روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

{ وَأَمَّا الجدار } المعهود { فَكَانَ لغلامين } قيل : إنهما أصرم وصريم { يَتِيمَيْنِ } صغيرين مات أبوهما وهذا هو الظاهر لأن يتم بني آدم بموت الأب ، وفي الحديث «لا يتم بعد بلوغ » وقال ابن عطية : يحتمل أنهما كانا بالغين والتعبير عنهما بما ذكر باعتبار ما كان على معنى الشفقة عليهما ولا يخفي أنه بعيد جداً { في المدينة } هي القرية المنذكورة فيما سبق ، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح . ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } مال مدفون من ذهب وفضة كما أخرجه البخاري في تاريخه . والترمذي . والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء وبذلك قال عكرمة . وقتادة وهو في الأصل مصدر ثم أريد به اسم المفعول .

/ قال الراغب : الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في الوعاء ، واستشكل تفسير الكنز بما ذكر بأن الظاهر أن الكانز له أبوهما لاقتضاء { لَّهُمَا } له إذا لا يكون لهما إلا إذا كان إرثاً أو كانا قد استخرجاه والثاني منتف فتعين الأول وقد وصف بالصلاح ، ويعارض ذلك ما جاء في ذم الكانز . وأجيب بأن المذموم ما لم تؤد منه الحقوق بل لا يقال لما أديبت منه كنز شرعاً كما يدل عليه عند القائلين بالمفهوم حديث كل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز فإن النبي صلى الله عليه وسلم بصدد بيان الأحكام الشرعية لا المفاهيم اللغوية لأنها معلومة للمخاطبين ولا يعتبر في مفهومه اللغوي المراد هنا شيء من الإخراج وعدمه ، والوصف بالصلاح قرينة على أنه لم يكن من الكنز المذموم ، ومن قال : إن الكنز حرام مطلقاً ادعى أنه لم يكن كذلك في شرع من قبلنا ، واحتج عليه بما أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء في هذه الآية قال : أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز .

وأخرج عبد الرزاق . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك وفيه فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز حل لمن قبلنا وحرم علينا فإن الله تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء وهي السنن والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى ، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال : ما كان ذهباً ولا فضة ولكن كان صحب علم وروى ذلك أيضاً عن ابن جبير ، وأخرج ابن مردويه من حديث علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً والبزار عن أبي ذر كذلك ، والخرائطي عن ابن عباس موقوفاً أنه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب في أحد شقيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت الخ ؛ في الشق الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه وجمع بعضهم بأن المراد بالكنز ما يشمل جميع ذلك بناء على أنه المال المدفون مطلقاً ، وكل من المذكورات مال كان مدفوناً إلا أنه اقتصر في كل من الروايات على واحد منها وفيه أنه على بعده يأباه ظاهر قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما كان ذهباً ولا فضة { وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا } الظاهر أنه الأب الأقرب الذي ولدهما ، وذكر أن اسمه كاشح وأن اسم أمهما دهناً ، وقيل : كان الأب العاشر ، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه كان الأب السابع . وأياً كان ففي الآية دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء ، وأخرج ابن أبي شيبة . وأحمد في الزهد . وابن أبي حاتم عن خيثمة قال : قال عيسى عليه السلام طوبى لذرية المؤمن ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده وتلا خيثمة هذه الآية .

وأخرج عبد بن حميد . وابن المنذر عن وهب قال : إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس ، وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله تعالى مال الغلامين ؟ قال : بصلاح أبيهما قال فأبى وجدي خير منه فقال الخارجي أنبأنا الله تعالى : إنكم قوم خصمون ، وذكر من صلاح هذا الرجل إن الناس كانوا يضعون عنده الودائع فيردها إليهم كما وضعوها ، ويروى أنه كان سياحاً { فَأَرَادَ رَبُّكَ } مالكك ومدبر أمورك ، ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام دون ضميرهما تنبيه له على تحتم كمال الانقياد والاستسلام لإرادته سبحانه ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبهما التي يشم منها طلب ما يحصل به تربية البدن وتدبيره { أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } قيل أي الحلم وكمال الرأي ، وفي «الصحاح » القوة وهو ما بين ثماني عشر إلى ثلاثين وهو واحد جاء على بناء الجمع مثل آنك ولا نظير لهما ، ويقال : هو جمع لا واحد له من لفظه مثل آسال وأبابيل وعباديد ومذاكير ، وكان سيبويه يقول : واحده شده وهو حسن في المعنى لأنه يقال بلغ الغلام شدته ولكن لا يجمع فعلة على أفعل ، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم من قولهم يوم بؤس ويوم نعم ، وأما قول من قال : واحده شد مثل كلب وأكلب أو شد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس كما يقولون في واحد الأبابيل أبول قياساً على عجول وليس هو شيء يسمع من العرب .

{ وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا } من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه والانتفاع به وذكروا أن اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز ولهما وصي يعلم به لكنه كان غائباً والجدار قد شارف فلو سقط لضاع فلذا أقامه { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } مفعول له لأراد وأقيم الظاهر مقام الضمير ، وليس مفعولاً له ليستخرجا لاختلاف الفاعل ، وبعضهم أجاز ذلك لعدم اشتراطه الاتحاد أو جعل المصدر من المبني للمفعول وأجاز أن يكون النصب على الحال وو من ضمير { *يستخرجا } بتأويل مرحومين ، والزمخشري النصب على أنه مفعول مطلق لأراد فإن إرادة ذلك رحمة منه تعالى .

واعترض بأنه إذا كان أراد ربك بمعنى رحم كانت الرحمة من الرب لا محالة فأي فائدة في ذكر قوله تعالى { إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } وكذا إذا كان مفعولاً له ؛ وقيل : في الكلام حذف والتقدير فعلت ما فعلت رحمة من ربك فهو حينئذ مفعول له بتقدير إرادة أو رجاء رحمة ربك أو منصوب بنزع الخافض والرحمة بمعنى الوحي أي برحمة ربك ووحيه فيكون قوله { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي عن رأيي واجتهادي تأكيداً لذلك { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من العواقب المنظومة في سلك البيان ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الفخامة { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع } أي تستطيع وهو مضارع اسطاع بهمز الوصل وأصله استطاع على وزن استفعل ثم حذف تاء الافتعال تخفيفاً وبقيت الطاء التي هي أصل . وزعم بعضهم أن السيرن عوض قلب الواو ألفاً والأصل أطاع ولا حاجة تدعو إلى أن المحذوف هي الطاء التي هي فاء الفعل ثم دعوى أنهم أبدلوا من تاء الاتعال طاء لوقوعها بعد السين ويقال تستيع بإبدال الطاء تاء وتستيع بحذف تاء الافتعال فاللغات أربع كما قال ابن السكيت ، وما ألطف حذف أحد المتقاربين وبقاء الآخر في آخر هذا الكلام الذي وقع عنده ذهاب الخضر عن موسى عليهما السلام .

وقال بعض المحققين : إنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير ، وتعقب بأن ذلك مكرر أيضاً وذاك أخف منه فلم لم يؤت به ، وفيه أن الفرق ظاهر بين هذا وذلك ، وقيل : إنما خص بالتخفيف للإشارة إلى أنه خف على موسى عليه السلام ما لقيه ببيان سببه ، وتعقب بأنه يبعده أنه في الحكاية لا المحكي وأنت تعلم هذا وكذا ما ذكرناه زهرة لا تتحمل الفرك والتأويل بالمعنى السابق الذي ذكر أنه المراد أي ذلك مآل وعاقبة الذي لم تستطع { عَّلَيْهِ صَبْراً } من الأمور التي رأيت فيكون انجاز اللتنبئة الموعودة ، وجوز أن تكون الإشارة إلى البيان نفسه فيكون التأويل بمعناه المشهور ، وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم ، وفي جعل الصلة غير ما مر تكرير للتنكير وتشديد للعتاب ، قيل : ولعل إسناد الإرادة أولاً : إلى ضمير المتكلم وحده ، أنه الفاعل المباشر للتعييب ، وثانياً : إلى ضمير المتكلم ومعه غيره لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله وتبديل غيره موقوف عليه وهو محض فعل الله تعالى وقدرته فضمير ن مشترك بين الله تعالى والخضر عليه السلام .

وثالثاً : إلى الله تعالى وحده لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ الغلامين واعترض توجيه ضمير الجمع بأن الاجتماع المخلوق مع الله تعالى في ضمير واحد لاسيما ضمير المتكلم فيه من ترك الأدب ما فيه . ويدل على ذلك ما جاء من أن ثابت بن قيس بن شماس كان يخطب في مجلسه صلى الله عليه وسلم إذا وردت وفود العرب فاتفق أن قدم وفد تميم فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها من يطع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بئس خطيب القوم أنت . وصرح الخطابي أنه عليه الصلاة والسلام كره منه ما فيه من التسوية . وأجيب بأنه قد وقع نحو ذلك في الآيات والأحاديث ، فمن ذلك قوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبيّ } [ الأحزاب : 56 ] فإن الظاهرأن ضمير { وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى } راجع إلى الله تعالى وإلى الملائكة . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإيمان : «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما » ولعل ما كرهه صلى الله عليه وسلم من ثابت أنه وقف على قوله بعضهما : لا التسوية في الضمير . وظاهر هذا أنه لا كراهة مطلقاً في هذه التسوية وهو أحد الأقوال في المسألة . وثانيها : ما ذهب إليه الخطابي أنها تكره تنزيها . وثالثها : ما يفهمه كلام الغزالي أنها تكره تحريماً . وعلى القول بالكراهة التنزيهية استظهر بعضهم أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام وبنى الجواب عما نحن فيه على ذلك فقال : لما كان المقام الذي قام فيه ثابت مقام خطابة وإطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طري كره صلى الله عليه وسلم التسوية منه فيه وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة للتسوية فيه . وخص بعض الكراهة بغير النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقوى الجواب عما ذكر لأنه إذا جازت للنبي صلى الله عليه وسلم فهو في كلام الله تعالى وما حكاه سبحانه بالطريق الأولى .

