روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان { بَعْدَ إصلاحها } أي إصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } أي ذوي خوف من الرد لقصوركم عن أهلية الإجابة وطمع في إجابته تفضلاً منه ، وقيل خوفاً من عقابه وطمعاً في جزيل ثوابه . وقال ابن جريج : المعنى خوف العدل وطمع الفضل . وعن عطاء خوفاً من الميزان وطمعاً في الجنان . وأصل الخوف انزعاج القلب لعدم أمن الضرر ، وقيل : توقع مكروه يحصل فيما بعد ، والطمع توقع محبوب يحصل له ، ونصبهما على الحالية كما أشير إليه . وجوز أن يكون على المفعولية لأجله . قيل : ولما كان الدعاء من الله تعالى بمكان كرره وقيده أولاً بالأوصاف الظاهرة وآخراً بالأوصاف الباطنة ، وقيل : الأمر السابق من قبيل بيان شرط الدعاء والثاني من قبيل بيان فائدته ، وقيل : لا تكرار ، فما تقدم أمر بالدعاء بمعنى السؤال وهذا أمر بالدعاء بمعنى العبادة ، والمعنى اعبدوه جامعين في أنفسكم الخوف والرجاء في عبادتكم القلبية والقالبية وهو كما ترى ، ومن الناس من أبقى الدعاء على المعنى الظاهر وعمم في متعلق الخوف والطمع ، والمعنى عنده ادعوه وأنتم جامعون في أنفسكم الخوف والرجاء في أعمالكم كلها ، وليس بشيء والمختار عند جلة المفسرين ما تقدم .

{ إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مّنَ المحسنين } أعمالهم ، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع . وقد كثر الكلام في توجيه تذكير { قَرِيبٌ } مع أنه صفة مخبر بها عن المؤنث ، وقد نقل ابن هشام في ذلك وجوهاً ذاكراً ما لها وما عليها . الأول : أن الرحمة في تقدير الزيادة والعرب قد تزيد المضاف قال سبحانه وتعالى : { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى } [ الأعلى : 1 ] أي سبح ربك ألا ترى أنه يقال في التسبيح سبحان ربي ولا يقال سبحان اسم ربي والتقدير إن الله تعالى قريب فالخبر في الحقيقة عن الاسم الأعظم ، وتعقبه بأن هذا لا يصح عند علماء البصرة لأن الأسماء لا تزاد في رأيهم وإنما تزاد الحروف ، ومعنى الآية عندهم نزه أسماء ربك عما لا يليق بها فلا تجر عليه سبحانه اسماً لا يليق بكماله أو اسما غير مأذون فيه فلا زيادة ، الثاني : إن ذلك على حذف مضاف أي إن مكان رحمة الله تعالى قريب فالإخبار إنما هو عن المكان وهو مذكر ، ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى الذهب والفضة «إن هذين حرام » فإن الإخبار بالمفرد لأن التقديران استعمال هذين ، وقول حسان :

يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل

فإنه بتقدير ماء بردى فلذا قال : يصفق بالتذكير مع أن بردى مؤنث . وتعقب بأن هذا المضاف بعيد جداً لا قريب والأصل عدم الحذف والمعنى مع تركه أحسن منه مع وجوده . الثالث : أنه على حذف الموصوف أي شيء قريب كما قال الشاعر :

قامت تبكيه على قبره *** من لي من بعدك يا عامر

تركتني في الدار ذا غربة *** قد ذل من ليس له ناصر

أي شخصاً ذا غربة . وعلى ذلك يخرج قول سيبويه قولهم : امرأة حائض أي شخص ذو حيض .

