{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } أي من الحيوان كما هو المتبادر ، والآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية ، عمداً كان أو نسياناً ، وإليه ذهب داود . وعن أحمد والحسن وابن سيرين والجبائي مثله ، وقال الشافعي بخلافه لما رواه أبو داود وعبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلا ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله تعالى أو لم يذكر » . وعن مالك وهي الرواية المعول عليها عند أئمة مذهبه أن متروك التسمية عمدا لا يؤكل سواء كان تهاوناً أو غير تهاون ، ولأشهب قول شاذ بجواز غير المتهاون في ترك التسمية عليه . وزعم بعضهم أن مذهب مالك كمذهب الشافعي ، وآخرون أنه كمذهب داود ومن معه ، وما ذكرناه هو الموجود في «كتب المالكية » وأهل مكة أدري بشعابها . ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التفرقة بين العمد والنسيان كالصحيح من مذهب مالك ، قال العلامة الثاني : إن الناسي على مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ليس بتارك للتسمية بل هي في قلبه على ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن متروك التسمية ناسياً فقال عليه الصلاة والسلام : " كلوه فإن تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم " ولم يلحق به العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وإن كان منصوص العلة ، وإما لأنه ترك التسمية عمداً فكأنه نفى ما في قلبه ، واعترض بأن تخصيص العام الذي خص منه البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقاً وبأنا لا نسلم أن التارك عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه بذلك وعدم افتقاره لذكره ، ثم قال : فذهبوا إلى أن الناسي خارج بقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } إذ الضمير عائد إلى المصدر المأخوذ من مضمون { لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } وهو الترك لكونه الأقرب ، ومعلوم أن الترك نسياناً ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه فيتعين العمد .
واعترض ما ذكر بأن كون ذلك فسقاً لا سيما على وجه التحقيق والتأكيد خلاف الظاهر ولم يذهب إليه أحد ولا يلائم قوله تعالى : { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } [ الأنعام : 145 ] مع أن القرآن يفسر بعضه بعضاً سيما في حكم واحد وبأن ما لم يذكر اسم الله عليه يتناول الميتة مع القطع بأن ترك التسيمة عليها ليس بفسق ، وبعضهم أرجع الضمير إلى ( ما ) بمعنى الذبيحة وجعلها عين الفسق على سبيل المبالغة لكن لا بد من ملاحظة كونها متروكة التسمية عمداً إذ لا فسق في النسيان وحينئذ لا يصح الحمل أيضاً ومما تقدم يعلم ما فيه .
وذكر العلامة للشافعي في دعوى حل متروك التسمية عمداً أو نسياناً وحرمة ما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه وجوهاً الأول أن التسمية على ذكر المؤمن وفي قلبه ما دام مؤمناً فلا يتحقق منه عدم الذكر فلا يحرم من ذبيحته إلا ما أهل به لغير الله تعالى .
/ الثاني : أن قوله سبحانه : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } على وجه التحقيق والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمداً كان أو سهواً إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد . الثالث : أن هذه الجملة في موقع الحال إذ لا يحسن عطف الخبر على الإنشاء ، وقد بين الفسق بقوله عز شأنه : { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } فيكون النهي عن الأكل مقيد بكون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه قد أهل به لغير الله تعالى فيحل ما ليس كذلك إما بطريق مفهوم المخالفة وإما بحكم الأصل ، وإما بالعمومات الواردة في حل الأطعمة . وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في مجلس تذكير عقده له سلطان خوارزم فيها بمحضر منه ومن جلة الأئمة الحنفية . وعليه لا حاجة للشافعية إلى دليل خارجي في تخصيص الآية . واعترض بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة مع أنه سبب النزول ، وبأن التأكيد بإن . واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه ألبتة والرد على منكر تحقيقاً أو تقديراً على ما بين في علم المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير كأنه قيل : لا تأكلوا منه إن كان فسقاً فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق . ومن هنا ذهب كثير إلى أن الجملة مستأنفة .
