روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (37)

{ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى مِن دُونِ الله } شروع في بيان حالهم من القرآن إثر بيان حالهم مع الأدلة المندرجة في تضاعيفه أو استئناف لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه غب المنع مع اتباع الظن ، وقيل : إنه متعلق بما قصه الله تعالى من قولهم : { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا } [ يونس : 15 ] وقيل : بقوله سبحانه : { وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ يونس : 20 ] الخ ولا يخفى ما في ذلك من البعد { وَكَانَ } هنا ناقصة عند كثير من الكاملين { وهذا } اسمها { والقرءان } نعت له أو عطف بيان { وَأَنْ * يفْتَرى } بتأويل المصدر أي افتراء خبر { كَانَ } وهو في تأويل المفعول أي مفترى كما ذكره ابن هشام في قاعدة أن اللفظ قد يكون على تقدير وذلك المقدر على تقدير آخر ، ومنه قوله

: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى . . . وذهب بعض المعربين أن { مَا كَانَ } بمعنى ما صح وأن في الكلام لاما مقدرة لتأكيد النفي ، والأصل ما كان هذا القرآن لأن يفتري كقوله تعالى : { وَمَا كَانَ * المؤمنون * لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة : 122 ] { وَأَنْ * يَفْتَرِى } خبر كان { وَمِن دُونِ * الله } خبر ثان وهو بيان للأول ، أي ما صح ولا استقام أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الهدايات المستوجبة للاتباع التي حمن جملتها هاتيك الحجج البينة الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك صادراً من غير الله تعالى كيف كان ، وقيل عليه ما قيل لكنه لا ينبغي العدول عما قاله في محل { مِن دُونِ الله } وما ذكر في حاصل المعنى أمر مقبول كمالا يخفى ، وجوز البدر الدماميني أن تكون { كَانَ } تامة { وَأَنْ * يفْتَرى } بدل اشتمال من { هذا القرءان } وتعقب بأنه لا يحسن قطعاً لأن ما وجد القرآن يوهم من أول الأمر نفي وجوده وأيضاً لا بد من الملابسة بين البدل والمبدل منه في بدل الاشتمال فيلزم أن يبتني الكلام على الملابسة بين القرآن العظيم والافتراء وفي التزام كل ما ترى ، وأجيب عن ذلك بما لا أراه مثبتاً للحسن أصلاً ، واقتصر بعضهم على اعتبار المصدر من غير تأويله باسم المفعول اعتباراً للمبالغة على حد ما قيل في زيد عدل ، والظاهر عندي أن المبالغة حينئذٍ راجعة إلى النفي نظير ما قيل في قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ آل عمران : 182 ] لا أن النفي راجع إلى المبالغة كما لا يخفى ، ومن هنا يعلم ما في قول بعض المحققين : إن قول الزمخشري في بيان معنى الآية : وما صح وما استقام وكان محالاً أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى ربما يشعر بأنه على حذف اللام إذ مجرد توسيط كان لا يفيد ذلك والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد معنى النفي من النظر ، ثم إنهم فيما رأينا لم يعتبروا المصدر هنا إلا نكرة ، والمشهور اتفاق النحاة على أن أن والفعل المؤول بالمصدر معرفة ولذلك لا يخبر به عن النكرة ، وكأنه مبني على ما قاله ابن جني في الخاطريات من أنه يكون نكرة وذكر أنه عرضه على أبي علي فارتضاه .

واستشكل بعضهم هذه الآية بأن أن تخلص المضارع للاستقبال كما نص على ذلك النحويون ، والمشركون إنما زعموا كون القرآن مفترى في الزمان الماضي كما يدل عليه ما يأتى إن شاء الله تعالى فكيف ينبغي كونه مفترى في الزمان المستقبل . وأجيب عنه بأن الفعل فيها مستعمل في مطلق الزمان وقد نص على جواز ذلك في الفعل ابن الحاجب . وغيره ونقله البدر الدماميني في شرحه لمغني اللبيب ، ولعل ذلك من باب المجاز ، وحينئذٍ يمكن أن يكون نكتة العدول عن المصدر الصريح مع أنه المستعمل في كلامهم عند عدم ملاحظة أحد الأزمنة نحو أعجبني قيامك أن المجاز أبلغ من الحقيقة ، وقيل : لعل النكتة في ذلك استقامة الحمل بدون تأويل للفرق بين المصدر الصريح والمؤول على ما أشار إليه شارح اللباب . وغيره ، ولا يخفى أن فيه مخالفة لما مرت الإشارة إليه من أن أن والفعل في تأويل المصدر وهو في تأويل المفعول .