وقول الشاعر أيضاً :

فلو أنك في يوم الرخاء سألتني *** طلاقك لم أبخل وأنت صديق

وتعقب بأنه أشد ضعفاً من سابقه لأن تذكير صفة المؤنث باعتبار إجرائها على موصوف مذكر محذوف شاذ ينزه كلام الله تعالى عنه ، على أنه لا فصاحة في قولك : رحمة الله شيء قريب ولا لطافة بل هو عند ذي الذوق كلام مستهجن ، ونحو حائض من الصفات المختصة لا يحتاج إلى العلامة لأنها لدفع اللبس ولا لبس مع الاختصاص . وسيبويه وإن كان جواداً في مثل هذا المضمار إلا أن الجواد قد يكبو ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، ألا تراه كيف جوز في باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه وإضافة الوجه إلى ضمير الرجل وخالفه في ذلك جميع البصريين والكوفيين لأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه . وقد علمت أيضاً أن الأصل عدم الحذف . الرابع : أن العرب تعطي المضاف حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا صح الاستغناء عنه وهو أمر مشهور فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحح الإخبار عنها بالمذكر . وتعقبه أبو علي الفارسي في «تعاليقه » على الكتاب بأن هذا التقدير والتأويل في القرآن بعيد فاسد وإنما يجوز هذا في ضرورة الشعر . وقال الروذراوري : إن اكتساب التأنيث في المؤنث قد صح بكلام من يوثق به ، وأما العكس فيحتاج إلى الشواهد ومن ادعى الجواز فعليه البيان . الخامس : أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل جريح وامرأة جريح . وتعقب بأنه خطأ فاحش لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل . واعترض أيضاً بأن هذا لا ينقاس خصوصاً من غير الثاني . السادس : أن فعيلا بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل بمعنى مفعول فيمنع من التاء في المؤنث كما قد يشبهون فعيلا بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل فيلحقونه التاء . فالأول كقوله تعالى : { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] ومنه الآية الكريمة . والثاني كقولهم : خصلة ذميمة وصفة حميدة حملا على قولهم : قبيحة وجميلة ولم يتعقب هذا بشيء . وتعقبه الروذراوري بأنه مجرد دعوى لا دليل عليه وإن قاله النحويون . ويرد عليه أن أحد الفعلين مشتق من لازم والآخر من متعد فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل الفرق بين المتعدي واللازم إن كان على وجه العموم وإن كان على وجه الخصوص فأين الدليل عليه وفيه نظر .

السابع : أن العرب قد تخبر عن المضاف إليه وتترك المضاف كقوله تعالى : { فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] فإن خاضعين خبر عن الضمير المضاف إليه الأعناق لا عن الأعناق ألا ترى أنك إذا قلت : الأعناق خاضعون لا يجوز لأن الجمع المذكر السالم إنما يكون من صفات العقلاء فلا يقال أيد طويلون ولا كلاب نابحون . وتعقب بأنه لعل هذا راجع إلى القول بالزيادة وقد علمت ما فيه . وقد قيل : إن المراد بالأعناق الرؤساء والمعظمون . وقيل : الجماعة كما يقال : جاء زيد في عنق من الناس أي في جماعة . وقال الروذراوري : إنه لو ساغ الإعراض عن المضاف والحكم على المضاف إليه لساغ أن يقال : كان صاحب الدرع سابغة ومالك الدار متسعة وليس فليس . الثامن : أن الرحمة والرحم متقاربان لفظاً وهو واضح ومعنى بدليل النقل عن أئمة اللغة فأعطي أحدهما حكم الآخر . وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الوعظ والموعظة تتقارب أيضاً فينبغي أن يجيز هذا القائل أن يقال : موعظة نافع وعظة حسن وكذلك الذكر والذكرى فينبغي أن يقال : ذكرى نافع كما يقال : ذكر نافع . التاسع : أن فعيلا هنا بمعنى النسب فقريب معناه ذات قرب كما يقول الخليل في حائض : إنه بمعنى ذات حيض . وتعقب بأنه باطل لأن اشتمال الصفات على معنى النسب مقصور على أوزان خاصة وهي فعال وفعل وفاعل .

