم...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك كلّ مال عصي الله فيه بإنفاق في حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسييب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مما كان معصيا به أو فيه، وذلك أن الله قال "وَشارِكْهُمْ في الأمْوَالِ" فكلّ ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصى الله فيه، فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس، فلا وجه لخصوص بعض ذلك دون بعض.
وقوله: "والأوْلادِ"؛ اختلف أهل التأويل في صفة شركته بني آدم في أولادهم؛ فقال بعضهم: شركته إياهم فيهم بِزناهم بأمهاتهم... عن ابن عباس... قال: أولاد الزنا...
وقال آخرون: عُني بذلك: وأْدُهم أولادَهم وقتلهموهم... وقال آخرون: بل عني بذلك: صبغهم إياهم في الكفر... عن الحسن... قال: قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجسوا وهوّدوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءا للشيطان...
وقال آخرون: بل عني بذلك تسميتهم أولادهم عبد الحرث وعبد شمس...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: كلّ ولد ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بها بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك المولود له أو منه، لأن الله لم يخصص بقوله "وَشارِكْهُم في الأمْوَالِ والأولادِ" معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكلّ ما عصى الله فيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فيه، فهو مشاركة من عصى الله فيه أو به إبليس فيه.
وقوله: "وَعِدْهُم وَما يَعِدُهُمُ الشّيْطانُ إلاّ غُرُورا" يقول تعالى ذكره لإبليس: وعد أتباعك من ذرّية آدم، النصرة على من أرادهم بسوء. يقول الله: "وَما يَعِدُهُمْ الشّيْطانُ إلاّ غُرُورا" لأنه لا يغني عنهم من عقاب الله إذا نزل بهم شيئا، فهم من عداته في باطل وخديعة، كما قال لهم عدوّ الله حين حصحص الحقّ: "إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعَدَ الحَقّ وَوَعَدتُكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ وَما كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلاّ أنْ دَعَوْتُكْمْ فاسْتَجَبَتُمْ لي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيّ إنّي كَفَرْتُ بِمَا أشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ".
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{واستفزز من استطعت منهم بصوتك} هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على التمكن من ذلك والإقدار على ما ذكر؛ أي مكن له ذلك، وأقدر عليه لخذلانه إياه لما عصى ربه، وترك أمره بالسجود جورا منه حين قال: {وإن عليك اللعنة إلى يوم اليدين} (الحجر: 35) مكن له ذلك ليتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك له على التوعد والتهدد. ألا ترى أنه ذكر له هذا على أمر وعيد، وهو قوله: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا}؟ فيخرج قوله: {واستفزز} على إثر ذلك مخرج الوعيد له لمن تبعه، وأجابه، كقوله: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعلمون بصير} (فصلت: 40) لهذا، وإن كان ظاهره أمرا فهو وعيد. فعلى قوله: {واستفزز من استطعت منهم} فإن ذلك ولمن اتبعك كذا. أو لما ذكرنا من التمكين له من ذلك و الإقدار على ذلك ليُتِمَ له الخذلان واللعن الذي لعنه...
{وعدهم} قال عامة أهل التأويل: أي وعدهم أن لا جنة ولا نار، ولا بعث، أي يعدهم بخلاف ما وعدهم الله، وخوفهم على ضد ما خوفهم الله... وهو ما قال: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} (إبراهيم: 22) أخبر أن ما وعد هو، قد أخلف. فذلك تأويل قوله: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي كذبا وباطلا لأنه يخرج كله على خلاف ما وعد.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصًوْتِكَ}: أي افعل ما أمكنكَ، فلا تأثيرَ لفعلك في أحد، فإنَّ المنشئَ والمُبْدِعَ هو الله.. وهذا غاية التهديد...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم. وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر...
وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف. ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك...
{وَعِدْهُمْ} المواعيد الكاذبة. من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة... وإيثار العاجل على الآجل...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{واستفزز} معناه استخف واخدع حتى يقع في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده... والصوت... قال ابن عباس: صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك...
{وأجلب} أي هول؛ والجلبة: الصوت الكثير المختلط الهائل... {وشاركهم في الأموال} عام: لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأباً.
{والأولاد} عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي...
الأول: قال الفراء: إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح.
الثاني: قال الزجاج في فعل وأفعل، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول.
الثالث: قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه.
والرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، فقوله: وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله: بخيلك زائدة على هذا القول، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك، ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي... واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: «كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده»، ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله تعالى، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية.
والقول الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل.
والقول الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب، والخيل تقع على الفرسان...
{وشاركهم في الأموال والأولاد} نقول: أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن... وأما المفسرون فقد ذكروا وجوها؛ قال قتادة: المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير الله تعالى كما قال تعالى: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} [الأنعام: 136] والأصوب ما قاله القاضي... وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها؛
وخامسها:... إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه...