وخلاصة ما قرر في المسألة أن الحق ، أنه لا كراهة في ذلك في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أشير إليه في «شروح البخاري » وأما في حق البشر فلعل المختار أنه مكروه تنزيها في مقام دون مقام ، هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بين الله تعالى والخضر عليه السلام ، لا لأن فيه ترك الأدب بل لأن الظاهر أنه كضمير { خشينا } [ الكهف : 80 ] والظاهر في ذاك عدم الاشتراك لأنه محوج لارتكاب المجاز على أن النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير أردنا لا تظهر في اختياره في ضمير { فَخَشِينَا } [ الكهف : 80 ] لأنه لم يتضمن الكلام الأول فعلين على نحو ما تضمنهما الكلام الثاني فتدبر ، وقيل في وجه تغاير الأسلوب : أن الأول شر فلا يليق إسناده إليه سبحانه وأن كان هو الفاعل جل وعلا ، والثالث : خير فأفرد إسناده إلى الله عز وجل . والثاني : ممتزج خبره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظراً لهما . وفيه أن هذا الإسناد في { فَخَشِينَا } [ الكهف : 80 ] أيضاً وأين امتزاج الخير والشر فيه ، وجعل النكتة في التعبير ينافيه مجرد الموافقة لتاليه ليس بشيء كما لا يخفى ، وقيل : الظاهر أنه أسند الإرادة في الأولين إلى نفسه لكنه تفنن في التعبير فعبر عنها بضمير المتكلم مع الغير بعد ما عبر بضمير المتكلم الواحد لأن مرتبة الانضمام مؤخرة عن مرتبة الانفراد مع أن فيه تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية بخلاف التعييب . وأسند فعل الإبدال إلى الله تعالى إشارة إلى استقلاله سبحان بالفعل وأن الحاصل للعبد مجرد مقارنة إرادة الفعل دون تأثير فيه كما هو المذهب الحق انتهى ، وأنت تعلم أن الأبدال نفسه مما ليس لإرادة العبد مقارنة له أصلاً وإنما لها مقارنة للقتل الموقوف هو عليه على أن في هذا التوجيه بعدما فيه . وفي الانتصاف لعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد ثم عيب فتأدب عليه السلام بأن نسب الإعابة إلى نفسه . وأما إسناد الثاني إلى ن فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا ودبرنا كذا وإما يعنون أمر الملك العظيم . ودبر ويدل على ذلك قوله في الثالث { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } وهو كما ترى ، وقيل : اختلاف الأسلوب لاختلاف حال العارف بالله سبحانه فإنه في ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولاً إلى نفسه ثم يتنبه إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون الله تعالى فلذا أسند إلى ذلك الضمير ثم يرى أنه لا دخل له وأن المؤثر والمريد إنما هو الله تعالى فلذا أسنده إليه سبحانه فقط وهذا مقام الفناء ومقام كان الله ولا شيء معه وهو الآن كما كان ، وتعقب بأنه إن أريد أن هذه الأحوال مرت على الخضر عليه السلام واتصف بكل منها أثناء المحاورة فهو باطل وكيف يليق أن يكون إذ ذاك ممن يتصف بالمرتبة الثانية فضلاً عن المرتبة الأولى وهو الذي قد أوتي من قبل العلم اللدني .

وإن أريد أن عبر تعبير من اتصف بكل مرتبة من تلك المراتب وإن كان هو عليه السلام في أعلاها فإن كان ذلك تعليماً لموسى عليه السلام فموسى عليه السلام أجل من أن يعلمه الخضر عليه السلام مسألة خلق الأعمال . وإن كان تعليماً لغيره عليه السلام فليس المقام ذلك المقام على تقدير أن يكون هناك غير يسمع منه هذا الكلام وإن أريد أنه عبر في المواضع الثلاثة بأسلوب مخصوص من هاتيك الأساليب إلا أنه سبحانه عبر في كل موضع بأسلوب فتعددت الأساليب في حكايته تعالى القصة لنا تعليماً وإشارة إلى هاتيك المراتب وإن لم يكن كلام الخضر عليه السلام كذلك فالله تعالى أجل وأعظم من أن ينقل عن أحد كلاماً لم يقله أو لم يقل ما بمعناه فالقول بذلك نوع افتراء عليه سبحانه . والذي يخطر ببال العبد الفقير أنه روعي في الجواب حال الاعتراض وما تضمنه وأشار إليه فلما كان الاعتراض الأول بناء( {[600]} ) على أن لام { لِتُغْرِقَ } [ الكهف : 71 ] للتعليل متضمناً إسناد إرادة الإغراق إلى الخضر عليه السلام وكان الإنكار فيه دون الإنكار فيما يليه بناء على ما اختاره المحققون من أن { نُّكْراً } [ الكهف : 74 ] أبلغ من { أمْراً } [ الكهف : 71 ] ناسب أن يشرح بإسناد إرادة التعييب إلى نفسه المشير إلى نفي إرادة الإغراق عنها التي يشير كلام موسى عليه السلام إليها وأن لا يأتي بما يدل على التعظيم أو ضم أحد معه في الإرادة لعدم تعظيم أمر الانكار المحوج لأن يقابل بما يدل على تعظيم إرادة خلاف ما حسبه عليه السلام وأنكره .

ولما كان الاعتراض الثاني في غاية المبالغة والإنكار هناك في نهاية الإنكار ناسب إن يشير إلى أن ما اعترض عليه وبولغ في إنكاره قد أريد به أمر عظيم ولو لم يقع لم يؤمن من وقوع خطب جسيم فلذا أسند الخشية والإرادة إلى ضمير المعظم نفسه أو المتكلم ومعه غيره فإن في إسناد الإرادة إلى ذلك تعظيماً لأمرها وفي تعظيمه تعظيم أمر المراد وكذا في إسناد الخشية إلى ذلك تعظيم أمرها ، وفي تعظيمه تعظيم أمر المخشي . وربما يقال بناء على إرادة الضم منا : إن في ذلك الإسناد إشارة إلى أن ما يخشى وما يراد قد بلغ من العظم إلى أن يشارك موسى عليه السلام في الخشية منه ، وفي إرادته الخضر لا أن يستقل بإنكار ما هو من مبادي ذلك المراد وبه ينقطع عن الأصلين عرق الفساد ، ولما كان الاعتراض الثالث هينا جدا حيث كان بلفظ لا تصلب فيه ولا ازعاج في ظاهره وخافيه ومع هذا لم يكن على نفس الفعل بل على عدم أخذ الأجرة عليه لستعان بها على آقامة جدار البدن وإزالة ما أصابه من الوهن فناسب أن يلين في جوابه المقام ولا ينسب لنفسه استقلالاً أو مشاركة شيئاً ما من الأفعال فلذا أسند الإرادة إلى الرب سبحانه وتعالى ولم يكتف بذلك حتى أضافه إلى ضميره عليه السلام ، ولا ينافي ذلك تركير النكير والعتاب لأنه متعلق بمجموع ما كان أولاً من ذلك الجناب ، هذا والله تعالى أعلم بحقيقة أسرار الكتاب وهو سبحانه الموفق للصواب ، واستدل بقوله : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } القائلون بنبوته عليه السلام وهو ظاهر في ذلك واحتمال أن يكون هناك نبي أمره بذلك عن وحي كما زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد على أنه ليس في وصفه بقوله تعالى :{ آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] على هذا كثير فائدة بل قد يقال : أي فائدة في هذا العلم اللدني إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السلام إلى توسيط نبي مثله ، وقال بعضهم : كان ذلك عن إلهام ويلزمه القول بأن الإلهام كان حجة في بعض الشرائع وأن الخضر من المكلفين بتلك الشريعة وإلا فالظاهر أن حجيته ليست في شريعة موسى عليه السلام وكذا هو ليس بحجة في شريعتنا على الصحيح ، ومن شذ وقال بحجيته اشترط لذلك أن لا يعارضه نص شرعي فلو أطلع الله تعالى بالإلهام بعض عباده على نحو ما اطلع عليه الخضر عليه السلام من حال الغلام لم يحل له قتله ، وما أخرجه الإمام أحمد عن عطاء أنه قال : كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم إنما قصد به ابن عباس كما قال السبكي المحاجة والإحالة على ما لم يكن قطعاً لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر وليس مقصوده رضي الله تعالى عنه أنه إن حصل ذلك يجوز القتل فما قاله اليافعي في روضه من أنه لو أذن الله تعالى لبعض عباده أن يلبس ثوب حرير مثلاً وعلم الإذن يقينا فلبسه لم يكن منتهكاً للشرع وحصول اليقين له من حيث حصوله للخضر بقتله للغلام إذ هو ولي لا نبي على الصحيح انتهى عثرة يكاد أن لا يقال لصاحبها لعا لأن مظنة حصول اليقين اليوم الإلهام وهو ليس بحجة عند الأئمة ومن شذ اشترط ما اشترط ، وحصوله بخبر عيسى عليه السلام إذا نزل متعذر لأنه عليه السلام ينزل بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن شريعته تحريم لبس الحرير على الرجال ألا للتداوي وما ذكره من نفي نبوة الخضر لا يعول عليه ولا يلتفت إليه ، وممن صرح بأن الإلهام ليس بحجة من الصوفية الإمام الشعراني وقال : قد زل في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا ، ولنا في ذلك مؤلف سميته حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام وهو مجلد لطيف انتهى ، وقال أيضاً في كتابه المسمى بالجواهر والدرر : قد رأيت من كلام الشيخ محي الدين قدس سره ما نصه اعلم أنا لا نعني بملك الإلهام حيث أطلقناه إلا الدقائق الممتدة من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة فإن الملك لا ينزل بوحي على غير قلب نبي أصلا ولا يأمر بأمر الهي جملة واحدة فإن الشريعة قد استقرت وتبين الفرض والواجب وغيرهما فانقطع الأمر الإلهي بانقطاع النبوة والرسالة وما بقي أحد يأمره الله تعالى بأمر يكون شرعاً مستقلاً يتعبد به أبداً لأنه ان أمره بفرض كان الشارع قد أمر به وان أمره بمباح فلا يخلو إما أن يكون ذلك المباح المأمور به صار واجباً أو مندوباً في حقه فهذا عين نسخ الشرع الذي هو عليه حيث صير المباح الشرعي واجباً أو مندوباً وإن أبقاه مباحاً كما كان فأي فائدة للأمر الذي جاء به ملك الإلهام لهذا المدعي فإن قال : لم يجئني ملك الإلهام بذلك وإنما أمرني الله تعالى بلا واسطة قلنا : لا يصدق في مثل ذلك وهو تلبيس من النفس ، فإن ادعى أن الله سبحانه كلمه كما كلم موسى عليه السلام فلا قائل به ، ثم إنه تعالى لو كلمه ما كان يلقي إليه في كلامه إلا علوماً وأخباراً لا أحكاماً وشرعاً ولا يأمره أصلاً انتهى .

