{ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } في موضع جرّ على أنه نعت { لأولي } [ آل عمران : 190 ] ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح ، وجعله مبتدأ والخبر محذوف تقديره يقولون : ربنا آمنا بعيد لما فيه من تفكيك النظم ، ويزيده بعداً ما أخرجه الأصبهاني في «الترغيب » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينادي مناد يوم القيامة أين أولو الألباب ؟ قالوا : أي أولي الألباب تريد ؟ قال : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } الخ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم ادخلوها خالدين " والظاهر أن المراد من الذكر الذكر باللسان لكن مع حضور القلب إذ لا تمدح بالذكر بدونه بل أجمعوا على أنه لا ثواب لذاكر غافل ، وإليه ذهب كثير ، وعدّ ابن جريج قراءة القرآن ذكراً فلا تكره للمضطجع القادر ، نعم نص بعض الشافعية على كراهتها له إذا غطى رأسه للنوم ، وقال بعض المحققين : المراد به ذكره تعالى مطلقاً سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال ، وسواء قارنه ذكر اللسان أو لا ، والمعنى عليه الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته ، وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن الزبير ، وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم : أما قال الله تعالى : { يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها وليس مرادهم به تفسيرها وتحقيق مصداقها على التعيين وإلا لاضطجعوا وذكروا أيضاً ليتم التفسير وتحقيق المصداق .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في الآية أنه قال : إنما هذا في الصلاة إذا لم تستطع قائماً فقاعداً وإن لم تستطع قاعداً فعلى جنب ، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين ، وكانت به بواسير كما أخرجه البخاري عنه وبهذا الخبر احتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقادم بدنه ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وجعل الآية حجة على ذلك بناءاً على أنه لما حصر أمر الذاكر في الهيئات المذكورة دل على أن غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته محل تأمل ، وتخصيص ابن مسعود الذكر بالصلاة لا ينتهض حجة على أنه بعيد من سياق النظم الجليل وسباقه .
والقيام والقعود جمع قائم وقاعد كنيام ورقود جمع نائم وراقد ، وانتصابهما على الحالية من ضمير الفاعل في يذكرون ويحتمل أن يكونا مصدرين مؤولين بقائمين وقاعدين لتتأتى الحالية .
وقوله تعالى : { وعلى جُنُوبِهِمْ } متعلق بمحذوف معطوف على الحال أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين ، وجوز أن يقدر المتعلق المعطوف خاصاً أي ومضطجعين على جنوبهم ، والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارة إلى الدوام وانفهامه منها عرفاً مما لا شبهة فيه وليس المراد الدوام الحقيقي لاستحالته بل في غالب أحوالهم ، وبعضهم يأخذ الدوام من المضارع الدال على الاستمرار وكيفما كان فالمراد يذكرون الله تعالى كثيراً .
{ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ * السموات والارض } عطف على { يَذكرُونَ } وعطفه على الأحوال السابقة غير ظاهر وتقديم الذكر في تلك الحالات على التفكر لما أن فيهما الاعتراف بالعبودية ، والعبد مركب من النفس الباطنة والبدن الظاهر ، وفي الأول : إشارة إلى عبودية الثاني ، وفي الثاني : إشارة إلى عبودية الأول لأن التفكر إنما يكون بالقلب والروح ، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللطف ، وقيل : قدم الأول لأنه إشارة إلى النظر في الأنفس وأخر الثاني لأنه إشارة إلى النظر في الآفاق ولا شبهة في تقدم الأول على الثاني ، وصرح مولانا شيخ الإسلام بأن هذا بيان للتفكر في أفعاله تعالى ، وما تقدم بيان للتفكر في ذاته تعالى على الإطلاق ، والذي عليه أئمة التفسير أنه سبحانه إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته جل شأنه وعز سلطانه ، وقد ورد هذا النهي في غير ما حديث ، فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال : " لا تفكروا في الله تعالى ولكن تفكروا فيما خلق " وعن عمرو بن مرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال : " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق " وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تفكروا في آلاء الله تعالى ولا تفكروا في الله تعالى " ، وعن ابن عباس تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى إلى غير ذلك ففي كون الأول بياناً للتفكر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظر على أن بعض الفضلاء ذكر في تفسيره أن التفكر في الله سبحانه محال لما أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكل شيء محيط فتدبر ، وقيل : قدم الذكر على الدوام على التفكر للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له ، وأن العقل المخالف للشرع لبس الضلال ولا نتيجة لفكره إلا الضلال ، و الخلق إما بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق في السموات والأرض أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما ، أو على أنها بيانية أي في المخلوق الذي هو السموات والأرض ، وإما باق على مصدريته أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات ودقائق الأسرار ولطائف الحكم ويستدلون بذلك على الصانع ووحدته الذاتية وأنه الملك القاهر والعالم القادر والحكيم المتقن إلى غير ذلك من صفات الكمال ، ويجرّهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وتحقيق المعاد وثبوت الجزاء ، ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب البعيدة عن مظان الرياء كان من أفضل العبادات ، وقد أخرج أبو الشيخ في «العظمة » عن ابن عباس قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة ، وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء مثله ، وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة » ، وعنه أيضاً مرفوعاً بينما رجل مستلق ينظر إلى النجوم وإلى السماء فقال والله إني لأعلم أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله تعالى له فغفر له ، وأخرج ابن المنذر عن عون قال : سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر والاعتبار . وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن قيس قال : سمعت غير واحد لا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر ، واقتصر سبحانه على ذكر التفكر في خلق السموات والأرض ولم يتعرض جل شأنه لإدراج اختلاف الليل والنهار في ذلك السلك مع ذكره فيما سلف وشرف التفكر فيه أيضاً كما يقتضيه التعليل ، وظاهر ما أخرجه الديلمي عن أنس مرفوعاً «تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة » إما للإيذان بظهور اندراج ذلك فيما ذكر لما أن الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السموات والأرض على ما أشير إليه ، وإما للإشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة لمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في آثبات المطلوب .
{ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } الإشارة إلى السموات والأرض لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى المخلوق ، أو إلى الخلق على تقدير كونه بمعنى المخلوق ، وقيل : إليهما باعتبار المتفكر فيه وعلى كل فأمر الإفراد والتذكير واضح والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للإشارة إلى أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها استعظاماً لها ، ونظير ذلك قوله تعالى :
{ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } [ الإسراء : 9 ] والباطل العبث وهو ما لا فائدة فيه مطلقاً أو ما لا فائدة فيه يعتدّ بها ، أو ما لا يقصد به فائدة ، وقيل : الذاهب الزائل الذي لا يكون له قوة وصلابة ، ولا يخفى أنه قول لا قوة له ولا صلابة ، وهو إما صفة لمصدر محذوف أي خلقاً باطلاً ، أو حال من المفعول . والمعنى ربنا ما خلقت هذا المخلوق أو المتفكر فيه العظيم الشأن عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما ينبىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه ، بل خلقته مشتملاً على حكم جليلة منتظماً لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها ، ومن جملتها أن يكون مداراً لمعايش العباد ومناراً يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به كتبك وجاءت به رسلك .
والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر أي يقولون ربنا الخ ، وجملة القول حال من المستكن في يتفكرون أي يتفكرون في ذلك قائلين ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) ، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين . واعترض بأن النظم الكريم لا يساعده لما أن ما في حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادي الحكم الذي أجري على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم الله تعالى في عامة أوقاتهم وتفكرهم في خلق السموات والأرض فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآيات والاستدلال بها على المطلوب ، ولا ريب أن قولهم ذلك ليس من مبادىء الاستدلال المذكور بل من نتائجها المترتبة عليه فاعتباره قيداً لما في حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل ، فاللائق أن تكون جملة القول استئنافاً مبيناً لنتيجة التفكر ومدلول الآيات ناشئاً مما سبق فإن النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم بأولي الألباب ثم وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في مجال تلك الآيات تبقى مترقبة لما يظهر منهم من آثارها وأحكامها كأنه قيل : فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وما يترتب عليه من النتيجة ؟ فقيل : يقولون كيت وكيت مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلق المؤدي إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية وهذا على تقدير كون الموصول موصولاً نعتاً ، { لاِوْلِى } ( آل عمران ؛ 190 ) ، وأما على تقدير كونه مفصولاً منصوباً أو مرفوعاً على المدح مثلاً فتأتي الحالية من ذلك إذ لا اشتباه في أن قولهم هذا من مبادىء مدحهم ومحاسن مناقبهم ويكون في إبراز هذا القول في معرض الحال إشعار بمقارنته لتفكرهم من غير تردد وتلعثم في ذلك انتهى ، وهو كلام تلوح عليه أمارات التحقيق ومخايل التدقيق .