العاشر : ما قاله الروزراوري أن فعيلا مطلقاً يشترك فيه المؤنث والمذكر . وتعقب بأنه من أفسد ما قيل لأنه خلاف الواقع في كلام العرب فإنهم يقولون : امرأة ظريفة وعليمة وحليمة ورحيمة ولا يجوز التذكير في شيء من ذلك ولهذا قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى : { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } [ مريم : 28 ] أن بغيا فعول والأصل بغوى ثم قبلت الواو ياء والضمة كسرة وأدغمت الياء في الياء ، وأما قوله :

فتور القيام قطيع الكلام *** تفتر عن در عروب حصر

فالجواب عنه من أوجه : أحدها : أنه نادر . الثاني : أن أصله قطيعة ثم حذف التاء للإضافة كقوله تعالى : { لَّيْسَ البر } [ الأنبياء : 73 ] والإضافة مجوزة لحذف التاء كما توجب حذف النون والتنوين . وقد نص على ذلك غير واحد من القراء الثالث : أنه إنما جاز ذلك لمناسبة فتور لأنه فعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث . الحادي عشر : أنهم يقولون في قرب النسب : قريب وإن أجري على مؤنث نحو فلانة قريب مني ويفرقون بينه وبين قرب المسافة . وتعقب بأنه مبني على أن يقال في القرب النسبي : فلان قرابتي . وقد نص جمع على أن ذلك خطأ وأن الصواب أن يقال فلان ذو قرابتي كما قال :

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه *** وذو قرابته في الحي مسرور

الثاني عشر : من تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى . واختلف القائلون بذلك فمنهم من يقدر إن إحسان الله قريب ومنهم من يقدر لطف الله قريب . ومن ذلك قوله :

أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما *** يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا

فأول الكف على معنى العضو . وتعقب بأنه باطل لأن ذلك إنما يقع في الشعر وقد تقدم أنه لا يقال : موعظة حسن مع أن الموعظة بمنزلة الوعظ في المعنى ويقاربه في اللفظ أيضاً . وأما البيت فنص النحاة على أنه ضرورة وما هذه سبيله لا يخرج عليه كلام الله سبحانه وتعالى ، على أن بعضهم قال : إن الكف قد يذكر . الثالث عشر : أن المراد بالرحمة هنا المطر ونقل ذلك عن الأخفش والمطر مذكر ، وأيد بأن الرحمة فيما بعد بمعنى المطر . واعترض عليه من أوجه . أحدها : أنه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة على ما هو الظاهر إذ الموضع للضمير . ثانيها : أنه إذا أمكن الحمل على العام لا يعدل إلى الخاص ولا ضرورة هنا إلى الحمل كما لا يخفى ، ثالثها : أن الرحمة التي هي المطر لا تختص بالمحسنين لأن الله سبحانه يرزق الطائع والعاصي ، وإنما المختص في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوز والثواب . والجواب عن هذا بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالرحمة بالمعنى الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك يجوز تخصيص المطر الذي هو سبب الإرزاق بهم ترغيباً في الإحسان ليس بشيء عندي . رابعها : أنك لو قلت : مطر الله قريب لوجدت هذه الإضافة مما تمجها الأسماع وتنبو عنها الطباع بخلاف إن رحمت الله فدل على أنه ليس بمنزلته في المعنى . وأجيب عنه بأن مجموع ( رحمة الله ) استعمل مراداً به المطر ، وبأن الإضافة في مطر الله إنما لم تحسن للعلم بالاختصاص ولا كذلك رحمة الله تعالى ، وهذا كما يحسن أن يقال : كلام الله تعالى ولا يحسن أن يقال : قرآن الله سبحانه ، والإنصاف أن هذا القول ليس بشيء كما لا يخفى على ذي ذهن طري . وقال ابن هشام : لا بعد في أن يقال : إن التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمور من الأمور المذكورة . واختار أنه لما كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير وكانت الرحمة مقاربة للرحم في اللفظ وكان قريب على صيغة فعيل وفعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل بمعنى مفعول جاء التذكير . وادعى أنه لا يناقض ما قدمه من الاعتراضات لأنه لا يلزم من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلاً انتفاء اعتباره مع غيره اه . ولا يخلو عن حسن سوى أنه إذا أخذ في المجموع كون الرحمة بمعنى المطر يفسد الزرع ، وقد جرى في هذه الآية بحث طويل بين ابن مالك والروذراوري وفي كلام كل حق وصواب ، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة .

وأجاب الجوهري بأن الرحمة مصدر والمصادر لا تجمع ولا تؤنث وهو كما ترى . وقيل : التذكير لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ولا يخفى بعده لأن المتضمن لضمير المؤنث ولو كان غير حقيقي لم يحسن تذكيره على المشهور ، وقيل : إن فعيلاً هنا محمول على فعيل الوارد في المصادر فإنه للمؤنث والمذكر كفعيل بمعنى مفعول كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة وهو صوت الرحل ونحو والضغيب بالضاد والغين المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة صوت الأرنب . وأنت تعلم أن حمله على فعيل بمعنى مفعول أولى من هذا الحمل وهو الذي أميل إليه ، نعم ربما يدعى أن في ذلك إشارة ما إلى مزيد قرب الرحمة لكنه بعيد جداً وقد لا يسلم . والذي أختاره أن فعيلاً هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول كما زعم الكرماني لما مرت الإشارة إليه ، ولأن الرحمة صفة ذات عند جمع وصفات الذات سواء قلنا بعينيتها أو بغيريتها أو بأنها لا ولا لا يحسن الإخبار عنها بأنها مقربة ، وذلك على القولين الأخيرين ظاهر وعلى الأول أظهر ، والقول بأن في ذلك ترغيباً في الإحسان حيث أشير إلى أنه كالفاعل وقد أثر فيما لا يقبل التأثر مما لا يكاد يسلم ، وأنه قد حمل على فعيل بمعنى مفعول كما حمل على ذلك في خصوصية قريب في قول جرير :

أتنفعك الحياة وأم عمرو *** قريب لا تزور ولا تزار

وإنما لم يقل قريبة على الأصل للإشارة لأرباب الأذهان السليمة إلى أنها قريبة جداً من المحسنين كما لا يخفى على المتأمل . واختار بعضهم تفسير الرحمة هنا بالإحسان لمكان المحسنين { وَهَلْ * جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان } [ الرحمن : 60 ] ولعله يعتبر شاملاً للإحسان الدنيوي والأخروي . ووجه القرب على ما قيل وجود الأهلية بحسب الحكمة مع ارتفاع الموانع بالكلية . وفسرها ابن جبير بالثواب ، والمتبادر منه الإحسان الأخروي . ووجه القرب عليه بأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار الدنيا وإقبال على الآخرة ، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة فلا يكون بين المحسن والثواب في الآخرة إلا الموت وكل آت قريب .

وجعل الزمخشري الآية من قبيل قوله تعالى : { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } [ طه : 82 ] الخ أي علق فيها الرحمة بإحسان الأعمال كما علق الغفران فيه بالتوبة والإيمان والعمل الصالح فكأن ( من تاب وآمن ) الخ تفسير للمحسينين وهو إشارة إلى ما يزعمه قومه من أن الآية تدل على أن صاحب الكبيرة لا يخلص من النار لأنه ليس من المحسنين ، والتخليص من النار بعد الدخول فيها رحمة . وأجيب بأن صاحب الكبيرة مؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن يكون كذلك فهو محسن بدليل أن الصبي إذا بلغ ضحى وآمن ومات قبل الظهر فقد اجتمعت الأمة على أنه داخل تحت قوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } [ يونس : 26 ] فهو محسن بمجرد الإيمان ، والقول بأن المحسنين هم الذين أتوا بجميع أنواع الإحسان على ما يؤذن به الآية الممثل بها أول البحث أول المسألة . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه فسر المحسنين بالمؤمنين . وعن بعضهم تفسيره بالداعين خوفاً وطمعاً لقرينة السباق على ذلك ونظر فيه .

ومن باب الإشارة :{ ولا تفسدوا في الأرض } أي أرض البدن { بعد إصلاحها } بالاستعداد { وادعوه خوفاً وطمعاً } [ الأعراف : 56 ] لئلا يلزم إهمال إحدى صفتي الجلال والجمال

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

{ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ } بعمل المعاصي { بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } بالطاعات ، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق ، كما قال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق ، والأعمال ، والأرزاق ، وأحوال الدنيا والآخرة .

{ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي : خوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه ، طمعا في قبولها ، وخوفا من ردها ، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه ، ونزل نفسه فوق منزلته ، أو دعاء من هو غافل لاَهٍ .

وحاصل ما ذكر اللّه من آداب الدعاء : الإخلاص فيه للّه وحده ، لأن ذلك يتضمنه الخفية ، وإخفاؤه وإسراره ، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا غافلا ، ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة ، وهذا من إحسان الدعاء ، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها ، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه ، ولهذا قال : { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه ، المحسنين إلى عباد اللّه ، فكلما كان العبد أكثر إحسانا ، كان أقرب إلى رحمة ربه ، وكان ربه قريبا منه برحمته ، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، وذلك أن الله [إذا] بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه، صلحت الأرض وصلح أهلها، وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها، يقول: لا تعملوا في الأرض بالمعاصي بعد الطاعة، {وادعوه خوفا} من عذابه، {وطمعا} في رحمته، فمن فعل ذلك وهو محسن، فذلك قوله: {إن رحمت الله قريب من المحسنين}، يعني بالرحمة المطر، يقول: الرحمة لهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بقوله:"وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها" لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها وذلك هو الفساد فيها. وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبيّنا معناه بشواهده. "بعدَ إصْلاحِها "يقول: بعد إصلاح الله إياها لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحقّ، وإيضاحه حججه لهم. "وَادْعُوهُ خَوْفا وَطَمَعا" يَقُولُ: وأخلصوا له الدعاء والعمل، ولا تشركوا في عملكم له شيئا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذّبين، لأن من لم يخف عقاب الله ولم يَرْج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه. "إنّ رَحمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ" يقول تعالى ذكره: إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم. وذلك هو رحمته لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته، إلاّ أن تفارق أرواحهم أجسادهم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} بعد ما خلقها طاهرة عن جميع أنواع المعاصي والفواحش وسفك الدماء وغير ذلك. ويقال: {بعد إصلاحها} بعد ما أعطاكم أسبابا تقدرون على الإصلاح. وجائز أن يكون المراد بإصلاح الأرض أهلها. وقوله تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا} قال بعضهم: {خوفا} لما كان في العبادة من التقصير {وطمعا} في التجاوز والقبول؛ لأنه لا أحد يقدر أن يعبد ربه حق عبادته... ويجب على كل مؤمن أن يكون في كل فعل الخير خائفا راجيا، الخوف للتقصير والرجاء للقبول. وقال بعضهم: خوفا من عذابه ونقمته وطمعا في جنّته. [وقوله تعالى] {إن رحمة الله قريب من المحسنين} قال أهل التأويل: إن الجنة {قريب من المحسنين} ويقولون: أراد بالقريب الوقوع فيها والنزول. ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة صفته فيكون تأويله: إن منفعة رحمة {الله قريب من المحسنين} وقال الحسن: إن رحمة الله، وهي الجنة قريب من الخائفين. وقال بعضهم في قوله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} أي إجابة الله قريب ممّن استجاب دعاءه. ويحتمل ما ذكرنا من منفعة رحمة الله {قريب} ممّن ذكر. ثم {المحسنين} يحتمل {المحسنين} إلى أنفسهم أو {المحسنين} إلى خلقه، أو {المحسنين} إلى نعم الله، أي أحسنوا صحبة نعمه بالقيام لشكرها واجتناب الكفران بها...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

قوله عز وجل: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} فيه أربعة أقاويل: أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، قاله الكلبي. والرابع: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه، قاله الحسن...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

...