وقد صرح الإمام الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره العزيز في المكتوبات في مواضع عديدة بأن الإلهام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ويعلم من ذلك أنه لا مخالفة بين الشريعة والحقيقة والظاهر والباطن وكلامه قدس سره في المكتوبات طافح بذلك ، ففي المكتوب الثالث والأربعين من الجلد الأول أن قوماً مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود الأصلي وراء الشريعة حاشا وكلا ثم حاشا وكلا نعوذ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة ، وقال في أثناء المكتوب الحادي والأربعين من الجلد الأول أيضاً في مبحث الشريعة والطريقة والحقيقة : مثلاً عدم نطق اللسان بالكذب شريعة ونفي خاطر الكذب عن القلب إن كان بالتكلف والتعمل فهو طريقة وان تيسير بلا تكلف فهو حقيقة ففي الجملة الباطن الذي هو الطريقة والحقيقة مكمل الظاهر الذي هو الشريعة فالسالكون سبيل الطريقة والحقيقة ان ظهر منهم في أثناء الطريق أمور ظاهرها مخالف للشريعة ومناف لها فهو من سكر الوقت وغلبة الحال فإذا تجاوزوا ذلك المقام ورجعوا إلى الصحو ارتفعت تلك المنافاة بالكلية وصارت تلك العلوم المضادة بتمامها هباء منثوراً .

وقال نفعنا الله تعالى بعلومه في أثناء المكتوب السادس والثلاثين من الجلد الأول أيضاً : للشريعة ثلاثة أجزاء علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق سبحانه وتعالى وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية { ورضوان من الله أكبر } [ التوبة : 72 ] فالشريعة متكفلة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الاخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمر آخر وراء ذلك إلى آخر ما قال ، وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين من الجلد المذكور بعد تحقيق كثير : فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار مأموراً بها في آية { قُلْ هذه سَبِيلِي ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني } [ يوسف : 108 ] وآية { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله } [ آل عمران : 31 ] تدل على ذلك أيضاً وكل طريق سوى هذا الطريق ضلال ومنحرف عن المطلوب الحقيقي وكل طريقة ردتها الشريعة فهي زندقة ، وشاهد ذلك آية { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } [ الأنعام : 153 ] وآية { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يونس : 32 ] وآية { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } [ آل عمران : 85 ] وحديث «خط لنا النبي صلى الله عليه وسلم » الخبر ، وحديث " كل بدعة ضلالة " وأحاديث أخر إلى آخر ما قال عليه رحمة الملك المتعال ، وقال قدس سره في معارف الصوفية : اعلم أن معارف الصوفية وعلومهم في نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة لا أنها علوم أخر غير علوم الشريعة ، نعم يظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة ولكن لا بد من العبور عنها ، ففي نهاية النهايات علومهم علوم العلماء وهي علوم الشريعة والفرق بينهم وبين العلماء أن تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظرية واستدلالية وبالنسبة إليهم تصير كشفية وضرورية .

وقال أيضاً : أعلم أن الشريعة والحقيقة متحدان في الحقيقة ولا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل وبالاستدلال والكشف بالغيب والشهادة وبالتعمل وعدم التعمل واللشريعة من ذلك الأول وللحقيقة الثاني وعلامة الوصول إلى حقيقة حق اليقين مطابقة علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها وما دامت المخالفة موجودة ولو أدنى شعرة فذلك دليل على عدم الوصول ، وما وقع في عبارة بعض المشايخ من أن الشريعة قشر والحقيقة لب فهو وإن كان مشعرا بعدم استقامة قائله ولكن يمكن أن يكون مراده أن المجمل بالنسبة إلى المفصل حكمه حكم القشر بالنسبة إلى اللب وإن الاستدلال بالنسبة إلى الكشف كذلك ، والأكابر المستقيمة أحوالهم لا يجوزون الاتيان بمثل هذه العبارات الموهمة إلى غير ذلك من عباراته الشريفة التي لا تكاد تحصى .

وقال سيدي القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره : جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يعملون إلا بظاهرهما ، وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره : الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفي أثر الرسول عليه الصلاة والسلام . وقال أيضاً : من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة ، وقال السرى السقطي : التصوف اسم لثلاثة معان وهو لا يطفيء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بسر باطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكاتب ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله ، وقال أيضاً قدس سره : من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط .

وقال أبو الحسين النوري : من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربه ومن رأيته يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه ، وقال أبو سعيد الخراز : كل فيض باطن يخالفه ظاهر فهو باطل .

وقال أبو العباس أحمد الدينوري : لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن ، وفي التحفة لابن حجر قال الغزالي : من زعم أن له مع الله تعالى حالا أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم شرب الخمر وجب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر انتهى ، ولا نظر في خلوده لأنه مرتد لاستحلاله ما علمت حرمته أو نفيه وجوب ما علم وجوبه ضرورة فيهما ، ومن ثم جزم في الأنوار بخلوده انتهى .

وقال في الاحياء : من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان إلى غير ذلك ، وفي رسالة القشيري طرف منه ، والذي ينبغي أن يعلم أن كلام العارفين المحققين وإن دل على أنه لا مخالفة بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة لكنه يدل أيضاً على أن في الحقيقة كشوفاً وعلوماً غيبية ولذا تراهم يقولون : علم الحقيقة هو العلم اللدني . وعلم المكاشفة . وعلم الموهبة . وعلم الأسرار . والعلم المكنون . وعلم الوراثة إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ومع هذا لا تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكماً شرعياً ولا تقيد مطلقاً ولا تطلق مقيداً خلافاً لما توهمه ساجقلي زاده حيث قال في شرح عبارة الإحياء السابقة آنفاً : يريد الغزالي من الباطن ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم مع أن الشارع حرمه على عباده مطلقاً فيجب أن يقال : إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي يحلله لهم وتحريم الشارع تعالى ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب المحلل لهم فمن انكشف له ذلك السبب حل له ومن لا فلا لكن الشارع سبحانه حرّمه على عاده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندرة وقوعه إذ من ينكشف له قليل جداً مثاله انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر عليه السلام فحل له بذلك الانكشاف الخرق والقتل وحلهما له مخالف لإطلاق نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الضرر وعن قتل الصبي لكنهما مقيدان فالأول مقيد بما إذا لم يعلم هناك غاصب مثلاً والثاني بما إذا لم يعلم أن الصبي سيصير ضالاً مضلاً لكن الشارع ترك القيدين لندرة وقوعهما واعتماداً على فهم الراسخين في العلم إياهما إلى آخر ما قال فإن النصوص السابقة تنادي بخلافه كما سمعت ، ثم إن تلك الغيوب والمكاشفات بل سائر ما يحصل للصوفية من التجليات ليست من المقاصد بالذات ولا يقف عندها الكامل ولا يلتفت إليها ، وقد ذكر الإمام الرباني قدس سره في المكتوب السادس والثلاثين المتقدم نقل بعضه أنها تربى بها أطفال الطريق وأنه ينبغي مجاوزتها والوصول إلى مقام الرضا الذي هو نهاية مقامات السلوك والجذبة وهو عزيز لا يصل إليه إلا واحد من ألوف ، ثم قال : إن الذين هم قليلو النظر يعدون الأحوال والمواجيد من المقامات والمشاهدات والتجليات من المطالب فلا جرم بقوا في قيد الوهم والخيال وصاروا محرومين من كمالات الشريعة { كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } [ الشورى : 13 ] انتهى ، ويعلم منه أن الكاملين في الشريعة يعبرون على ذلك ولا يلتفتون إليه ولا يعدونه مقصداً وجل مقصدهم تحصيل مقام الرضا ، وعلى هذا يخرج بيت المنثوي حيث يقول :