والقول بأن الحالية تجتمع مع كون القول المذكور من النتائج لا يخفى ما فيه ، ثم كون هذا القول من نتائج التفكر مما لا يكاد ينكره ذو فكر ، وتوضيح ذلك على رأي أن القوم لما تفكروا في مخلوقاته سبحانه ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم والأرض وما عليها من البحار والجبال والمعادن عرفوا أن لها رباً وصانعاً فقالوا ربنا ثم لما اعترفوا في أن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا تحيط بتفاصيلها الأفكار قالوا : { مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } ثم لما تأملوا وقاسوا أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها رأوا أنه لا بدّ وأن يكون الصانع منزهاً عن مشابهة شيء منها ، فإذن هو ليس بجسم ولا عرض ولا في حيز ولا بمفتقر ولا ، ولا *** فقالوا :
{ سبحانك } أي تنزيهاً لك مما لا يليق بك ، ثم لما استغرقوا في بحار العظمة والجلال وبلغوا هذا المبلغ الأعظم وتحققوا أن من قدر على ما ذكر من الإنشاء بلا مثال يحتذيه أو قانون ينتحيه واتصف بالقدرة الشاملة والحكمة الكاملة كان على إعادة من نطقت الكتب السماوية بإعادته أقدر ، وإن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم القلبية والقالبية طلبوا النجاة مما يحيق بالمقصرين ويليق بالمخلين فقالوا :
{ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أي فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة ، ومن هنا قيل : إن الفاء لترتب الدعاء بالاستعاذة من النار على ما دل عليه ربنا ما خلقت هذا باطلاً من وجوب الطاعة واجتناب المعصية كأنه قيل : فنحن نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك ، وسبحانك مصدر منصوب بفعل محذوف ، والجملة معترضة لتقوية الكلام وتأكيده ، ولا ينافي ذلك كونها مؤكدة لنفي العبث عن خلقه .
وبعضهم قال : بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض ، وجعل ما بعد الفاء مترتباً على التنزيه المدلول عليه بسبحانك وادعى أنه الأظهر لاندراج تنزهه تعالى عن ردّ سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه ، ولا يخفى تفرع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين ، وقيل : إنه جواب شرط مقدر وأن التقدير إذا نزهناك أو وحدناك فقنا عذاب النار الذي هو جزاء الذين لم ينزهوا أو لم يوحدوا .
واستدل الطبرسي بالآية «على أن الكفر والضلال والقبائح ليست خلقاً لله تعالى لأن هذه الأشياء كلها باطلة بالإجماع وقد نفى الله سبحانه ذلك حكاية عن أولي الألباب الذين رضي قولهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه فيجب بذلك القطع بأن القبائح كلها ليست مضافة إليه عز شأنه ومنفية عنه » خلقاً وإيجاداً وفيه نظر لأن الأشياء كلها سواء من حيث إنها خلق الله تعالى ومشتملة على المصالح والحكم كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى :
{ أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] وتفاوتها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض وكون بعضها متعلق الأمر والبعض الآخر متعلق النهي مثلاً لا باعتبار كون البعض مشتملاً على الحكمة والبعض الآخر عارياً عنها ، فالقبائح من حيث إنها خلق الله تعالى ليست باطلة لأن الباطل كما علمت هو ما لا فائدة فيه مطلقاً ، أو ما لا فائدة فيه يعتدّ بها أو ما لا يقصد به فائدة وهي ليست كذلك لاشتمالها في أنفسها على الحكم والفوائد الجمة التي لا يبعد قصد الله تعالى لها مع غناه الذاتي عنها ولا يشترط كون تلك الفوائد لمن صدرت على يده وإلا لزم خلو كثير من مخلوقاته تعالى عن الفوائد ، وتسميتها قبائح إنما هي باعتبار كونها متعلق النهي لحكمة أيضاً وهو لا يستدعي كونها خالية عن الحكمة بل قصارى ذلك أنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعاً المستدعي ذلك للعقاب عليها بسبب أن إفاضتها كانت حسب الاستعداد الأزلي فدعوى أن هذه الأشياء كلها باطلة ، باطلة كدعوى الإجماع على ذلك وكأن القائل لم يفهم معنى الباطل فقال ما قال .
واستدل بها بعضهم أيضاً على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وهو مبني ظاهراً على أن الباطل العبث بالمعنى الثالث وقد علمت أن معنى العبث ليس محصوراً فيه وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب كثير من المحققين لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير كما أشرنا إليه في البقرة .
