الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

قوله تعالى : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر . فهو على العموم على الصحيح من الأقوال . وقال الضحاك : معناه لا تعوروا{[7186]} الماء المعين ، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا . وقد ورد : قطع الدنانير من الفساد في الأرض . وقد قيل : تجارة الحكام من الفساد في الأرض . وقال القشيري : المراد ولا تشركوا ، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض ، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها ، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل ، وتقرير{[7187]} الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عطية : وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر .

قلت : وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه ، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن ، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عور ماء قليب{[7188]} بدر وقطع شجر الكافرين . وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في " هود{[7189]} " إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى : " وادعوه خوفا وطمعا " أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته ، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان ، قال الله تعالى : " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم{[7190]} " [ الحجر : 49 ، 50 ] . فرجى وخوف . فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه . قال الله تعالى : " ويدعوننا رغبا ورهبا{[7191]} " [ الأنبياء : 90 ] . وسيأتي القول فيه . والخوف : الانزعاج لما لا يؤمن من المضار . والطمع : توقع المحبوب . قاله القشيري . وقال بعض أهل العلم : ينبغي أن يغلب{[7192]} الخوف الرجاء طول الحياة ، فإذا جاء الموت غلب الرجاء . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) . صحيح أخرجه مسلم .

قوله تعالى : " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ولم يقل قريبة . ففيه سبعة أوجه : أولها أن الرحمة والرحم واحد ، وهي بمعنى العفو والغفران . قاله الزجاج واختاره النحاس . وقال النضر بن شميل : الرحمة مصدر ، وحق المصدر التذكير . كقوله : " فمن جاءه موعظة{[7193]} " [ البقرة : 275 ] . وهذا قريب من قول الزجاج ؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ . وقيل : أراد بالرحمة الإحسان ؛ ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره . ذكره الجوهري . وقيل : أراد بالرحمة هنا المطر . قاله الأخفش . قال : ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث . وأنشد :

فلا مزنة ودقت ودقها *** ولا أرض أبقل إبقالها{[7194]}

وقال أبو عبيدة : ذكر " قريب " على تذكير المكان ، أي مكانا قريبا . قال علي بن سليمان : وهذا خطأ ، ولو كان كما قال لكان " قريب " منصوبا في القرآن ، كما تقول : إن زيدا قريبا منك . وقيل : ذكر على النسب ، كأنه قال : إن رحمة الله ذات قرب ، كما تقول : امرأة طالق وحائض . وقال الفراء : إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر مؤنث ، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم . تقول : هذه المرأة قريبتي ، أي ذات قرابتي ، ذكره الجوهري . وذكره غيره عن الفراء : يقال في النسب قريبة فلان ، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث ، يقال : دارك منا قريب ، وفلانة منا قريب ، قال الله تعالى : " وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا{[7195]} " [ الأحزاب : 63 ] . وقال من احتج له : كذا كلام العرب ؛ كما قال امرؤ القيس :

له الويلُ إن أمسى ولا أمَّ هاشم *** قريبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ابنةُ يَشْكُرَا

قال الزجاج : وهذا خطأ ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما .


[7186]:عورت عيون المياه: إذا دفنتها وسددتها.
[7187]:في ز: تقرير.
[7188]:القليب: (بفتح القاف) : البئر العادية القديمة لا يعلم لها رب ولا حافر، تكون في البراري.
[7189]:راجع ج 9 ص 84.
[7190]:راجع ج 10 ص 34.
[7191]:راجع ج 11 ص 336
[7192]:هذا يخالف ما ورد عند عليه الصلاة والسلام "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تربص ما زاد أحدهما على الآخر وفي رواية "لاعتدلا" وورد عن حذيفة رضي الله عنه حين احتضر: اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء والآن الرجاء فيك أمثل.
[7193]:راجع ج 3 ص 347
[7194]:البيت لعامر ابن جوين الطائي. وصف أرضا مخصبة لكثرة ما نزل بها من الغيث. والودق: المطر والمزنة: السحابة (عن شرح الشواهد)
[7195]:راجع ج 14 ص 248