زان طرف كه عشق من افزوددرد*** بو حنيفة شافعي درسي نكرد

وقد يحجب الكامل عن جميع ذلك ويلحق من هذه الحيثية بعوام الناس ، ويعلم مما ذكر أن موسى عليه السلام أكمل من الخضر وأعلمية الخضر عليه السلام بعلم الحقيقة كانت بالنسبة إلى الحالة الحاضرة فإن موسى عليه السلام عبر على ذلك ولم يقف عنده لأنه في مقام التشريع ، ولعل طلبه التعليم كان بالأمر ابتلاء له بسبب تلك الفلتة ، وقد ذكروا أن الكامل كلما كان صعوده أعلا كان هبوطه أنزل وكلما كان هبوطه أنزل كان في الإرشاد أكمل في الإفاضة أتم لمزيد المناسبة حينئذ بين المرشد والمسترشد ، ولهذا قالوا فيما يحكى : إن الحسن البصري وقف على شط نهر ينتظر سفينة فجاء حبيب العجمي فقال له : ما تنتظر ؟ فقال : سفينة فقال : أي حاجة إلى السفينة أمالك يقين ؟ فقال الحسن : أمالك علم ؟ ثم عبر حبيب على الماء بلا سفينة ووقف الحسن أن الفضل للحسن فإنه كان جامعاً بين علم اليقين وعين اليقين وعرف الأشياء كما هي وفي نفس الأمر جعلت القدرة مستورة خلف الحكمة والحكمة في الأسباب وحبيب صاحب سكر لم ير الأسباب فعومل برفعها ، ومن هنا يظهر سر قلة الخوارق في الصحابة مع قول الإمام الربناي : إن نهاية أويس سيد التابعين بداية وحشى قاتل حمزة يوم أسلم فما الظن بغير أويس مع غير وحشي ، وأنا أقول : إن الكامل وإن كان من علمت إلا أن فوقه الأكمل وهو من لم يزل صاعداً في تزوله ونازلاً في صعوده وليس ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك ما أمد العالم العلوي والسفلي ، وهذا مرجع الحقيقة والشريعة له عليه الصلاة والسلام على الوجه الأتم كما أشرنا إليه سابقاً والحمد لله تعالى على أن جعلنا من أمته وذريته ، ولا يعكر على ما ذكرنا ما قاله الإمام الغزالي في الإحياء وهو أن علم الآخرة قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة أما علم المكاشفة فهو علم الباطن وهو غاية العلوم وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من الصفات المذمومة وينكشف بذلك ما كان يسمع من قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة بذات الله تعالى وبصفاته التامات وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة انتهى .

لأن المراد أن ذلك من علم الباطن الذي هو علم الحقيقة وهذا البعض لا يمكن أن يخلو منه نبي كيف ورتبة الديقين دون رتبة الأنبياء عليهم السلام كما قرروه في آية { أولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [ النساء : 69 ] ومما ذكرنا من عدم المخالفة بين الشريعة والحقيقة يعلم ما في كلام البلقيني في دفع ما استشكله من قول الخضر لموسى عليهما السلام : «إني على علم » الحديث السابق حيث زعم أنه يدل بظاهره على امتناع تعليم العلمين معا مع أنه لا يمتنع . وأجاب بأن علم الكشوف والحقائق ينافي علم الظاهر فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي وكذا لا ينبغي للعالم بالحقيقة أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به وينافي ما عنده من الحقيقة ، ولعمري لقد أخطأ فيما قال وبالحق تعرف الرجال وكأنه لم يعتمد عليه فأردفه بجواب آخر هو خلاف الظاهر .

وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك والاستشكال من ضعف النظر ، ثم إن قصة الخضر عليه السلام لا تصلح حجة لمن يزعم المخالفة بين العلمين فإن أعظم ما يشكل فيها قتل الغلام لكونه طبع كافراً وخشي من بقائه حياً ارتداد أبويه وذلك أيضاً شريعة لكنه مخصوصة به عليه السلام لأنه كما قال العلامة السبكي : أوحى إليه أن يعمل بالباطن وخلاف الظاهر الموافق للحكمة فلا إشكال فيه وإن علم من شريعتنا أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان قتل صغير لاسيما بين أبوين مؤمنين وكيف يجوز قتله بسبب لم يحصل والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي واتفاق الشرائع في الأحكام مما لم يذهب إليه أحد من الأنام فضلاً عن العلماء الأعلام وهذا ظاهر على القول بنبوته ، وأما على القول بولايته فيقال : إن عمل الولي بالالهام كان إذ ذاك شرعاً أو كما قيل إنه أمر بذلك على يد نبي غير موسى عليه السلام ، وإما إقامة الجدار بلا أجر فلا إشكال فيها لأنها إحسان وغاية ما يتخيل أنه للمسيء فليكن كذلك ولا ضير فإنه من مكارم الأخلاق ، وأما خرق السفينة لتسلم من غصب الظالم فقد قالوا : إنه مما لا بأس به حتى قال العز بن عبد السلام .

إنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون وخاف عليه أن يأخذه ظالم يجب عليه تعييبه لأجل حفظه وكان القول قول من عيب مال اليتيم ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه فعله لحفظه على الأوجه كما قاله القاضي زكريا في شرح الروض قبيل باب الوديعة .

ونظير ذلك ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلاً وعلم أنه لو لم يبذل منه شيئاً لقاض سوء لانتزعه منه وسلم لبعض الخونة وأدى ذلك إلى ذهابه فإنه يجب عليه أن يدفع إليه شيئاً ويتحرى في أقل ما يمكن ارضاؤه به ويكون القول قوله أيضاً ، وقال بعضهم : قصارى ما تدل عليه القصة ثبوت العلم الباطن وهو مسلم لكن إطلاق الباطن عليه إضافي كما تقدم ، وكان في قوله صلى الله عليه وسلم : «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى فإذا قالوه لا ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى » إشارة إلى ذلك ، والمراد بأهل الغرة علماء الظاهر الذين لم يؤتوا ذلك ، وبعض مثبتيه يستدلون بقول أبي هريرة : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم ، واستدل به أيضاً على المخالفة بين العلمين .

وأنت تعلم أنه يحتمل أن يكون أراد بالآخر الذي لو بثه لقتل علم الفتن وما وقع من بني أمية وذم النبي صلى الله عليه وسلم لاناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك في تلك الأعصار يجر إلى القتل ، وعلى تسليم أنه أراد به العلم الباطن المسمى بعلم الحقيقة لا نسلم أن قطع البلعوم منه على بثه لمخالفته للعلم الظاهر في نفس الأمر بل لتوهم من بيده الحل والعقد والأمر والنهي من أمراء ذلك الزمان المخالفة فافهم ، واستدل العلماء بما في القصة حسبما ذكره شراح الحديث وغيرهم على استحباب الرحلة للعلم وفضل طلبه واستحباب استعمال الأدب مع العالم واحترام المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفتهم وعلى جواز اتخاذ الخادم في السفر وحمل الزاد فيه وإنه لا ينافي التوكل ونسبة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأدباً عن نسبتها إلى الله تعالى واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه وتقديم المشيئة في الأمر واشتراط المتبوع على التابع وعلى أن النسيان غير مؤاخذ به وإن للثلاث اعتباراً في التكرار ونحوه وعلى جواز ركوب السفينة وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى عليه السلام وعلى جواز أن يطلب الإنسان الطعام عند احتياجه إليه وعلى أن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام وجواز أخذ الأجر على الأعمال وإن المسكين لا يخرج عن المسكنة بملك آلة يكتسب بها أو بشيء لا يكفيه وإن الغصب حرام وانه يجوز دفن المال في الأرض وفيه إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول : الخضر ولي إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع أو للمتأمل ، وبالجملة قد تضمنت هذه القصة فوائد كثيرة ومطالب عالية خطيرة فأمعن النظر في ذاك والله سبحانه يتولى هداك .

هذا ومن باب الإشارة ) :واستشكل أيضاً بأن المحذور يزول بتوفيقه للإيمان فما الحاجة إلى القتل ، وأجيب بأن الظاهر أنه غير مستعد لذلك فهو مناف للحكمة وكأن الخضر عليه السلام رأى فيما قال نوع مناقشة فتخلص من ذلك بقوله : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } [ الكهف : 82 ] أي بل فعلته بأمر الله عز وجل ولا يسأل سبحانه عما أمر وفعل ولعل قوله لموسى عليه السلام ما قال حين نقر العصفور في البحر سد لباب المناقشة فيما أمر الله تعالى شأنه ، ولعل علم مثل هذه المسائل من العلم الذي استأثر الله سبحانه به { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء } [ البقرة : 255 ] وأول بعضهم مجمع البحرين بمجمع ولاية الشيخ وولاية المريد والصخرة بالنفس والحوت بالقلب المملح بملح حب الدنيا وزينتها والسفينة بالشريعة وخرقها بهدم الناموس في الظاهر مع الصلاح في الباطن وإغراق أهلها بإيقاعهم في بحار الضلال والغلام بالنفس الأمارة وقتله بذبحه بسيف الرياضة والقرية بالجسد وأهلها بالقوى الإنسانية من الحواس واستطعامهم بطلب أفاعيلها التي تختص بها وإباء الضيافة بمنعها إعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها والجدار بالتعلق الحائل بين النفس الناطقة وعالم المجردات وإرادة الانقضاض بمشارفة قطع العلائق وإقامته بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس ومشيئة اتخاذ الأجر بمشيئة الصبر على شدة الرياضة لنيل الكشوف وإفاضة الأنوار والمساكين بالعوام والبحر الذي يعملون فيه ببحر الدنيا والملك بالشيطان والسفن التي يعضبها العبادات الخالية عن الانكسار والذل والخشوع والأبوين المؤمنين بالقلب والروح والبدل الخير بالنفس المطمئنة والملهمة والكنز بالكمالات النظرية والعلمية والأب الصالح بالعقل المفارق الذي كمالاته بالفعل وبلوع الأشد بوصولهما بتربية الشيخ وإرشاده إلى المرتبة الكاملة وهذا ما اختاره النيسابوري ، واختار غيره تأويلاً آخر هو ادهى منه . هذا والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب .


[600]:- ويوشك أن يكون هذا من قبيل. وكلت للخل كما كال لي على وفاء الكيل أو بخسه اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

{ وَأَمَّا الْجِدَارُ ْ } الذي أقمته { فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ْ } أي : حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما ، لكونهما صغيرين عدما أباهما ، وحفظهما الله أيضا بصلاح والدهما .

{ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ْ } أي : فلهذا هدمت الجدار ، واستخرجت ما تحته من كنزهما ، وأعدته مجانا .

{ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ْ } أي : هذا الذي فعلته رحمة من الله ، آتاها الله عبده الخضر { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ْ } أي : أتيت{[495]}  شيئا من قبل نفسي ، ومجرد إرادتي ، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره .

{ ذَلِكَ ْ } الذي فسرته لك { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ْ } وفي هذه القصة العجيبة الجليلة ، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير ، ننبه على بعضه بعون الله . فمنها فضيلة العلم ، والرحلة في طلبه ، وأنه أهم الأمور ، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة ، ولقي النصب في طلبه ، وترك القعود عند بني إسرائيل ، لتعليمهم وإرشادهم ، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك .

ومنها : البداءة بالأهم فالأهم ، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك ، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم ، والجمع بين الأمرين أكمل .

ومنها : جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن ، وطلب الراحة ، كما فعل موسى .

ومنها : أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه ، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه ، وأين يريده ، فإنه أكمل من كتمه ، فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته ، وإتيان الأمر على بصيرة ، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة ، كما قال موسى : { لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ْ }

وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه ، مع أن عادته التورية ، وذلك تبع للمصلحة .

ومنها : إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان ، على وجه التسويل والتزيين ، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره ، لقول فتى موسى : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ْ }

ومنها : جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس ، من نصب أو جوع ، أو عطش ، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا ، لقول موسى : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ْ }

ومنها : استحباب كون خادم الإنسان ، ذكيا فطنا كيسا ، ليتم له أمره الذي يريده .

ومنها : استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله ، وأكلهما جميعا ، لأن ظاهر قوله : { آتِنَا غَدَاءَنَا ْ } إضافة إلى الجميع ، أنه أكل هو وهو جميعا .

ومنها : أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به ، وأن الموافق لأمر الله ، يعان ما لا يعان غيره لقوله : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ْ } والإشارة إلى السفر المجاوز ، لمجمع البحرين ، وأما الأول ، فلم يشتك منه التعب ، مع طوله ، لأنه هو السفرعلى الحقيقة . وأما الأخير ، فالظاهر أنه بعض يوم ، لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة ، فالظاهر أنهم باتوا عندها ، ثم ساروا من الغد ، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه { آتِنَا غَدَاءَنَا ْ } فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده .

ومنها : أن ذلك العبد الذي لقياه ، ليس نبيا ، بل عبدا صالحا ، لأنه وصفه بالعبودية ، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم ، ولم يذكر رسالته ولا نبوته ، ولو كان نبيا ، لذكر ذلك كما ذكره غيره .

وأما قوله في آخر القصة : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ْ } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث ، كما يكون لغير الأنبياء ، كما قال تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ْ } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ْ }

ومنها : أن العلم الذي يعلمه الله [ لعباده ]{[496]}  نوعان :

علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده . ونوع علم لدني ، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ْ }

ومنها : التأدب مع المعلم ، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب ، لقول موسى عليه السلام :

{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ْ } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة ، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا ، وإقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر ، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه ، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه ، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه ، وهو جاهل جدا ، فالذل للمعلم ، وإظهار الحاجة إلى تعليمه ، من أنفع شيء للمتعلم .

ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه ، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر .

ومنها : تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ، ممن مهر فيه ، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة .

فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين ، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم ، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ، ما ليس عنده ، فلهذا حرص على التعلم منه .

فعلى هذا ، لا ينبغي للفقيه المحدث ، إذا كان قاصرا في علم النحو ، أو الصرف ، أو نحوه من العلوم ، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه ، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها .

ومنها : إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى ، والإقرار بذلك ، وشكر الله عليها لقوله : { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ْ } أي : مما علمك الله تعالى .

ومنها : أن العلم النافع ، هو العلم المرشد إلى الخير ، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق{[497]}  الخير ، وتحذير عن طريق الشر ، أو وسيلة لذلك ، فإنه من العلم النافع ، وما سوى ذلك ، فإما أن يكون ضارا ، أو ليس فيه فائدة لقوله : { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ْ }

ومنها : أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم ، وحسن الثبات على ذلك ، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم{[498]}  فمن لا صبر له لا يدرك العلم ، ومن استعمل الصبر ولازمه ، أدرك به كل أمر سعى فيه ، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه .

ومنها : أن السبب الكبير لحصول الصبر ، إحاطة الإنسان علما وخبرة ، بذلك الأمر ، الذي أمر بالصبر عليه ، وإلا فالذي لا يدريه ، أو لا يدري غايته ولا نتيجته ، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ْ } فجعل الموجب لعدم صبره ، وعدم إحاطته خبرا بالأمر .

ومنها : الأمر بالتأني والتثبت ، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء ، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود .

ومنها : تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة ، وأن لا يقول الإنسان للشيء : إني فاعل ذلك في المستقبل ، إلا أن يقول { إِنْ شَاءَ اللَّهُ ْ }

ومنها : أن العزم على فعل الشيء ، ليس بمنزلة فعله ، فإن موسى قال : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ْ } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل .

ومنها : أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء ، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها ، فإن المصلحة تتبع ، كما إذا كان فهمه قاصرا ، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها ، أو لا يدركها ذهنه ، أو يسأل سؤالا ، لا يتعلق في موضع البحث .

ومنها : جواز ركوب البحر ، في غير الحالة التي يخاف منها .

ومنها : أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله ، ولا في حقوق العباد لقوله : { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ْ }

ومنها : أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم ، العفو منها ، وما سمحت به أنفسهم ، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون ، أو يشق عليهم ويرهقهم ، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة ، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر .

ومنها : أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها ، وتعلق بها الأحكام الدنيوية ، في الأموال ، والدماء وغيرها ، فإن موسى عليه السلام ، أنكر على الخضر خرقه السفينة ، وقتل الغلام ، وأن هذه الأمور ظاهرها ، أنها من المنكر ، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها ، في غير هذه الحال ، التي صحب عليها الخضر ، فاستعجل عليه السلام ، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة ، ولم يلتفت إلى هذا العارض ، الذي يوجب عليه الصبر ، وعدم المبادرة إلى الإنكار .

ومنها : القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين ، بتفويت أدناهما ، فإن قتل الغلام شر ، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما ، أعظم شرا منه ، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته ، وإن كان يظن أنه خير ، فالخير ببقاء دين أبويه ، وإيمانهما خير من ذلك ، فلذلك قتله الخضر ، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ، ما لا يدخل تحت الحصر ، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها ، داخل في هذا .

ومنها : القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره ، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة ، أنه يجوز ، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير " كما خرق الخضر السفينة لتعيب ، فتسلم من غصب الملك الظالم . فعلى هذا لو وقع حرق ، أو غرق ، أو نحوهما ، في دار إنسان أو ماله ، وكان إتلاف بعض المال ، أو هدم بعض الدار ، فيه سلامة للباقي ، جاز للإنسان بل شرع له ذلك ، حفظا لمال الغير ، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير ، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز ، ولو من غير إذن .

ومنها : أن العمل يجوز في البحر ، كما يجوز في البر لقوله : { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ْ } ولم ينكر عليهم عملهم .

ومنها : أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته ، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة ، لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين ، لهم سفينة .

ومنها : أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ْ }

ومنها : أن القتل قصاصا غير منكر لقوله { بِغَيْرِ نَفْسٍ ْ }

ومنها : أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه ، وفي ذريته .

ومنها : أن خدمة الصالحين ، أو من يتعلق بهم ، أفضل من غيرها ، لأنه علل استخراج كنزهما ، وإقامة جدارهما ، أن أباهما صالح .

ومنها : استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ْ } وأما الخير ، فأضافه إلى الله تعالى لقوله : { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ْ } كما قال إبراهيم عليه السلام { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ْ } وقالت الجن : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ْ } مع أن الكل بقضاء الله وقدره .

ومنها : أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ، ويترك صحبته ، حتى يعتبه ، ويعذر منه ، كما فعل الخضر مع موسى .

ومنها : أن موافقة الصاحب لصاحبه ، في غير الأمور المحذورة ، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها ، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة .

ومنها : أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح ، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته ، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا ، وهي صلاح دينه ، كما في قضية الغلام ، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة ، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه ، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة .


[495]:- كذا في النسختين، ومراد المؤلف -رحمه الله- النفي أي: ما أتيت.
[496]:- زيادة من هامش: ب.
[497]:- في ب: لطريق.
[498]:- بدلا من الجملة: (أنه يفوته ....كثير من العلم) جاء في ب: (أنه ليس بأهل لتلقي العلم) وجاءت هذه الجملة في: أ مشطوبة.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

ابن رشد: سُئِلَ مالكٌ عن قول الله عز وجل: {فأَرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهما} ما الأَشُدُّ؟ قال: الحُلُمُ، وقال مالكٌ: قال الله تعالى: {ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فالأَشُدُّ هاهنا: الحُلُمُ...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول صاحب موسى: وأما الحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنزلهما.

اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز؛ فقال بعضهم: كان صُحُفا فيها علِم مدفونة... وقال آخرون: بل كان مالاً مكنوزا... عن عكرمة... قال: كنز مال. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب: القول الذي قاله عِكْرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كلّ ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك...

وقوله:"وكان أبُوهُما صَالِحا فأرَادَ رَبّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدّهُما" يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته، "رحمة من ربك "بهما، يقول: فعلت هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين... قال ابن عباس، في قوله "وَكانَ أبُوهُما صالِحا" قال: حُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح...

وقوله: "وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي" يقول: وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به... وقوله: "ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا" يقول: هذا الذي ذكرت لك من الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها مني "تأويل"؛ يقول: ما تؤول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها وإنكارك لها صبرا.

وهذه القصص التي أخبر الله عزّ وجلّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدمٌ إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذّبوه واستهزؤوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى، إذ لم يكن عالما بعواقبها، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة، ينبئ عن صحة ذلك قوله: "وَرَبّكَ الْغَفُورُ ذُو الرّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجّلَ لَهُمْ العَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا". ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلم نبيه أن تركه جلّ جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين، بغير نظر منه لهم، وإن ذلك فيما يَحْسِب من لا علم له بما الله مدبر فيهم، نظرا منه لهم، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} الآية؛ فيه دلالة على أن الله يحفظ الأولاد لصلاح الآباء... ونحوه قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} [الفتح: 25]، فأخبر بدفع العذاب عن الكفار لكون المؤمنين فيهم، ونحوه قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33]...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أَما تسويةُ الجدارِ فلاستبقاءِ كنزِ الغلامَيْن وترْكِ طلبِ الرِّفْقِ من الخَلْق...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحاً} اِعتِدادٌ بصَلاح أبيهما وحِفْظٌ لِحَقِّه فيهما...

{وَمَا فَعَلْتُهُ}... {عَنْ أَمْرِي} عن اجتهادي...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... وجاء في أنباء الخضر عليه السلام في أول قصة {فأردتُ أنْ أعيبَها} [الكهف: 79] وفي الثانية {فأردْنا أن يُبَدِّلَهما} وفي الثالثة {فأراد ربُّكَ أنْ يَبْلُغا} وإنما انفرد أولاً في الإرادة لأنها لفظةُ عيبٍ، فتأدَّبَ بأنْ لم يُسنِد الإرادةَ فيها إلا إلى نفسه، كما تأدَّب إبراهيم عليه السلام في قوله {وإذا مَرِضْتُ فهو ييَشْفِين} [الشعراء: 80]، فأَسنَد الفعلَ قبلُ وبعدُ إلى الله تعالى، وأَسنَد المرضَ إلى نفسه، إذ هو معنَى نقْصٍ ومصيبةٍ، وهذا المَنزِع يطَّرد في فصاحة القرآن كثيراً... وإنما قال الخضر في الثانية {فأرَدْنا} لأنه أملٌ قد كان رواه هو وأصحابه الصالحون، وتكلَّم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنَّى البديل لهما،... وإنما أَسنَد الإرادة في الثالثة... إلى الله تعالى، لأنها في أمرٍ مستأنَفٍ في زمن طويل غيبٍ من الغيوب، فحَسُنَ إفادةُ هذا الموضع بذِكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد أيضاً ذلك الذي أَعلَمه اللهُ أنه يريده، فهذا توجيهُ فصاحةِ هذه العبارة بحسب فهْمنا المُقَصِّر، والله أعلم... والأَشُدُّ» كَمالُ الخَلْقِ والعقلِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... {رحمةً مِن ربِّكَ} يعني إنما فعلتُ هذه الفِعالَ لِغرضِ أن تَظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسْرِها تَرجِع إلى حرفٍ واحدٍ وهو تحمُّل الضَّررِ الأدنى لِدَفْع الضرر الأعلى... {وما فَعلتُه عن أمْري}... وإنما فَعَلْتُه بأمْر الله ووحْيِه لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقةِ دمائهم لا يجوز إلا بالوحي والنّصِّ القاطعِ...

بَقِيَ في الآية سؤالٌ، وهو أنه قال:...

{فأَرَدْنا أَنْ يُبَدِّلَهما ربُّهما خَيْراً منه زكاةً} وقال: {فأرادَ ربُّكَ أنْ يَبْلُغا أَشُدَّهما} كيف اختلفتِ الإضافةُ في هذه الإراداتِ...

وهي... في قصةٍ واحدةٍ وفِعْلٍ واحدٍ؟ والجواب: أنه... لَمّا ذَكَر القتلَ عَبَّر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العُظَماء في علوم الحِكْمة فلم يُقْدِمْ على هذا القتل إلا لِحِكمةٍ عاليةٍ،...

ولَمّا ذَكر رعايةَ مصالحِ اليتيميْن لأجل صلاحِ أبيهما أضافه إلى الله تعالى، لأن المُتكفِّل بمصالح الأبناء لرعاية حَقِّ الآباءِ ليس إلا اللهَ سبحانه وتعالى...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

... قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى:"الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصيرا" [الحج: 75] وقال تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالته "[الأنعام: 241] وقال تعالى: "كان الناس أمه واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" [البقرة: 213] [الآية] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو ما قاله عليه الصلاة والسلام: (إن روح القدس نفث في روعي...) الحديث...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولَمّا كانت القريةُ لا تُنافي التسميةَ بالمدينة، وكان التعبيرُ بالقرية أولاً ألْيَقَ، لأنها مشتقّةٌ منْ معنى الجَمْع، فكان أَلْيَقَ بالذّمّ في ترك الضيافة لإشعاره ببُخلهم حالةَ الاجتماع وبمحبّتهم للجمع والإمساكِ، وكانت المدينةُ بمعنى الإقامة، فكان التعبيرُ بها أَلْيَقَ للإشارة به إلى أن الناس يُقيمون فيها، فيَنْهَدم الجدارُ وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: {في المدينةِ} فلذلك أَقَمْتُه احتساباً.. {فأراد ربُّكَ} أي المُحْسِنُ إليك بهذه التربية، إشارةً إلى ما فَعل بك مِن مِثلِها قبل النبوة...

{أَشُدَّهُمَا} أي رُشْدَهما... {ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهما} لِيَنْتَفِعا به ويَنْفَعا الصالحين {رحمةً} بهما {مِنْ رَبِّكَ} أي الذي أَحْسَنَ تربيتَكَ وأنتَ في حُكْم اليتيمِ...

{تأويلُ ما لم تَسْطِعَ} يا موسى {عليه صَبْراً} وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك -بعد كشْف الغطاء- في حيز ما يُحمَل فكان مُنكِره غيرَ صابرٍ أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول الأمر...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَأَمَّا الْجِدارُ} المَعْهودُ {فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ في المدينةِ}... ولعل التعبيرَ عنها بالمدينة لإظهار نوعِ اعتدادٍ بها باعتدادِ ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالحِ...

{فَأَرَادَ رَبُّكَ} أي مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمورِك، ففي إضافة الربِّ إلى ضمير موسى عليه الصلاة والسلام دونَ ضميرِهما تنبيهٌ له عليه الصلاة والسلام على تحتُّم كمالِ الانقيادِ والاستسلامِ لإرادته سبحانه ووجوبِ الاحترازِ عن المناقشة فيما وَقَع بحسَبها من الأمور المذكورة...

{وَيَسْتَخْرِجَا} بالكُلِّيَّةِ {كَنزَهُمَا} مِن تحتِ الجدارِ ولولا أني أقمتُه لانقَضَّ وخَرج الكنزُ من تحته قبل اقتدارِهما على حِفظ المال وتنميتِه وضاعَ... {ذَلِكَ} إشارة إلى العَواقب المنظومةِ في سِلْك البَيان، وما فيه معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِها في الفخامة...

{تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع}... {عَّلَيْهِ صَبْراً} من الأمور التي رابَتْه... فيكون إنجازاً للتَّنْبئة الموعودةِ، أو إلى البيان نفسه فيكون التأويلُ بمعناه، وعلى كل حالٍ فهو فَذْلَكَةٌ لِما تقدَّم، وفي جعْل الصلة عينَ ما مَرَّ تكريرٌ للنَّكِير وتشديدٌ للعِتاب...

{وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} من تحت الجدار، ولو انقَضَّ قبل ذلك لَظَهَر الكنزُ، وأخَذه غيرُ أهلِه قَهْراً أو سرقةً، ولو أخَذه اليتيمان قبل أشُدِّهِما لَضَيَّعاه، وكان وَصِيُّهما عالِماً به، لكنه غاب هذا على موسى إذ قال إقامةُ هذا الجدار بدون أن تُطْلَب إِليها فضولٌ وتبرُّعٌ على مَن حَرَمُونا...

{تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} تَسْتَطِعْ حُذفت التاءُ تخفيفاً بحذف أحد المتقاربين التاء والطاء في آخر الكلام، كما أن العياء قد لحِقهما بالعتاب، وكما أن موسى يفارق الخضر وبقيَ الخضر مُنفرِداً، كما بقيت الطاء، ولم يكن ذلك في الأول لعدم موجِب التخفيف وهو العياء، وإنما حصل التكرير بالأخير، فخُفِّف ولا يخفف لفظ "ذلك "عن هذا فيقال: ذاك، خُفِّف استطاع بحذف التاء... كما يُصَغَّرُ الاسمُ أو يُرَخَّمُ للتّرحُّم، ولِعِظَمها أشار بالعبد، وهنا أَنجز الموعودَ...

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{وما فَعَلْتُه عن أمْرِي}... إن هذه الأعمال ليست من جنس أعمال الناس، بل هي من أعمال الله، وإنما كنت واسطةً فيها، فهي نماذجُ لفِعل ربِّكم في هذه الحياة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم ينفض الرجل يده من الأمر. فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره. فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه (رحمة من ربك وما فعلته عن أمري).. فالآن ينكشف الستر عن حكمة ذلك التصرف، كما انكشف عن غيب الله الذي لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى. وفي دهشة السر المكشوف والستر المرفوع يختفي الرجل من السياق كما بدا. لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول. فالقصة تمثل الحكمة الكبرى. وهذه الحكمة لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار. ثم تبقى مغيبة في علم الله وراء الأستار. وهكذا ترتبط -في سياق السورة- قصة موسى والعبد الصالح، بقصة أصحاب الكهف في ترك الغيب لله، الذي يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر، الواقفون وراء الأستار، لا يكشف لهم عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار ...

...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{رحمةً من ربّك وما فعلتُهُ عن أمري} تصريح بما يزيل إنكار موسى عليه تصرفاته هذه بأنها رحمة ومصلحة فلا إنكار فيها بعد معرفة تأويلها. ثم زاد بأنه فعلها عن وحي من الله لأنه لما قال {وما فعلته عن أمري} علم موسى أنّ ذلك بأمر من الله تعالى لأنّ النبي إنما يتصرف عن اجتهاد أو عن وَحي، فلما نفى أن يكون فعله ذلك عن أمر نفسه تعيّن أنه عن أمر الله تعالى. وإنما أوثر نفي كون فعله عن أمر نفسه على أن يقول: وفعلته عن أمر ربّي، تكملة لكشف حيرة موسى وإنكاره، لأنه لما أنكر عليه فعلاته الثلاث كان يؤيد إنكاره بما يقتضي أنه تصرفٌ عن خطأ...

واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلاً بنوا عليه قواعد موهومة؛ فأول ما أسسوه منها أنّ الخضر لم يكن نبيئاً وإنما كان عبداً صالحاً، وأن العِلم الذي أوتيه ليس وحياً ولكنه إلهام، وأن تصرفه الذي تصرفه في الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية، وأن الخضر منحهُ الله البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعاً لتلقي العلوم الباطنية، وأنه يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقّيه. وبَنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحي، وسموه الوحي الإلهامي، وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام، وقد فصله الشيخ محيي الدين ابن العربي في الباب الخامس والثمانين من كتابه « الفتوحات المكية»، وبيّن الفرق بينه وبين وحي الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورةً في الأبواب الثالث والسبعين، والثامن والستين بعد المائتين، والرابع والستين بعد ثلاثمائة، وجزم بأن هذا الوحي الإلهامي لا يكون مخالفاً للشريعة، وأطال في ذلك، ولا يخلو ما قاله من غموض ورموز، وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ما يسمى بالإلهام حجّة، وعرفوه بأنه إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، وأبطلوا كونه حجّة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوماً ولتفاوت مراتب الكشف عندهم. وقد تعرض لها النسفي في « عقائده»، وكل ما قاله النسفي في ذلك حق، ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط.

والأظهر أن الخضر نبيء عليه السلام وأنه كان موحىً إليه بما أوحي، لقوله {وما فعلته عن أمري}، وأنه قد انقضى خبره بعد تلك الأحوال التي قصّت في هذه السورة، وأنه قد لحقه الموت الذي يلحق البشر في أقصى غاية من الأجل يمكن أن تفرض، وأن يحمل ما يعْزى إليه من بعض الصوفية الموسومين بالصدق أنه محوك على نسج الرمز المعتاد لديهم، أو على غشاوة الخيال التي قد تخيم عليهم.

فكونوا على حذر ممن يقول: أخبرني الخَضر.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

... يلفت نظرنا في هذه القصة عدة نقاط:

الأسلوب الوديع الذي يعبّر عن روح التواضع للعلم والعلماء، من دون نظر إلى طبيعة المركز الاجتماعي أو الديني الذي يقف فيه العالم والمتعلم، فنحن نجد الأدب الرسالي في هذه الكلمات الهادئة المتعطشة للعلم التي خاطب بها موسى (عليه السلام) هذا العبد الصالح: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً».

الأسلوب الواقعي الذي يعبِّر عن الروح العملية التي يعيشها العالم تجاه المتعلمين، بعيداً عن أيّة مجاملة تفرضها الأوضاع الاجتماعية، أو أيّ أسلوب من أساليب اللف والدوران التي تحاول خداع الآخرين، لتجعل منهم أرقاماً تضاف إلى أرقام الأتباع الموجودين الذين يشاركون في تضخيم شخصية الأستاذ، من دون ملاحظة لاستفادتهم منه أو قابليتهم للتعلُّم والانتفاع بعلمه. فقد لاحظ هذا العبد الصالح أنه يختلف عن الآخرين في طبيعة معرفته بالواقع، فهم يلتقون بالجانب الظاهر منه، بينما يعتبر نفسه مطلعاً على الجوانب التي تختفي وراء الصور الظاهرية المألوفة للأشياء، ما يجعلهم يرفضون أو لا يتحملون طريقته في العمل وأسلوبه في معالجة هذا الواقع، وسوف لن يتقبلوها في نهاية المطاف. وبذلك تفقد الصحبة فائدتها، وتتحول إلى مزيد من المجادلات والمخاصمات التي لن تكون في مصلحة أحدٍ، ولا في مصلحة الحقيقة على أي حال. وعلى ضوء هذا، أوضح له طبيعة سلوكه الذي يتعارض مع المألوف، وأعلن له مقدّماً أنه أي موسى (عليه السلام) لن يستطيع معه صبراً، لأن الإنسان لا يملك الصبر على ما لم يُحط بمعرفته، فلم يكن من موسى (عليه السلام) إلا أن وعده بالصبر والطاعة المطلقة... وكانت تعليمات العبد الصالح أن لا يسأله موسى (عليه السلام) عن كل شيء يشاهده ويثير استغرابه، أو يرسم علامات الاستفهام في ذهنه، مهما كان الشيء مثيراً أو غريباً... وينتظر حتى يبدأه هو بالحديث عنه وعن كل شيء شاهده ورآه. وبهذا كانت العلاقة المتبادلة بينهما علاقة صحبة ترتكز على السعي نحو المعرفة في إطار من الانضباط والواقعية.

إن القضايا التي قام بها هذا العبد الصالح، كانت تتحدى صبر موسى (عليه السلام) بما أثارته من خروج عن الخط الشرعي، كما في قضية قتل الغلام، وخرق السفينة، لما في الأول من اعتداء على الأموال وتعريض الآخرين للخطر من دون حق، ولما في الثاني من اعتداء على الحياة بدون ذنب، وكما في حادثة تثبيت الجدار وما أظهرته من إهمال لمبدأ استغلال الطاقة التي يملكها الإنسان، من أجل حماية نفسه من الجوع، لا سيما مع الأشخاص الذين لا يعيشون القيم في حياتهم العامة... ولهذا كانت احتجاجات موسى (عليه السلام) تتلاحق وتشتد في كل حالة من هذه الحالات، حتى كانت الحالة الأخيرة التي سبقها التعهُّد الأخير بالصبر من قِبَل موسى (عليه السلام)، وإعطاء صاحبه الحرية في أن يفارقه، إذا استمر في إثارة السؤال وفي نفاد الصبر. وهكذا كان، ولم يستطع موسى (عليه السلام) الصبر في الحالة الأخيرة، وبدأ العبد الصالح، بعد أن نفّذ تهديده بالفراق، يشرح لموسى (عليه السلام) كل شيء، ويوضح له طبيعة الأعمال التي أثارت استنكاره، وكيف كانت مرتبطة بأمر الله، لا برأيه الشخصي. وليس من شأن هذا البحث، أن ندخل في الحديث حول تقييم هذه الأعمال، من حيث انسجامها مع الخطوط المألوفة للشريعة، أو اختلافها عنها، وخضوعها لحالة استثنائية اقتضتها طبيعة تلك الحالات الخاصة... فإن لذلك بحثاً آخر، لا مجال له الآن. بل كل ما نريده هو الاستفادة من الجو الذي عشناه في هذا الحوار، بتقرير فكرتين أساسيتين، تدخلان في نطاق عمل الداعية إلى الله والعامل في سبيل رسالته..

أ -إن على الداعية أن يعيش الانضباط والصبر والصمت في الحياة العملية التي تتحرك في اتجاه ممارسته المسؤولية، إذا كانت الجهة التي يتبعها أو يتعاون معها في مستوى الثقة الفكرية والدينية والعملية التي تبرِّر له أمر الاعتماد عليها، والسير معها، فلا يسارع إلى الاعتراض في ما يوجّه إليه من أوامر، وما يشاهده من أعمال تخالف ما هو مألوف لديه، لأن ذلك قد يوجب الارتباك في العمل، والخلل في انضباط الصفوف... بل يؤخِّر ذلك إلى الظرف المناسب والمكان المناسب، حيث يكون، من الممكن، من وجهةٍ عملية، القيام بما يريده من إثارة السؤال والجواب.