واحتج حكماء الإسلام بها على أنه سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب وأودع فيها قوى مخصوصة وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح في هذا العالم لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع فقط لأن كل ذرة من ذرات الماء والهواء يشاركها في ذلك فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص ، وناقشهم المتكلمون في ذلك بأنه يجوز أن تكون الفلكيات أسباباً عادية للأرضيات لا حقيقية وأن التأثير عندها لا بها ويكفي ذلك فائدة لخلقها . وأنت تعلم أن القول بإيداع القوى في الفلكيات بل وفي جميع الأسباب مع القول بأنها مؤثرة بإذن الله تعالى مما لا بأس به بل هو المذهب المنصور الذي درج عليه سلف الأمة وحققناه فيما قبل وهو لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب ولا يزاحم جريان الأمور كلها بقضائه وقدره تعالى شأنه ، نعم القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلال واعتقاده كفر ، وعلى ذلك يخرج ما وقع في الخبر «من قال : أمطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله تعالى مؤمن بالكوكب ومن قال : أمطرنا بفضل الله تعالى فهو مؤمن بالله تعالى كافر بالكوكب » فليحفظ .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما } في مقام الروح بالمشاهدة و { قعوداً } في محل القلب بالمكاشفة { وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } أي تقلباتهم في مكامن النفس بالمجاهدة ، وقال بعضهم : ( الذين يذكرون الله قياماً ) أي قائمين باتباع أوامره و ( قعوداً ) أي قاعدين عن زواجره ونواهيه ( وعلى جنوبهم ) أي ومجتنبين مطالعات المخالفات بحال { وَيَتَفَكَّرُونَ } بألبابهم الخالصة عن شوائب الوهم { فِى خَلْقِ السموات والأرض } وذلك التفكر على معنيين ، الأول : طلب غيبة القلوب في الغيوب التي هي كنوز أنوار الصفات لإدراك أنوار القدرة التي تبلغ الشاهد إلى المشهود ، والثاني : جولان القلوب بنعت التفكر في إبداع الملك طلباً لمشاهدة الملك في الملك فإذا شاهدوا قالوا { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } بل هو مرايا لأسمائك ومظاهر لصفاتك ، ويفصح بالمقصود قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل
{ سبحانك } أي تنزيهاً لك من أن يكون في الوجود سواك { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران : 191 ] وهي نار الاحتجاب بالأكوان عن رؤية المكون
ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم : { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب ، ويدخل في ذلك الصلاة قائما ، فإن لم يستطع فقاعدا ، فإن لم يستطع فعلى جنب ، وأنهم { يتفكرون في خلق السماوات والأرض } أي : ليستدلوا بها على المقصود منها ، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين ، فإذا تفكروا بها ، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا ، فيقولون : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك ، بل خلقتها بالحق وللحق ، مشتملة على الحق .
{ فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات ، وتوفقنا للأعمال الصالحات ، لننال بذلك النجاة من النار .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم نعتهم، فقال سبحانه: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا}، يقول: عبثا لغير شيء، لقد خلقتهما لأمر قد كان، {سبحانك فقنا عذاب النار}.
...روي عن مالك: من قدر صلى قائما، فإن لم يقدر صلى معتمدا على عصا، فإن لم يقدر صلى جالسا، فإن لم يقدر صلى نائما على جنبه الأيمن، فإن لم يقدر صلى على جنبه الأيسر. قوله تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 191].
- ابن رشد: قال مالك: قيل لأم الدرداء ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر فقيل له: أفترى التفكر من الأعمال؟ قال: نعم هو اليقين؟ قال الله عز وجل: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله: {الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياما وَقُعُودا} من نعت «أولي الألباب»، و«الذين» في موضع خفض ردّا على قوله: «لأولي الألباب».
ومعنى الآية: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني بذلك: قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نياما. عن قتادة، قوله: {الّذِينَ يَذْكُرُون الله قِياما وَقُعُودا وَعَلى جُنُوبِهِمْ} وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا...
وأما قوله: {وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَواتِ والأرْضِ} فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.
{رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابِ النّارِ}.
يعني بذلك تعالى ذكره: ويتفكرون في خلق السموات والأرض، قائلين: {رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً} فترك ذكر قائلين، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه، وقوله: {ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً} يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثا ولا لعبا، لم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال: ما خلقت هذا باطلاً، ولم يقل: ما خلقت هذه، ولا هؤلاء، لأنه أراد بهذا الخلق الذي في السموات والأرض، يدل على ذلك قوله: {سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابَ النّارِ} ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم، ولو كان المعنيّ بقوله: {ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً} السموات والأرض، لما كان لقول عقيب ذلك: {فَقِنا عَذَابَ النّارِ} معنى مفهوم، لأن السموات والأرض أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب: الأمر والنهي، وإنما وصف جل ثناؤه أولي الألباب الذين ذكرهم في هذه الآية، أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيين، قالوا: يا ربنا لم تخلق هؤلاء باطلاً عبثا سبحانك، يعني: تنزيها لك من أن تفعل شيئا عبثا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار. ثم فزعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي حال الضراء والسراء، لا في حال دون حال على ما يفعله بعض خلقه، يذكرونه في حال الشدة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الرخاء ويذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال... وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض يصلي قائما إن استطاع وإلا فقاعدا إن لم يستطع وإلا فمضطجعا وكذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال ذلك. وقوله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} إن في خلقها دليل وحدانيته {ربنا ما خلقت هذا بطلانا} أي عبثا ولكن خلقتهما دليلا على وحدانيته وشاهدا على ربوبيتك وقوله تعالى: {سبحانك} هو التنزيه والتنزيه هو إبعاده عن العيب وتبرئته منه وتطهيره مما يقول الكفار وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه ودعوات يدعى بها.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره..
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
.. مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال:< تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره>، وهذا هو قصد الآية: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض}، وقال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله تعالى كالناظر في عين الشمس، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، وإنما التفكير وانبساط الذهن في المخلوقات، وفي مخاوف الآخرة...
أما قوله تعالى: {سبحانك} ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق السماوات والأرض، يعني: أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا، بل خلقها لحكم عجيبة، وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها.
المسألة الثانية: المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية. أما قوله تعالى: {فقنا عذاب النار} فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثا، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}. وأصناف العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، فقوله تعالى: {يذكرون الله} إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: {قياما وقعودا وعلى جنوبهم} إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح، والإنسان ليس إلا هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية، وهذه الآية دالة على كمال العبودية، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جانب الملك الغفور.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
(الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد به القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر. فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.
ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلا بد من الجمع بين الذكر والفكر فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته ولذلك قال (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض).
أقول: قد يتفكر المرء في عجائب السماوات والأرض وأسرار ما فيهما من الإتقان والإبداع والمنافع الدالة على العمل المحيط والحكمة البالغة والنعم السابغة والقدرة التامة وهو غافل عن العليم الحكيم القادر الرحيم الذي خلق ذلك في أبدع نظام، وكم من ناظر إلى صنعة بديعة لا يخطر في باله صانعها اشتغالا بها عنه، فالذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض هم غافلون عن خالقهما ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله عز وجل فمثلهم كما قال الأستاذ الإمام: كمثل من يطبخ طعاما شهيا يغذي به جسده ولكنه لا يرقى به عقله، يعني أن الفكر وحده وإن كان مفيدا لا تكون فائدته نافعة في الآخرة إلا بالذكر، والذكر وإن أفاد في الدنيا والآخرة لا تكمل فائدته إلا بالفكر، فيا طوبى لمن جمع بين الأمرين واستمتع بهاتين اللذتين؛ فكان من الذين أوتوا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ونجوا من عذاب النار في الآخرة، فتلك النعمة التي لا تفضلها نعمة، واللذة التي لا تعلوها لذة، لأنها هي التي يهون معها كل كرب، ويسلسل كل صعب، وتعظم كل نعمة، وتتضاءل كل نقمة، تلك اللذة التي تتجلى مع الذكر في كل شيء فيكون في عين ناظره جميلا، وفي كل صوت فيكون في سمع سامعه مطربا فلسان حال الذاكر، ينشد في هذا التجلي قول الشاعر الذاكر:
من كل معنى لطيف أجتلي قدحا *** وكل حادثة في الكون تطربني
فإذا تحول التجلي عن جمال الأكوان، وتفكر الذاكر في تقصيره من حيث هو إنسان، عن شكر المنعم عليه بكل شيء يتمتع به وعن القيام بما يصل إليه استعداده من مغفرته استولى عليه سلطان الجلال فتعلو همته في طلب الكمال فينطلق لسانه بالدعاء والثناء، وقلبه بين الخوف والرجاء.
(ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) أي يقول الذين يجمعون بين التذكر والتفكير، معبرين عن نتيجة جمع الأمرين، والتأليف بين المقدمتين: ربنا ما خلقت هذا الذي نراه من العوالم السماوية والأرضية باطلا، ولا أبدعته وأتقنته عبثا، سبحانك وتنزيها لك عن الباطل والعبث بل كل خلقك حق مؤيد بالحكم، فهو لا يبطل ولا يزول، وإن عرض له التحول والتحليل والأفول، ونحن بعض خلقك لم نخلق عبثا، ولا يكون وجودنا من كل وجه باطلا، فإن فنيت أجسادنا، وتفرقت أجزاؤنا، بعد مفارقة أرواحنا لأبداننا، فإنما يهلك منا كوننا الفاسد، ووجهنا الممكن الحادث، ويبقى وجهك الكريم؛ ومتعلق علمك القديم. يعود بقدرتك في نشأة أخرى، كما بدأته في نشأة الأولى، فريق ثبتت لهم الهداية، وفريق حقت عليهم كلمة الضلالة، فأولئك في الجنة بعملهم وفضلك، وهؤلاء في النار بعملهم وعدلك، (فقنا عذاب النار) بعنايتك وتوفيقك لنا، واجعلنا مع الأبرار بهاديتك إيانا ورحمتك بنا.
قال الأستاذ الإمام في تفسير "ربنا ما خلقت هذا باطلا... ": هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله عز وجل ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمة الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط. وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعليم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول: هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربا من ضروب التعليم والإرشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه، فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.
قال: أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلا فهو أن هذا الإبداع في الخلق، والإتقان للصنع، لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، وكلما ازداد تفكرا، ازداد علما، حتى أنه لا حد يعرف لفهمه وعلمه، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه: جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.