وأجيب عن الأول بأنه دخل في قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ما أهل به لغير الله وبقوله جل شأنه : { وَإِنَّ الشياطين } الخ الميتة فيتحقق قولهم : إن النهي مخصوص بما أهل به لغير الله تعالى أو مات حتف أنفه . وأجاب العلامة عن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق ههنا الإهلال لغير الله تعالى كان التأكيد مناسباً كأنه قيل : لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه ، ومنهم من تأول الآية بالميتة لأن الجدال فيها كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى . واستظهر رجوع الضمير إلى الأكل الذي دل عليه { وَلاَ تَأْكُلُواْ } والذي يلوح من كلام بعض المحققين أن ما لم يذكر اسم الله عليه عام لما أهل به لغير الله تعالى ولمتروك التسمية عمداً أو سهواً ولما مات حتف أنفه لأنه سبب نزول الآية . والتحقيق أن العام الظاهر متى ورد على سبب خاص كان نصاً في السبب ظاهراً باقياً على ظهوره فيما عداه . وأنه لا بد لمبيح منسى التسمية من مخصص وهو الخبر المشتمل على السؤال والجواب وادعى أن هذا عند التحقيق ليس بتخصيص بل منع لاندراج المنسي في العموم مستند بالحديث المذكور .
ويؤيد بأن العام الوارد على سبب خاص وإن قوي تناوله للسبب حتى ينتهض الظاهر فيه نصاً إلا أنه ضعيف التناول لما عداه حتى ينحط عن أعالي الظواهر فيه ويكتفي من معارضة ما لا يكتفي به منه لولا السبب انتهى . ولا يخفى ما فيه لمن أحاط خبراً بما ذكره العلامة قبل .
وذكر كثير من أصحابنا أن قول الشافعي عليه الرحمة مخالف للإجماع إذ لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامداً وإنما الخلاف بينهم في متروكها ناسياً فمذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يحرم ومذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله عنهما أنه يحل ولم يختلفوا في حرمة متروك التسمية عامداً ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ رحمهم الله تعالى : إن متروك التسمية عامداً لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفاً للإجماع وإن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسياناً إلا أن الشرع جعل الناسي ذاكراً لعذر من جهته وفي ذلك رفع للحرج فإن الإنسان كثير النسيان . وقول بعض الشافعية عليهم الرحمة : إن التسمية لو كانت شرطاً للحل لما سقط بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة مفض إلى التسوية بين العمد والنسيان ، وهي معهودة فيما إذا كان على الناسي هيئة مذكرة كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام لا فيما إذا لم يكن كالأكل في الصيام ، وهنا إن لم تكن هيئة توجب النسيان وهي ما يحصل للذابح عند زهوق روح حيوان من تغير الحال فليس هيئة مذكرة بموجودة .
والحق عندي أن المسألة اجتهادية وثبوت الإجماع غير مسلم ولو كان ما كان خرقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، واستدلاله على مدعاه على ما سمعت لا يخلو عن متانة ، وقول الأصفهاني كما في «المستصفى » أفحش الشافعي حيث خالف سبع آيات من القرآن ثلاث منها في سورة الأنعام ، الأولى : ( 118 ) { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } والثانية : ( 119 ) { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } والثالثة : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } وثلاث في سورة الحج ، الأولى : ( 82 ) { لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِى أَيَّامٍ معلومات على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الانعام } والثانية : ( 43 ) { وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله } والثالثة : ( 63 ) { والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ } وآية ( 4 ) في المائدة { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } من الفحش في حق هذا الإمام القرشي ، ومثاره عدم الوقوف على فضله وسعة علمه ودقة نظره ، وبالجملة الكلام في الآية واسع المجال وبها استدل كل من أصحاب هاتيك الأقوال .
وعن عطاء وطاوس أنهما استدلا بظاهرها على أن متروك التسمية حيواناً كان أو غيره حرام ، وسبب النزول يؤيد خلاف ذلك كما علمت والاحتياط لا يخفى . { وَإِنَّ الشياطين } أي إبليس وجنوده { لَيُوحُونَ } أي يوسوسون { إلى أَوْلِيَائِهِمْ } الذين اتبعوهم من المشركين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : المراد بالشياطين مردة المجوس فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة { ليجادلوكم } أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال الحرام { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } ضرورة أن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واستحل الحرام واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى بل آثره عليه سبحانه .