{وعدهم}... واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الاعتقاد الحق والعمل الحق، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة... إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار، ولا حياة بعد هذه الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي... وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين:
الأول: أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب.
والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار...
واعلم أن الله تعالى لما قال: {وعدهم} أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}... ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدرعليه. وهذا أمر قدري...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفاً بالمكلفين، عطف على "اذهب "قوله ممثلاً حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم، ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم: {واستفزز} أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن الصواب -قاله الرماني {من استطعت منهم} وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه بالوساس {وأجلب} أي اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من الصياح {عليهم بخيلك} أي ركبان جندك {ورجلك} أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئاً من قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك.
ولما كان الشيطان طالباً شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة لهم على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم بذلك، عبر بصيغة المفاعلة فقال تعالى: {وشاركهم} أي بوثوبك على مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك {في الأموال} أي التي يسعون في تحصيلها {والأولاد} أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم أو لم يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها {وعدهم} من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة- ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتاً لهم وتنبيهاً لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهراً لضميره بما يدل على تحقيره، تقبيحاً لأمره وتنفيراً منه: {وما يعدهم الشيطان} أي المحترق المطرود باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك {إلا غروراً} والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيراً له حتى كأنه لا معنى له...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَعِدْهُمْ} الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها ولهذا قال: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} أي: باطلا مضمحلا كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة ويعدهم عليها الأجر لأنهم يظنون أنهم على الحق...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك). وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة، والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول. فهي المعركة الصاخبة، تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجل على طريقة المعارك والمبارزات. يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة، أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة. فإذا استدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل، وأحاطت بهم الرجال!... وإبليس مأذون في أن يستخدم وسائله كلها، ومنها الوعود المغرية المخادعة: (وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص. والوعد بالغنى من الأسباب الحرام. والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل القذرة والأساليب الخسيسة... ولعل أشد الوعود إغراء الوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة؛ وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة. فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة، ويزين لها الخطيئة وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية وشمول العفو والمغفرة!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ولما كان قائد الجيش ينادي في الجيش عند الأمر بالغارة جاز أن يكون قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} من جملة هذا التمثيل... والمعنى: أجْمِع لمن اتبعك من ذرية آدم وسائلَ الفتنة والوسوسة لإضلالهم. فجعلت وسائل الوسوسة بتزيين المفاسد وتفظيع المصالح كاختلاف أصناف الجيش، فهذا تمثيل حال الشيطان وحال متبعيه من ذرية آدم بحال من يغزو قوماً بجيش عظيم من فرسان ورجالة... وقرأ حفص عن عاصم {ورجلك} بكسر الجيم، وهو لغة في رَجُل مضموم الجيم، وهو الواحد من الرجال. والمراد الجنس. والمعنى: بخيلك ورجالك، أي الفرسان والمشاة... وحذف مفعول {وعدهم} للتعميم في الموعود به. والمقام دال على أن المقصود أن يعدهم بما يرغبون لأن العدة هي التزام إعطاء المرغوب. وسماه وعداً لأنه يوهمهم حصوله فيما يستقبل فلا يزالون ينتظرونه كشأن الكذاب أن يحتزر عن الإخبار بالعاجل لقرب افتضاحه فيجعل مواعيده كلها للمستقبل... وإظهار اسم الشيطان في قوله: {وما يعدهم الشيطان} دون أن يؤتى بضميره المستتر لأن هذا الاعتراض جملة مستقلة فلو كان فيها ضمير عائد إلى ما في جملةٍ أخرى لكان في النثر شبه عيب التضمين في الشعر، ولأن هذه الجملة جارية مجرى المثل فلا يحسن اشتمالها على ضمير ليس من أجزائها...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
أي استخفهم، وحرضهم، وحركهم إلى اتبعاك ليجيئوا إليك تابعين، لصوتك الداعي، وجاهر به في الدعوة إلى المعاصي... وفي الكلام تشبيه، وهو تشبيه حال الشيطان في دعوته الغاوية الضالة والمستعد للشر والإغواء بحال جيش من الأشرار يستفز الأنصار الأتباع، ويكون جلبة من خيالة وراجلين، فهذه الحال تشبه حال جيش فساد مستعد للإغارة على الخير... ومعنى هذه المشاركة في الأموال أنه يشاركهم في إثمها، والعذاب عليها لا أنه يشركهم فيها بالأخذ، إنه لا يريد منهم إلا الإغواء، فهو يغويهم، ويشاركهم في كل مآثم الإغواء...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
{واستفزز من استطعت منهم بصوتك}، ويصدق هذا على الأغاني المثيرة والمزامير المهيجة، التي تضج بها أندية الليل وأوكار الفساد، كما يصدق على الخطب والتصريحات، التي تثير الفتن بين الأفراد والجماعات...
{وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}، ويصدق هذا على الحروب العدوانية، والفتن الداخلية... ويندرج تحت هذه الآية "أولاد الغير "الذين يقع تبنيهم وإدماجهم في سجل "الحالة المدنية"، فتختلط بسبب تبنيهم الباطل الأنساب والأرحام...
{بخيلك ورجلك}: أي: صوت وصح بهم راكباً الخيل لتفزعهم... وقوله: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}: أي: لا يستطيع أن يغر بوعوده إلا صاحب الغرة والغفلة، ومنها الغرور: أي يزين لك الباطل في صورة الحق فيقولون: غره. وأنت لا تستطيع أبداً أن تصور لإنسان الباطل في صورة الحق إلا إذا كان عقله قاصراً غافلاً؛ لأنه لو عقل وانتبه لتبين له الحق من الباطل، إنما تأخذه على غرة من فكره، وعلى غفلة من عقله...
إذن: في الآيتين السابقتين خمسة أوامر لإبليس: اذهب، استفزز، وأجلب، وشاركهم، وعدهم. وهذه الأوامر ليست لتنفيذ مضمونها، بل للتهديد ولإظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة، أو صد الناس عنها، وكأن الحق سبحانه يقول له: افعل ما تريد ودبر ما تشاء، فلن توقف دعوة الله...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وَتقول للإِنسان: عليك بمُراقبة نفسك مِن خلال الجوانب الأربعة هَذهِ:
أ: البرامج التبليغية التي تجد دلالتها في التعبير القرآني "واستفزر مَن استطعت مِنهم بصوتك "حيث اعتبر بعض المفسّرين أنّها تعني فقط أنغام الموسيقي الشهوانية المثيرة، والأغاني المبتذلة، ولكن هَذا المعنى يتسع حتى يشمل جميع البرامج الدعائية التي تقود للانحراف والتي تستخدم عادة الأجهزة الصوتية وَالسمعية.
لهذا فإنَّ أوّل برامج الشيطان هو الاستفادة مِن هذِهِ الأجهزة. هَذِه القضية تتوضح في زماننا هَذا أكثر، لأنَّ عالمنا اليوم هُوَ عالم الأمواج الراديوية، وَعالم الدعاية والتبليغ الواسع، سواء كان على الصعيد السمعي أو البصري. حيثُ أنَّ الشياطين وأحزابهم في الشرق والغرب يعتمدون على هَذِه الأجهزة وَيخصصون قسماً كبيراً مِن ميزانيتهم للصرف في هَذا الطريق حتى يستعمروا عبيد الله، وَيُحرفوهم عن طريق الحق والاستقلال، وَيزيغوا بهم عن طريق الهداية والإِيمان والتقوى، وَيجعلون مِنهم عبيداً تابعين لا حول لهم وَلا قوة.
ب: الاستفادة مِن القوة العسكرية: وَهذا لا يخص زماننا حيثُ أنَّ الشياطين يستخدمون القوّة العسكرية لأجل الحصول على مَناطق للنفوذ. إِنَّ الأداة العسكرية تعتبر أداةً خطرة لكل الظالمين والمستكبرين في العالم. فهؤلاء وَفي لحظة واحدة يصرخون في قواتهم العسكرية وَيرسلونها إلى المناطق التي تحاول الحصول على حريتها واستقلالها وتسعى إلى الاعتماد بقوات على قدراتها الخاصّة.
وَفي عصرنا الحاضر نرى أنّهم نظَّموا ما يسمونه بقوات (التدخل السريع) والذي هو نفس مفهوم (الإجلاب) القرآني، وَهذا يعني أنّهم جعلوا جزءاً مِن قواتهم العسكرية على شكل قوات خاصّة كي يستطيعوا إِرسالها في أسرع وقت إلى أي منطقة مِن مَناطق العالم تتعرض فيها مصالحهم غير المشروعة للخطر، لكي يقضوا بواسطة هَذِهِ القوات على أي حركة تطالب بالحق وتنادي بالاستقلال.
وَقبل أن تصل القوات السريعة الخاصّة هَذِهِ، يكون هؤلاء قد هيأوا الأرضية بواسطة جواسيسهم الماهرين، والذين هُم في الواقع كناية عن جيش المشاة (الرجّالة).
إِنَّ هؤلاء في مخططاتهم هَذِهِ قد غفلوا عن أنَّ الله سبحانُه وَتعالى قد وَعَدَ أولياءه الحقيقيين في نفس هَذِهِ الآيات بأنَّ الشيطان وَجيشه لا يستطيع أن يسيطر عليهم.
ج: البرامج الاقتصادية ذات الظاهر الإِنساني: مِن أساليب الشيطان الأُخرى المؤثرة في النفوذ والغواية، هي المشاركة في الأموال والأنفس، وَهُنا نرى أيضاً: أنّ بعض المفسّرين يخصص هَذِهِ المشاركة ب (الربا). أمّا المشاركة في الأولاد فيحصر معناها ب «الأولاد غير الشرعيين».
في حين أنَّ هاتين الكلمتين لهما معاني أوسع، إِذ تشمل جميع الأموال المستحصلة عن طريق الحرام، والأبناء غير الشرعيين وغيرهم. فمثلا في زماننا الحاضر نشاهد أنَّ الشياطين المستكبرين يقترحون دائماً استثمار وتأسيس الشركات، وإيجاد مُختلف المصانع والمصالح الاقتصادية في الدول الضعيفة، وَتحت غطاء هَذِهِ الشركات تتم مُختلف أشكال النشاطات الخطرة والضارَّة بالبلد المستضعف، حيث يرسل الشياطين جواسيسهم تحت عنوان خبراء فنيين أو مستشارين اقتصاديين أو مهندسين تقنيين، وَيقوم هؤلاء جميعاً بامتصاص خيرات البلد الذين هم فيه بأبرع الحيل وأظرفها، وَيقفون حائلا بين البلد وَبين تحقيقه لاستقلاله الاقتصادي على بُنية اقتصادية تحتية حقيقية.
وَعن طريق تأسيس المدارس والجامعات والمكتبات والمستشفيات والمراكز السياحية، فإنّهم يشاركون هذه الدول الضعيفة في أبنائها حيثُ يحاولون أن يستميلوا هؤلاء نحوهم، وأحياناً عن طريق توفير (المنح الدراسية) للشباب، فإنّهم يقومون (بجلبهم) نحو ثقافتهم وَيشاركونهم في أفكارهم، وَما يترتب على ذلك مِن فساد العقيدة.
ومن الأساليب الرائجة والمخربة لهؤلاء الشياطين إيجاد مراكز الفساد تحت غطاء الفنادق العالمية وإيجاد المناطق الترفيهية ودور السينما والأفلام المبتذلة وأمثال ذلك، حيث لا تكون هذه الوسائل أدوات لترويج الفحشاء وزيادة أولاد الزنا فحسب، بل تؤدي إلى انحراف جيل الشباب وتميّعهم و تغرّبهم، وتصنع منهم أشخاصاً فاقدين للإرادة. وكلما أمعنا النظر في دسائسهم و مكرهم تكشفت لنا الأخطار الكبيرة الكامنة في هذه الوساوس الشيطانية.
د: برامج التخريب النفسي: مِن البرامج الأُخرى التي يتبعها الشياطين، الاستفادة مِن الوعود والأُمنيات الكاذبة التي يطلقونها بمختلف الحيل، فهؤلاء الشياطين يعدّون مجموعة ماهرة وَمتمكنة مِن علماء النفس لغواية الناس البسطاء مِنهم والأذكياء، كلا بما يناسب وَضعه، ففي بعض الأحيان يصورون لهم حالهم بأنّهم سيصبحون قريباً مِن الدول المتمدنة والكبيرة، أو أنَّ شبابهم لا مثيل له، وَيستطيع الشباب في بلدانهم أن يصل مِن خلال إتباعه برامجهم إلى أوج العظمة، وَهكذا في بلدانهم يغرقوهم في هذه الخيالات الواهية التي تتلخّص في جملة (وعدهم).
في أحيان أُخرى يسلك الشياطين طريقاً معكوسة، إِذ يصوّرون للبلد بأنَّهُ لا يستطيع مُطلقاً مُواجهة القوى الكبرى، وأنّهم مُتأخرون عن هَذِهِ القوى بمائة عام أو أكثر، وَبهذا الأسلوب تُزرع المبررات النفسية لاستمرار التخلف وعدم انطلاق جهود البلد الضعيف نحو العمل والبناء الحقيقي.
بالطبع هَذهِ القصّة لها بدايات بعيدة، وَطرق نفوذ الشيطان فيها لا تنحصر بواحد أو اثنتين.
وَلكنَّ (عباد الله) الحقيقيين والمخلصين، وَبالإِتكاء على الوعد القرآني القاطع بالنصر، والذي تضمنتُه هَذِهِ الآيات، سيقومون بمحاربة الشياطين وَلا يسمحون بالتردد يساور أنفسهم، وَهم يعلمون برغم الأصوات الكثيرة للشياطين أنّهم سينتصرون، وإنّهم بصبرهم وَصمودهم وبإيمانهم وَتوكلهم على الله سوف يُفشِلون الخطط الشيطانية.