نهى الله تعالى في هذه الآية عن الفساد في الأرض وهو الإضرار بما تمنع الحكمة منه يقال: أفسد الحر التفاحة إذا أخرجها إلى حال الضرر بالتغيير.

والإصلاح: النفع بما تدعو إليه الحكمة ولذلك لم تكن الآلام في النار إصلاحا لأهلها، لأنه لا نفع لهم فيها... والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمن.

والأمن: سكون النفس إلى انتفاء المضار، والخوف يكون بالعصيان. والأمن بالإيمان.

والطمع: توقع المحبوب، ونقيضه اليأس وهو: القطع بانتفاء المحبوب...

والإحسان هو: النفع الذي يستحق به الحمد. والإساءة هي الضرر الذي يستحق به الذم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ولا تفسدوا في الأرض...} ألفاظ عامة تتضمن كل إفساد قلَّ أو كثر بعد إصلاح، قل أو كثر، والقصد بالنهي هو على العموم وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على وجهة المثال...

{وادعوه خوفاً وطمعاً} أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتحزن وتأميل الله عز وجل حتى يكون الرجاء والخوف كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء، وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، وهذا كله احتياط.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} معناه ولا تفسدوا شيئا في الأرض، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول. فقوله: {ولا تفسدوا} منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة، وأما قوله: {بعد إصلاحها} فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال: لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح، وذلك مستكره في بداهة العقول.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصا خاصا دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص. واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام، الحرمة. وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات.

قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء، ثم بين في قوله {وادعوه خوفا وطمعا} أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته.

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

تفسير قوله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين}. فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا، فقرب مطلوبكم منكم (وهو الرحمة) بحسب أدائكم لمطلوبه منكم (وهو الإحسان) الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم. فإن الله تعالى هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم.

وقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه. فدلالته بمنطوقه: على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه: على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه: على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة. وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته. والله سبحانه يحب المحسنين وببغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

البشر سادة هذه الأرض، وهم منها كالقلب من الجسد والعقل من النفس، فإذا صلحوا صلح كل شيء وإذا فسدوا فسد كل شيء. وأشد الفساد الكبر والعتو، الداعيان إلى الظلم والعلو، ألم تر إلى هؤلاء الإفرنج كيف أصلحوا كل ما في الأرض من معدن ونبات وحيوان، وعجزوا عن إصلاح نفس الإنسان، بمعاداتهم أكمل الأديان، فحولت دولهم كل ما اهتدى إليه علماؤهم من وسائل العمران، إلى إفساد نوع الإنسان، وتعادي شعوبه بالتنازع على الملك والسلطان، وإباحة الكفر والفسوق والعصيان وبذل ثروة العاملين من شعوبهم، في سبيل التنكيل بالمخالفين لهم، والجناية على أعدائهم ولو بالجناية على أنفسهم. روى أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش أنه سئل عن قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} فقال إن الله بعث محمدا إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض اه. والإفساد بعد الإصلاح أظهر قبحا من الإفساد على الإفساد، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذ هو لم يحفظه ويجري على سننه. فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ ولذلك خصه بالذكر، وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال، فحجة الله على الخلوف والخلائف من المسلمين المفسدين، لما كان من إصلاح السلف الصالحين، أظهر من حجته على الكافرين، الذين هم أحسن حالا من سلفهم الغابرين.

ومن العبرة في الآية أن الماديين من البشر يعدون الرحمة ضعفا في النفس تجب مقاومته بالتعليم والتربية أي بإفساد الفطرة الإلهية التي أودع فيها الرب الرحيم جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه ويتعاطفون، وقاعدة التربية المادية: أن أمور الحياة كلها تجارة يقصد بها الربح العاجل، فإذا رأيت امرأ أو امرأة أو طفلا أو عشيرة أو أمة عرضة للآلام والهلاك ولم يكن لك ربح وفائدة خاصة من دفع الهلاك عنهم فلا تكلف نفسك ذلك، وإن كان لك أو لقومك ربح من ظلم فرد من الأفراد أو شعب من الشعوب وإشقائه بالاستعباد وإفساد الأخلاق وإرهاق الأجساد، فافعل ذلك وتوسل إليه بكل الوسائل التي يدلك عليها العلم وتمكنك منها القوة، بل هم يربون أولادهم على أن لا ينالوا منهم شيئا إلا بعمل يعملونه لهم، وليطبعوا في أنفسهم ملكة طلب الربح من كل عمل، وهذا حسن إذا لم ينزعوا منها عواطف الرحمة وحب الإحسان بمراغمة الفطرة وإفسادها. على هذه القاعدة قام بناء الاستعمار الإفرنجي في العالم فكل دولة أوروبية تستولي على شعب من الشعوب تعنى أشد العناية بإفساد أخلاقه وإذلال نفسه واستنزاف ثروته، وكل ما تعمله في بلاده من عمل عمراني كتعبيد الطرق وإصلاح ري الأرض فلأجل توفير ربحها منها، وتمكينها من سوق جيوشها التي تستعبد بها أهلها.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...فذكَّرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزّهاً عن أن يخالطه فساد، فإنّهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد، فأشبه موقعَ الاحتراس، وكذلك دأب القرآن أن يعقِّب التّرغيب بالتّرهيب، وبالعكس، لئلاّ يقع النّاس في اليأس أو الأمْن.

والاهتمامُ بدرء الفساد كان مَقَاماً هنا مقتضياً التّعجيل بهذا النّهي مُعترضاً بين جملتي الأمر بالدّعاء.

.. والإفساد في كلّ جزء من الأرض هو إفساد لمجموع الأرض، وقد يكون بعض الإفساد مؤدّياً إلى صلاح أعظم ممّا جرّه الإفساد من المضرّة، فيترجّح الإفساد إذا لم يمكن تحصيل صلاح ضروري إلاّ به، فقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، ونهى أبو بكر رضي الله عنه عن قطع شجر العدوّ، لاختلاف الأحوال.

والبعدية في قوله: {بعد إصلاحها} بعديةٌ حقيقيةٌ، لأنّ الأرض خلقت من أوّل أمرها على صلاح قال الله تعالى: {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها} [فصلت: 10] على نظام صالح بما تحتوي عليه، وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات التي جعلها الله على الأرض، وخلق له ما في الأرض، وعزّز ذلك النّظام بقوانين وضعها الله على ألْسِنَةِ المرسلين والصّالحين والحكماء من عباده، الذين أيّدهم بالوحي والخطاب الإلهي، أو بالإلهام والتّوفيق والحكمة، فعلموا النّاس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع بنفع النّافع وإزالة ما في بعض النّافع من الضرّ وتجنّب ضرّ الضار، فذلك النّظامُ الأصلي، والقانُونُ المعزّزُ له، كلاهما إصلاح في الأرض، لأنّ الأوّل إيجاد الشّيء صالحاً، والثّاني جعل الضّار صالحاً بالتّهذيب أو بالإزالة، وقد مضَى في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} في سورة البقرة (11)، أنّ الإصلاح موضوع للقدر المشترك بين إيجاد الشّيء صالحاً وبين جعل الفاسد صالحاً. فالإصلاح هنا مصدر في معنى الاسم الجامد، وليس في معنى الفعل، لأنّه أريد به إصلاح حاصل ثابت في الأرض لا إصلاح هو بصدد الحصول، فإذا غُيّر ذلك النّظام فأفْسِد الصّالحُ، واستُعمل الضّار على ضرّه، أو استبقى مع إمكان إزالته، كان إفساداً بعد إصلاح، كما أشار إليه قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73].

والتّصريح بالبعدية هنا تسجيل لفظاعة الإفساد بأنّه إفساد لما هو حسن ونافع، فلا معذرة لفاعله ولا مساغ لفعله عند أهل الأرض.

عود إلى أمر الدّعاء لأنّ ما قبله من النّهي عن الإفساد أشبه الاحتراس المعترض بين أجزاء الكلام، وأعيد الأمر بالدّعاء ليبنى عليه قوله: {خوفاً وطمعاً} قصداً لتعليم الباعث على الدّعاء بعد أن عُلّموا كيفيته، وهذا الباعث تنطوي تحته أغراض الدّعاء وأنواعه، فلا إشكال في عطف الأمر بالدّعاء على مِثله لأنّهما مختلفان باختلاف متعلّقاتهما.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

.. ذكرنا أن من الاعتداء في الدعاء، أن ينصرف عن العمل في الدنيا كاسبا متكلا على الدعاء كما يفعل الرهبان، وإنما يجب مع ذكر الله أن يندمج مصلحا في الأرض منتجا مثمرا فإن ذلك فيه إرضاء لله؛ لأن فيه خيرا للعباد ونفعا لهم، و (خير الناس أنفعهم للناس).

وإن الله تعالى في وسط الأمر بالدعاء نهى عن الإفساد في الأرض، ويتضمن ذلك العمل فيها بالإنتاج والإنماء يقول تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}.

إصلاح الأرض: خلقها صالحة لأن يعيش عليها الإنسان في زرعها وغرسها، ومستمتعا بكل حلالها وطيباتها، وقد أرسل الرسل منذرين ومبشرين، وهداة إلى الحق ومصلحين وعاملين للخير.

وإفسادها إشاعة الظلم، وإفساد ما تنتج، والتعدي التعاون على الإثم والعدوان وقطع الأشجار وحرق الثمار، وجاء في القرطبي (تجارة الحكام من الفساد في الأرض).

وترى أنه قد جاء النهي عن الفساد، ولم يجئ الأمر بالإصلاح؛ وذلك لأن الله تعالى تولى جعل الأرض صالحة لأن يعيش فيها أهلها آمنين مطمئنين بأن جعلها مهادا، وجعل الجبال أوتادا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات كل شيء: أخرج به حبا متراكبا، وغروسا ذات ثمار يانعة، فهو – سبحانه وتعالى – تولى ما به صلاح ذات الأرض، وأرسل الرسل تصلح ما بين الناس بالحق، وأجرى على أيديهم شرائع تهديهم إلى الرشاد، وتأخذهم إلى الحق إن استقاموا على الطريقة، وإذا عرفنا معنى الإصلاح الذي كان من الله تعالى في الأرض، عرفنا معنى الإفساد الذي يكون بعد الإصلاح الأزلي الذي قرره الله تعالى فيكون الإفساد تخريب العامر، وقطع القائم وإهلاك الحرث والنسل، وتعطيل شرائع الله، وإشاعة الأخلاق الفاسدة، وإثارة الغرائز الفتاكة والقاتلة لكل فضيلة بين الناس، وفتح باب الرشا وأكل السحت.

وقوله: {بعد إصلاحها}، تقرير لواقع الأمور؛ لأن الفساد لا يكون إلا تقويضا لصالح، وإنه في وسط تلك المعرفة القائمة بين الصلاح والفساد، مع الامتناع عن الثاني يكون الالتجاء إلى الله تعالى؛ ولذا قال تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا}...