ونقل الإمام عن الكعبي أنه قال : «الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله عز وجل وإن كان في اللة مختصاً بمن يعتقد أن لله تعالى شأنه شريكاً بدليل أنه سبحانه سم طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً ، ثم قال : ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن لله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف ؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط » انتهى .
والظاهر أن التعبير عن هذه الإطاعة بالشرك من باب التغليظ ونظائره كثيرة والكلام هنا كما قال أبو حيان وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة أي ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده . وجعل أبو البقاء وتبعه بعضهم المذكور جواب الشرط ولا قسم وادعى أن حذف الفاء منه حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا واعترض بأن هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الإسمية ولم يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر وفيه أن المجرد أجاز ذلك في الاختيار كما ذكره المرادي في «شرح التسهيل » .
{ 121 } { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
ويدخل تحت هذا المنهي عنه ، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام ، وآلهتهم ، فإن هذا مما أهل لغير الله به ، المحرم بالنص عليه خصوصا .
ويدخل في ذلك ، متروك التسمية ، مما ذبح لله ، كالضحايا ، والهدايا ، أو للحم والأكل ، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية ، عند كثير من العلماء .
ويخرج من هذا العموم ، الناسي بالنصوص الأخر ، الدالة على رفع الحرج عنه ، ويدخل في هذه الآية ، ما مات بغير ذكاة من الميتات ، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه .
ونص الله عليها بخصوصها ، في قوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ولعلها سبب نزول الآية ، لقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } بغير علم .
فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ ، وتحليله للمذكاة ، وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله ، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ يعنون بذلك : الميتة .
وهذا رأي فاسد ، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن .
فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه ، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة . ولا يستغرب هذا منهم ، فإن هذه الآراء وأشباهها ، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين ، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم ، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير .
{ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في شركهم وتحليلهم الحرام ، وتحريمهم الحلال { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله ، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين ، فلذلك كان طريقكم ، طريقهم .
ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف ، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم ، لا تدل –بمجردها على أنها حق ، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله .
فإن شهدا لها بالقبول قبلت ، وإن ناقضتهما ردت ، وإن لم يعلم شيء من ذلك ، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب ، لأن الوحي والإلهام ، يكون الرحمن ويكون من الشيطان ، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان ، وبعدم التفريق بين الأمرين ، حصل من الغلط والضلال ، ما لا يحصيه إلا الله .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ": لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحد يدين لله بشرائع شرعها له في كتاب منزّل فإنه حرام عليكم، ولا ما أهلّ به لغير الله مما ذبحه المشركون لأوثانهم، فإن أكْلَ ذلك فسق، يعني: معصية كفر...
"وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائهِمْ":... إن الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة بما ذكرنا من جدالهم إياهم. وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: "وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورا"، بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجنّ والإنس، كما جعل لأنبيائه مِن قبله يوحي بعضهم إلى بعض المزيّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرّم الله من الميتة عليهم...
وأما قوله "لَفِسقٌ "فإنه يعني: وإنّ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة وما أهلّ به لغير الله لفسق...
وأما الأولياء: فهم النصراء والظهراء في هذا الموضع.
ويعني بقوله: "لِيُجادِلُوكُمْ": ليخاصموكم...
وأما قوله: "وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ "فإنه يعني: وإن أطعتموهم في أكل الميتة وما حرم عليكم ربكم...
وأما قوله: "إنّكُمْ لَمُشْركُونَ" يعني: إنكم إذا مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالاً، فإذا أنتم أكلتموها كذلك فقد صرتم مثلهم مشركين...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ومن حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان؛ لما يرى في الآية من التشديد العظيم، وإن كان أبو حنيفة رحمه الله مرخصاً في النسيان دون العمد، ومالك والشافعي رحمهما الله فيهما...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذراً من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهياً جازماً خاصاً عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر} أي مما لا يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال: {عليه} أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى، فصار مخبثاً للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل عليه من تسميته فسقاً، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله و كذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال -كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا! قال:"اذكروا أنتم اسم الله وكلوا" قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح- انتهى.
ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: {وإنه} أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب {لفسق} فجعله نفس الفسق -وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي- لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق -كما قاله البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتونّا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا! فقال:
"سموا عليه أنتم وكلوه"، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر- انتهى. فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل.
ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذراً منها: {وإن الشياطين} أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس {ليوحون} أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة {إلى أوليائهم} أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم {ليجادلوكم} أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم -ونحو ذلك، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها.
ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: {وإن أطعتموهم} أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء مما جادلوكم فيه {إنكم لمشركون} أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أمر الله تعالى بالأكل مما ذكر اسمه عليه في مقام بيان ضلال المشركين وإضلالهم بأكل ما ذكر اسم غيره عليه، ثم صرح بالمفهوم المراد من ذلك الأمر، ولم يكتف بدلالة السياق على القصر لشدة العناية بهذا الأمر الذي هو من أظهر أعمال الشرك، أي ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح عند تزكيته والحال أنه لفسق أهل به لغيره كما قال في آية المحرمات {أو فسقا أهل لغير الله به} (الأنعام 145} فالآية لا تدل على تحريم كل ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فضلا عن غيرها من الأطعمة خلافا لمن قال بهذا وذاك لأنها خاصة بتلك القرابين الدينية وأمثالها بقرينة السياق كما تقدم شرحه وبدليل تقييد النهي بالجملة الحالية كما حققه السعد التفتازاني ويؤيده قوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي وإن شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ليوحون إلى أوليائهم بالوسوسة والتلقين الخادع الخفي ما يجادلونكم به من الشبهات في هذه المسألة وإن أطعتموهم فيها فجاريتموهم في هذه العبادة الوثنية الباطلة إنكم لمشركون مثلهم وإن كان لأجل التسول بذلك الغير إليه ليقرب المتوسل إليه زلفى ويشفع له عنده كما يفعل أهل الوثنية. ومن المعلوم أن أولياء الشياطين لم يجادلوا أحدا من المؤمنين فيما لم يذكر اسم الله ولا اسم غيره عليه من الذبائح المعتادة التي لا يقصد بها العبادة وأن من يأكل هذه الذبائح لا يكون مشركا وكذلك من يأكل الميتة لا يكون مشركا بل يكون عاصيا إن لم يكن مضطرا وإن كان قد وقع الجدال في هذه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... لمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسمُ الله عليه، وأفهمت النّهيَ عمَّا لم يذكر اسم الله عليه، وهو الميتة، وتَمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقةُ بينها وبين ما ذُكّي وذُكر اسم الله عليه، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذُكر اسم غيرِ الله عليه. فمعنى: {لم يذكر اسم الله عليه}: أنَّه تُرِك ذكر اسم الله عليه قصداً وتجنّبا لذكره عليه، ولا يكون ذلك إلاّ لقصد أن لا يكون الذّبح لله، وهو يساوي كونه لغير الله، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله، كما تقدّم بيانه عند قوله: {فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118]. وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قولُه هنا: {وإنه لفسق} وقوله في الآية الآتية: {أو فِسْقا أهِلّ لغير الله به} [الأنعام: 145]، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا: هو الّذي وصف به هنالك، وقيد هنالك بأنَّه أُهلّ لغير الله به، وبقرينة تعقيبه بقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} لأنّ الشّرك إنَّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكَّى، ولا يكون بترك التّسمية.
وربّما كان المشركون في تَحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية، بحيث لا يُسمّون الله ولا يسمّون للأصنام، فيكون المقصود من الآية: تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه، وأن يسمّى على الذّبائح غيرُ أسماء آلهتهم.
فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق، كان اسم الموصول مراداً به شيء معيّن، لم يذكر اسم الله عليه، فكان حكمها قاصراً على ذلك المعيّن، ولا تتعلّق بها مسألةُ وجوب التّسمية في الذكاة، ولا كونها شرطاً أو غير شرط بله حكم نسيانها. وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنّزول، واعتددنا بالموصول صادقاً على كلّ ما لم يذكر اسم الله عليه، كانت الآية من العامّ الوارد على سبب خاصّ، فلا يخصّ بصورة السّبب، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التّسمية على الذّبيحة...