قال: ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلا (أي لا في الحال ولا في الاستقبال) وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته).
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ثم وصف أولي الألباب بأنهم {يذكرون الله} في جميع أحوالهم: {قياما وقعودا وعلى جنوبهم} وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم {يتفكرون في خلق السماوات والأرض} أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق. {فقنا عذاب النار} بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم؟ وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم؟ وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف:
(ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك! فقنا عذاب النار)..
إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم. وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون، بالليل والنهار.
والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب، فتتبدى في كل صفحة آية موحية، تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب، وفي "تصميم "هذا البناء، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق، ومودعه هذا الحق، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان!!! وأولو الألباب.. أولو الإدراك الصحيح.. يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية؛ ولا يقيمون الحواجز، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات. ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فتتفتح بصائرهم، وتشف مداركهم، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه، وتدرك غاية وجوده، وعلة نشأته، وقوام فطرته. بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود.
ومشهد السماوات والأرض، ومشهد اختلاف الليل والنهار. لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا. لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة. لو استنقذنا حسنا من همود الإلف، وخمود التكرار.. لارتعشت له رؤانا، ولاهتزت له مشاعرنا، ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق؛ ووراء ما فيه من نظام لا بد من عقل يدبر؛ ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف.. وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعا، ولا يمكن أن يكون جزافا، ولا يمكن أن يكون باطلا.
ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار، ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس. ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى "الجاذبية" أو غير الجاذبية.. هذه فروض تصح أو لا تصح، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية، واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها.. وهذه النواميس -أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان- هي آية القدرة، وآية الحق، في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.
والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويرا دقيقا، وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح، في التعامل مع الكون، وفي التخاطب معه بلغته، والتجاوب مع فطرته وحقيقته، والانطباع بإشاراته وإيحاءاته. ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب "معرفة" للإنسان المؤمن الموصول بالله، وبما تبدعه يد الله.
وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر الله وعبادته: (قياما وقعودا وعلى جنوبهم).. وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.. فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة، ويجعله جانبا من مشهد الذكر.. فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين.
الحقيقة الأولى: أن التفكر في خلق الله، والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية، التي تبحث في تصميم الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته.. لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره، والشعور بجلاله وفضله. لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة. ولاستقامت الحياة -بهذه العلوم- واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر، يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية؛ ومن هنا يتحول العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- لعنة تطارد الإنسان، وتحيل حياته إلى جحيم منكرة، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار!
والحقيقة الثانية: أن آيات الله في الكون، لا تتجلى على حقيقتها الموحية، إلا للقلوب الذاكرة العابدة. وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم -وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار- هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح.. فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا، ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية -بدون هذا الاتصال- فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار، ويحولون حياتهم إلى جحيم نكد، وإلى قلق خانق. ثم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف!
فهما أمران متلازمان، تعرضهما هذه الصورة التي يرسمها القرآن لأولي الألباب في لحظة الاستقبال والاستجابة والاتصال.
إنها لحظة تمثل صفاء القلب، وشفافية الروح، وتفتح الإدراك، واستعداده للتلقي. كما تمثل الاستجابة والتأثر والانطباع..
إنها لحظة العبادة. وهي بهذا الوصف لحظة اتصال، ولحظة استقبال. فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر؛ وأن يكون مجرد التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، ملهما للحقيقة الكامنة فيها، ولإدراك أنها لم تخلق عبثا ولا باطلا. ومن ثم تكون الحصيلة المباشرة، للخطة الواصلة.
(ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك!)..
ما خلقت هذا الكون ليكون باطلا. ولكن ليكون حقا. الحق قوامه. والحق قانونه. والحق أصيل فيه. إن لهذا الكون حقيقة، فهو ليس "عدما" كما تقول بعض الفلسفات! وهو يسير وفق ناموس، فليس متروكا للفوضى. وهو يمضي لغاية، فليس متروكا للمصادقة. وهو محكوم في وجوده وفي حركته وفي غايته بالحق لا يتلبس به الباطل.
هذه هي اللمسة الأولى، التي تمس قلوب (أولي الألباب) من التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بشعور العبادة والذكر والاتصال. وهي اللمسة التي تطبع حسهم بالحق الأصيل في تصميم هذا الكون، فتطلق ألسنتهم بتسبيح الله وتنزيهه عن أن يخلق هذا الكون باطلا:
(ربنا ما خلقت هذا باطلا. سبحانك!)..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{يذكرون الله} إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم. وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز. وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.
وقوله: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: {يذكرون} ذِكر اللسان. والتفكّر عبادة عظيمة. روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين.
{والخلق} بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في).
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
ولذلك ذكر لأولي الألباب أوصافا أخرى لهم: أولها نوه إليه سبحانه بقوله: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}.