ب- إن على المؤمنين أن يتقبلوا بالصبر والتسليم ما يُلقى إليهم من أحكام الله، مما لا يتفق مع الأفكار التي يألفونها، لأن الله سبحانه أعلم بجهات الصلاح والفساد، فإذا حدثت لديهم شبهةٌ في أي أمر من ذلك، فليتهموا أفكارهم في البداية وليحاولوا البحث بعد ذلك عن طبيعة الحكم وحيثيته، ليصلوا إليه، في نهاية المطاف.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

1 ـ هل كانت مهمّة الخضر في إطار النظام التشريعي أم التكويني!؟

إِنَّ هذه الحوادث الثّلاث شغلت عقول العلماء الكبار، وأثارت بينهم الكثير من الكلام والاستفهامات. والسؤال الأوّل هو: هل يمكن إِتلاف جزء مِن أموال شخص بدون إِجازته بذريعة أنَّ هُناك غاصباً يريد أن يُصادرها؟ وهل يمكن معاقبة فتى بذريعة الأعمال التي سيقوم بها في المستقبل؟ ثمّ هل هُناك ضرورة للعمل المجاني بهدف الحفاظ على أموال شخص معين؟

لقد رأينا مِن سياق القصّة القرآنية أنَّ موسى اعترض على الرجل العالم، ولكنَّهُ بعد أن استمع للتوضيحات وأحاط ببواطن الأُمور عاد واقتنع. أمّا نحن فأمامنا طريقان للإِجابة على الأسئلة، نعرضها بالتفصيل الآتي:

الطريق الأوّل: أن نطابق الحوادث وتصرفات الرجل العالم مع الموازين الفقهية، وقوانين الشرع، وقد قامت مجموعة مِن المفسّرين بسلوك هذا الطريق. فالحادثة الأُولى اعتبروها مُنطبقة مع قانون الأهم والمهم؛ وقالوا بأنَّ حفظ مجموع السفينة عمل أهم حتماً مِن الضرر الجزئي الذي لحقها بالخرق؛ وبعبارة أُخرى، فإِنّ الخضر قام هُنا (بدفع الأفسد بالفاسد) خاصّة وأنَّهُ كان يُمكن تقدير الرضا الباطني لأهل السفينة فيما إِذا علموا بهذه الحادثة. (أي أنَّ الخضر قد حصل مِن وجهة الأحكام والقواعد الشرعية على إِذن الفحوى). وفيما يتعلق بالغلام فقد أصرَّ المفسّرون ممن سلك هذا الطريق، على أنَّ الفتى كانَ بالغاً وأنَّهُ كان مرتداً أو مفسداً، وبسبب أعماله الفعلية فإِنَّهُ مِن الجائز أن يُقتل. وأمّا حديث الخضر عن جرائم الغلام المستقبلية، فإِنَّهُ بذلك أراد أن يقول بأن جرائم هذا الغلام لا تقتصر على إِفساده الراهن وجرائمه الحالية، بل سيقوم بالمستقبل بجرائم أكبر، لذا فإِنَّ قتله طبقاً للموازين الشرعية وبسبب ما اقترفه من جرائم فعلية يكون جائزاً. أمّا ما يخص الحادثة الثّالثة، فلا أحد يستطيع أن يعترض على الآخرين فيما لو قاموا بالتضحية والإِيثار مِن أجل الآخرين، ومِن أجل أن لا تضيع أموالهم دون أن يتقاضوا أجراً على أعمالهم، وهو بالضبط ما قام بهِ الخضر، وقد لا تصل هذه الافعال إلى حدّ الوجوب، إِلاَّ أنّها تعتبر ـ حتماً ـ مِن السلوك الحسن. بل قد يُقال مِن الوجهة الفقهية أنّ الإِيثار والتضحية في بعض الموارد مِن الأُمور الواجبة، مثل أن تكون أموال كثيرة لطفل يتيم معرضة للتلف، ويمكن المحافظة عليها بجهد قليل فلا يستبعد وجوب بذل الجهد.

الطريق الثّاني: تتمّ فيه مناقشة بعض عناصر الاستدلال الفقهية التي وردت في الطريق الأوّل، فإِذا كانت التوضيحات الآنفة مُقنعة فيما يخص الكنز والحائط، إِلاَّ أنّها في قضية قتل الغلام لا تتلاءم مع ظاهر الآية، الذي اعتبر علّة قتل الغلام هو ما سيقوم بهِ مِن أعمال في المستقبل، وليسَ أعماله الفعلية. أمّا الدليل الوارد حول خرق السفينة، فهو أيضاً لا يخلو من تأمل فهل نستطيع مثلا ـ ومِن الوجهة الفقهية ـ أن نتلف جزءاً مِن أموال أو بيت شخص معين بدون علمه لإنقاذها مِن خطر ما، حتى لو علمنا وتيقنا بأنَّهُ سيتمّ غصب تلك الأموال في المستقبل... تُرى هل يسمح الفقهاء بمثل هذا الحكم؟! وعلى هذا الأساس يجب علينا أن نسلك طريقاً آخر:

الطريق الثّالث: إِنَّ في هذا العالم ثمّة نظامان هما: «النظام التكويني،والنظام التشريعي»، وبالرغم مِن أنَّ هذين النظامين مُتناسقين فيما بينهما في الأصول الكلية، ولكنهما قد ينفصلان ويفترقان في الجزئيات. على سبيل المثال، يقوم الله سبحانه وتعالى ومِن أجل اختبار العباد، بابتلائهم بالخوف ونقص في الأموال والثمرات وموت الأعزّة وفقدانهم حتى يتبيّن الصابر مِن غيره تجاه هذه الحوادث والبلاءات. والسؤال هنا هو: هل يستطيع أي فقيه أو حتى نبي أن يقوم بهذا العمل، أي ابتلاء العباد بنقص الأموال والثمرات وفقدان الأعزة، وفقدان الأمن والاستقرار بهدف اختبار الناس وابتلائهم؟ ونرى أنَّ الله سبحانهُ وتعالى يقوم بتحذير وتربية بعض أنبيائه وعباده الصالحين، وذلك بابتلائهم بمصائب بسبب تركهم للأولى، مثل ما ابتلى بهِ يعقوب (عليه السلام) بسبب قلّة توجهه إلى المساكين، أو ما ابتلى بهِ يونس (عليه السلام) بسبب تركه الأُولى مِن بعض الأُمور ولو لفترة قصيرة... فهل يا ترى يحق لأحد أن يقوم بهذه الأعمال بعنوان الجزاء والعقاب لهؤلاء الرسل الكرام والعباد الصالحين؟ ونرى أنَّ الله سبحانه وتعالى يقوم في بعض الأحيان، بسلب النعمة مِن الإِنسان بسبب عدم شكره، كأن تغرق أمواله في البحر ـ مثلا ـ يخسر هذه الأموال، أو يُصاب بالمرض بسبب عدم شكره لربِّه على نعمة السلامة... والسؤال هنا: هل يستطيع أحد مِن الناحية الفقهية والتشريعية أن يسلب النعمة مِن الآخرين، أو ينزل الضرر بسلامتهم وصحتهم بسبب عدم شكرهم وبدعوى ابتلائهم؟ إِنَّ أمثال هذه الأُمور كثيرٌ للغاية، وهي تُظهر ـ بشكل عام ـ أنَّ عالَم الوجود، وخصوصاً خلق الإِنسان، قد قام على النظام الأحسن، حيث وضعَ الله تعالى مجموعة مِن القوانين والمقررات التكوينية حتى يسلك الإِنسان طريق التكامل، وعندما يتخلف عنها فسيُصاب بردود فعل مُختلفة. ولكنّا مِن وُجهة قوانين الشرع وضوابط الأحكام لا نستطيع أن نصنِّف الأُمور في إِطار هذه القوانين التكوينية. على سبيل المثال نرى أنّ الطبيب يستطيع أن يقطع إصبع شخص معين بحجّة عدم سراية السم إلى قلبه، ولكن هل يستطيع أي شخص أن يقطع إِصبع شخص آخر بحجّة تربيته على الصبر أو عقاباً لهُ على كفرانه للنعم؟ (بالطبع الخالق يستطيع القيام بذلك حتماً لأنَّهُ يُلائم النظام الأحسن). والآن بعد أن ثبت وتوضح أنّ في العالم نظامان (تكويني وتشريعي)، وأنَّ الله هو الحاكم والمسيطر على هذين النظامين، لذا فلا مانع في أن يأمر تعالى مجموعة بأن تطبّق النظام التشريعي، بينما يأمر مجموعة مِن الملائكة أو بعض البشر (كالخضر مثلا) بأن يطبقوا النظام التكويني. ومِن وجهة النظام التكويني لا يوجد أي مانع في أن يبتلي الله طفلا غير بالغ بحادثة معينة، ثمّ يموت ذلك الطفل بسبب هذه الحادثة، وذلك لعلم الله تعالى بأنَّ أخطاراً كبيرة كامنة لهذا الطفل في المستقبل كما أنَّ وجود مثل هؤلاء الأشخاص وبقاءهم يتمّ لمصلحة معينة كالامتحان والابتلاء وغير ذلك. وأيضاً لا مانع في أن يبتليني الله اليوم بمرض صعب يقعدني الفراش لعلمه تعالى بأنَّ خروجي مِن البيت لو تمّ فسأتعرض لحادثة خطيرة لا أستحقها، لذا فهو تعالى يمنعني مِنها...