قيل : وقد يجاب أيضاً عن أصل الإشكال بأنه إنما نفى في الماضي إمكان تعلق الافتراء به في المستقبل وكونه محلاً لذلك فينتفي تعلق الافتراء بالفعل من باب أولى ، وفي ذلك سلوك طريق البرهان فيكون في الكلام مجاز أصلي أو تبعي ، وقد نص أبو البقاء على جواز كونه الخبر محذوفاً وأن التقدير وما كان هذا القرآن ممكناً أن يفترى ، وقال العلامة ابن حجر : إن الآية جواب عن قولهم : { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ } [ يونس : 15 ] وهو طلب للافتراء في المستقبل ، وأما الجواب عن زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام افتراه وحاشاه فسيأتي عند حكاية زعمهم ذلك فلا إشكال ، على أن عموم تخليص أن المضارع للاستقبال في حيز المنع ، لم لا يجوز أن يكون ذلك فيما عدا خبر كان المنفية كما يرشد إليه قوله سبحانه : { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] فإنه نزل عن استغافار سبق منهم للمشركين كما قاله أئمة التفسير ، وقد أطال الكلام على ذلك في ذيل فتاويه فتبصر .

{ ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي من الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل ، فالمراد من الموصول الجنس ، وعنى بالتصديق بيان الصدق وهو مطابقة الواقع وإظهاره وإضافته إما لفاعله أو مفعوله ، وتصديق الكتب له بأن ما فيه من العقائد الحقة مطابق لما فيها وهي مسلمة عند أهل الكتاب وما عداهم إن اعترف بها وإلا فلا عبرة به .

/ وفي جعل الإضافة للمفعول مبالغة في نفي الافتراء عنه لأن ما يثبت ويظهر به صدق غيره فهو أولى بالصدق ، ووجه كونه مصدقاً لها أنه دال على نزولها من عند الله تعالى ومشتمل على قصص الأولين حسبما ذكر فيها وهو معجز دونها فهو الصالح لأن يكون حجة وبرهاناً لغيره لا بالعكس ، وزعم بعضهم أن المراد من { الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } أخبار الغيوب والإضافة للفاعل ، وتصديقها له مجيئها على وفق ما أخبر به وليس بشيء ، ونصب التصديق على العطف على خبر كان أو على أنه خبر لكان مقدرة ، وقيل : على أنه مفعول لأجله لفعل مقدر . أي أنزل لتصديق ذلك ، وجعل العلة هنا ما ذكر مع أنه أنزل لأمور لأنه المناسب لمقام رد دعوى افترائه ، وقيل : نصب على المصدرية لفعل مقدر أي صدق تصديق الخ ، وقرأ عيسى بن عمرو الثقفي برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديق الخ وكذا قرأ بالرفع في قوله تعالى : { وَتَفْصِيلَ الكتاب } أي ما كتب وأثبت من الحقائق والشرائع ، والعطف نصباً أو رفعاً على { تَصْدِيقَ } وقوله سبحانه : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } خبر آخر للكن أو للمبتدأ المقدر ، وفصل لأنه جملة مؤكدة لما قبلها ، وجوز أن يكون حالاً من الكتاب وإن كان مضافاً إليه فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافاً نحوياً لا محل له من الإعراب أو بيانياً جواباً للسؤال عن حال الكتاب والأول أظهر ، والمعنى لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه لوضوح برهانه وعلو شأنه { مِن رَّبّ العالمين } خبر آخر لكان أو المبتدأ المقدر كما مر في سابقه أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو بالفعل المعلل بهما أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب و { لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض لئلا يلزم الفصل بالأجنبي بين المتعلق والمتعلق أو الحال وذيها . وجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في { فِيهِ } .