ذكر الله تعالى استحضار عظمته والإحساس بجلاله، واستشعار النفس بنعمه... فذكر الله يتضمن كل معاني العبودية والإحساس بالألوهية و النعم التي أسبغها على خلقه ظاهرة وباطنة، و ذكر الله لب كل عبادة، و غاية كل نسك، لذلك قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر و لذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون45} [العنكبوت] وقد وصف الله تعالى أولي الألباب الذاكرين بأنهم يذكرون الله تعالى في كل أحوالهم، فهم يذكرونه قائمين، وقاعدين، وهم على جنوبهم، فقوله تعالى: {قياما وقعودا وعلى جنوبهم} إشارة إلى أن الذكر يكون في عامة أحوال الإنسان في الحياة، وظن بعض المفسدين أن المراد بالذكر الصلاة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين:"صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب "والحق أن الذكر أعم من الصلاة، وأن الصلاة الحقيقية التي تثمر ثمراتها ضرب من ضروبه، وكل العبادات من مسالكه...
وذكر الله تعالى على هذا النحو من أكمل العبادات، ولو ذكر المؤمن ربه في عامة أحواله لساد المجتمع الإنساني كله الوئام، وما كثر الخصام، وما امتشق الناس الحسام، بل ما تنازع اثنان، وفوق ذلك من يذكر الله يعلو عن آلام الحياة واضطرابها وما ينزعج له الناس ويتحيرون فيه، ولذا قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب 28} [الرعد].
{ويتفكرون في خلق السموات والأرض} هذا هو الوصف الثاني بعد أوصاف أولي الألباب الذين يدركون آيات الله الدالة على جلاله وعظمته في خلقه، والتفكر:ترداد الفكرة في النفس، لتصل إلى أقصى ما تؤدي إليه، وقد جاء في مفردات الأصفهاني: "الفكرة: قوة مطرقة للعلم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب... قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها.
والتفكر في السموات والأرض له ثلاث درجات بعضها أعلى من بعض، أدناها أن ننظر إلى السماء وما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر وأبراج، وما فيها من نظام بديع محكم، وهذه هي النظرة العامة التي تكون لذوي الألباب وغيرهم؛ لأن هذه النظرة أساس الحس وإشراق المحسوس.
والمرتبة الثانية: التفكر في خلقها وأسرار وجودها ونواميسها وقوانينها، وهذا ما يفكر فيه علماء الكونيات الذين يعرفون ما اشتمل عليه الكون من قوى وما أودعها الخالق من أجرام وقوانين لسيرها.
المرتبة الثالثة: وهي أعلاها، وهي النظرة التي تتجه إلى الخالق من وراء المخلوق، فيتدبر الكون وما فيه ليدرك عظمة المبدع، فيتعرف من جمال الصنعة جلال الصانع، وهذا النوع هو المذكور في هذه الآية وهو أعلى مراتب العبادة...
وإن هذا النوع الأخير من التفكر يجعل القلب يخضع واللسان يخشع فينطق مستشعرا عظمة الله قائلا: {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار}.
تلك الضراعة التي بدت على الألسنة هي أولى ثمرات التفكر، لقد وصلوا بتفكيرهم إلى إدراك ربهم فقالوا (ربنا) ونادوه سبحانه بذلك النداء الخاضع الضارع الشاكر لنعمائه، وقد وصلوا بتفكيرهم وتدبرهم إلى أن هذا الكون لا يمكن ان يخلق باطلا، أي لا يكون لغير غاية، ولا لغير حكمة، فمعنى البطلان هنا العبث وعدم الغاية وإنهم ليعلمون أن ذلك مستحيل على الله تعالى، ولذا أردفوا هذا بقولهم: (سبحانك)، أي تنزهت ذاتك وتقدست، وبذلك ارتفعوا إلى مقام التقديس وهو كمال العبودية والألوهية، ثم اعترتهم وقد وصلوا إلى هذا النوع من العلم خشية العلماء، مصدقا لقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور28} [فاطر]، ولذلك غلب عليهم الخوف من عذاب الله تعالى، فقالوا مرتبين على تفكرهم ما أدى إليه: {فقنا عذاب النار} فهذه ضراعة إلى الله تعالى أن يقيهم عذاب النار، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين: أولهما- أن يوفقهم لتجنب ما لا يرضيه، والثاني- أن يغفر لهم ما أفرطوا في جنبه سبحانه وتعالى.
وقد كان ترتيب الخوف على التفكر له موضعه لأن نهاية التفكر هو الخوف؛ إذ ينتهي إلى أعلى درجات الشعور بالمهابة لله تعالى، وهو يجعل المؤمن يستصغر حسناته، ويستكثر سيئاته، وغن الصوفية الحق يبالغون في التفكر، حتى إنهم يفضلونه على صلوات النفل فهو من أفضل مقامات العبودية.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِنّ هذا النقش الساحر الآسر للقلوب، المبثوث في كل ناحية من نواحي هذا الكون العريض يشدّ إِلى نفسه فؤاد كلّ لبيب وعقله شدّاً يجعله يتذكر خالقه، في جميع الحالات، قائماً أو قاعداً، وحين يكون في فراشه نائماً على جنبه، ولهذا يقول سبحانه: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) أي أنّهم مستغرقون كامل الاستغراق في التفكير الحيوي حول هذا الكون الرائع ونظامه البديع ومبدعه، ومبديه.
ولقد أُشير في هذه الآية إِلى الذكر أوّلا، ثمّ إِلى الفكر ثانياً، ويعني ذلك أن ذكر الله وحده لا يكفي، إنّ الذكر إِنّما يعطي ثماره القيّمة إِذا كان مقترناً بالفكر، كما أنّ التفكر في خلق السماء والأرض هو الآخر لا يُجدي ولا يوصل إِلى النتيجة المتوخاة ما لم تقترن عملية التفكر بعملية التذكر، وبالتالي لا يقرن الفكر بالذكر. فما أكثر العلماء الذين يقفون في تحقيقاتهم الفلكية والفضائية على مظاهر رائعة من النظام الكوني البديع، ولكنّهم حيث لا يتذكرون الله ولا ينظرون إِلى كل هذه المظاهر بمنظار الموحد الفاحص، بل ينظرون إِليها من الزاوية العلمية المجردة البحتة، فإِنّهم لا يقطفون من هذه التحقيقات ما يترتب عليها من النتائج التربوية والآثار الإِنسانية، ومثلهم في ذلك مثل من يأكل طعاماً ليقوى به جسمه فلا يكون لما يأكله أي أثر في تقوية فكره وروحه.
إنّ التفكير في أسرار الخليقة، وفي نظام السماء والأرض يعطي للإِنسان وعياً خاصّاً ويترك في عقله آثاراً عظيمة، وأوّل تلك الآثار هو الانتباه إِلى هدفية الخلق وعدم العبثية فيه، فالإِنسان الذي يلمس الهدفية في أصغر أشياء هذا الكون كيف يمكنه أن يصدق بأنّ الكون العظيم بأسره مخلوق من دون هدف، ومصنوع من دون غاية؟
لو أنّنا نظرنا في تركيبة نبتة معينة للاحظنا أهدافاً واضحة فيها، وهكذا نلاحظ مثل تلك الأهداف في قلب الإنسان وما فيه من حفر، وصمامات، وأبواب وبطون، فكلّ شيء فيه مخلوق لغاية، ومجعول لهدف، وكذا الحال في طبقات العين، بل وحتى الأجفان، والأظافر، كل واحد منها يؤدي دوراً، ويحقق غاية، فهل يمكن أن يكون لهذه الأجزاء الصغيرة جداً بالنسبة للكون العظيم أهداف واضحة وغايات ملحوظة، ولا يكون لمجموعه المتمثل في الظاهرة الكونية الهائلة العظيمة أي هدف مطلقاً؟ (ربّنا ما خلقت هذا باطلا).
إِنّ العقلاء لا يمكنهم وهم يواجهون هذه الحقيقة الساطعة إِلاّ أن يقولوا بخشوع هذه الجملة: (ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) أي ربّنا إنّك لم تخلق هذا العالم العظيم، وهذا الكون الذي لا يعرف له حدّ، وهذا النظام المتقن البديع إلا على أساس الحكمة والمصلحة، ولهدف صحيح، فكل هذا آية وحدانيتك، وكل هذا ينزّهك عن اللغو والعبث.
إِن أصحاب العقول السليمة الواعية بعد أن يعترفوا بالهدفية في الخليقة يتذكرون أنفسهم فوراً، وكيف يعقل أن يكونوا وهم ثمرة هذا الموجود نفسه وهذا الكون بالذات قد خلقوا سدى، أو جاؤوا إِلى هذه الحياة عبثاً، وأنّه ليس هناك من هدف سوى تربيتهم وتكاملهم!!
إِنّهم لم يأتوا إِلى هذه الحياة لأجل أن يعيشوا فيها أيّاماً سرعان ما تفنى وتنقضي، فذلك أمر لا يستحق كلّ هذا العناء والتعب كما لا يليق بمكانة الإِنسان ولا يتناسب مع حكمة الله العليا، بل هناك دار أخرى تنتظرهم حيث يجدون فيها جزاء أعمالهم، إن خيراً فخير، وإِن شرّاً فشر، وفي هذه اللحظة ينتبهون إِلى مسؤولياتهم، ويسألون الله التوفيق للقيام بها حتى يتجنبوا عقابه، ولهذا يقول: (فقنا عذاب النّار).