ومن باب الإشارة :{ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يُفْتَرى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ } من اللوح المحفوظ

{ وَتَفْصِيلَ الكتاب } [ يونس : 37 ] الذي هو الأم ، أي كيف يكون مختلقاً وقد أثبت قبله في كتابين مفصلاً ومجملاً { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [ يونس : 39 ] ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر والاطلاع على الحقيقة وهذه عادة المنكرين أهل الحجاب مع كلمات القوم حيث أنهم يسارعون إلى إنكارها قبل التأمل فيها وتدبر مضامينها والوقوف على الاصطلاحات التي ينبت عليها وكان الحرى بهم التثبت والتدبر والله تعالى ولي التوفيق .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (37)

{ 37 - 41 ْ } { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ْ }

يقول تعالى : { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ْ } أي : غير ممكن ولا متصور ، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى ، لأنه الكتاب العظيم الذي { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ْ } وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ، وهو كتاب الله الذي تكلم به ]رب العالمين[ ، فكيف يقدر أحد من الخلق ، أن يتكلم بمثله ، أو بما يقاربه ، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه ؟ " .

فإن كان أحد يماثل الله في عظمته ، وأوصاف كماله ، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن ، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير ، فتقوله أحد على رب العالمين ، لعاجله بالعقوبة ، وبادره بالنكال .

{ وَلَكِنْ ْ } الله أنزل هذا الكتاب ، رحمة للعالمين ، وحجة على العباد أجمعين .

أنزله { تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ْ } من كتب الله السماوية ، بأن وافقها ، وصدقها بما شهدت به ، وبشرت بنزوله ، فوقع كما أخبرت .

{ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ْ } للحلال والحرام ، والأحكام الدينية والقدرية ، والإخبارات الصادقة .

{ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ْ } أي : لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه ، بل هو الحق اليقين : تنزيل من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه .

ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية ، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (37)

وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله ، ووصفتهم بالجهالة وسفاهة الرأي ، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا بليغا . استمع إلى السورة الكريمة وهى تتحدث عن كل ذلك فتقول :

{ وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن . . . }

قال الإِمام ابن كثير " هذا بيان لإِعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله ؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة ، لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ولا في أقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ، ولهذا قال - تعالى - : { وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله } .

والنفي هنا للشأن الذي هو أبلغ في النفى ، وأعمق في الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله ، من نفى الشيء في ذاته مباشرة .

أى : وليس من شأن هذا القرآن المعجز ، أن يخترعه أو يختلفه أحد من الإِنس أو الجن أو غيرهما ؛ لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغه وتشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات جامعة . . . يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر .

وقوله : { ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكتاب } بيان لكمال هداية القرآن الكريم ، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة .

والمراد بالذي بين يديه : الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإِنجيل والزبور .

وقوله { بَيْنَ يَدَيْهِ } فيه نوع مجاز ؛ لأن ما بين يدى الشيء يكون أمامه ، فوصف - سبحانه - ما مضى من الكتب بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها ، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة : تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله - تعالى - ، ومن أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره .

وأل في { الكتاب } للجنس ، فالمراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها - سبحانه - على بعض أنبيائه .

والمعنى : ليس من شأن هذا الكتاب في إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله ، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك ، ولكن من شأنه أن يكون مؤيداً للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله - تعالى - ومن اتباع لرسله ، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام .

وقوله { تصديق } منصوب على أنه معطوف على خبير كان ، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى : ولكن كان تصديق .

وقوله { لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين } بيان لمصدره .

أى : هذا الكتاب لا ريب ولا شك في كونه منزلا على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله - تعالى - رب العالمين .

وفصلت جملة { لاَ رَيْبَ فِيهِ } عما قبلها لأنها مؤكدة له ، ومقررة لمضمونه .

ونفى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق : مع وقوع الريب فيه من المشركين ، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة بيانه ، وسطوع حجته ، ووضوح دلائله ، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحيا سماوياً ، ومصدر هداية وإصلاح فجملة { لاَ رَيْبَ فِيهِ } تنفي الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه ، ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية ، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم .