{ وَأَنفِقُواْ في سَبِيلِ الله } عطف على { قَاتَلُواْ } [ البقرة : 190 ] أي وليكن منكم إنفاق ما في سبيله { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } بترك الغزو والإنفاق فيه ، فهو متعلق بمجموع المعطوف والمعطوف عليه نهياً عن ضدهما تأكيداً لهما ، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد عن أبي عمران قال : كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم فحمل رجل من المسلمين حتى دخل فيهم ، فقال الناس : ألقى بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : أيها الناس ، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت فينا معاشر الأنصار ، إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام ، وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد علينا ما قلنا وأنفقوا الخ ، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو . وقال الجبائي : التهلكة الإسراف في الإنفاق ، فالمراد بالآية النهي عنه بعد الأمر بالإنفاق تحرياً للطريق الوسط/ بين الإفراط والتفريط فيه ، وروى البيهقي في «الشعب » عن الحسن أنها البخل لأنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد فيكون النهي مؤكداً للأمر السابق ، واختار البلخي أنها اقتحام الحرب من غير مبالاة ، وإيقاع النفس الخطر والهلاك ، فيكون لكلام متعلقاً ب { قَاتَلُواْ } نهياً عن الإفراط والتفريط في الشجاعة ، وأخرج سفيان بن عيينة وجماعة عن البراء بن عازب أنه قيل : له { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } هو الرجل يلقي العدو فيقاتل حتى يقتل ، قال : لا ، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول : لا يغفر الله تعالى لي أبداً وروي مثله عن عبيدة السلماني وعليه يكون متعلقاً بقوله سبحانه : { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ البقرة : 192 ] وهو في غاية البعد ، ولم أر من صحح الخبر عن البراء رضي الله تعالى عنه سوى الحاكم وتصحيحه لا يوثق به وظاهر اللفظ العموم والإلقاء تصيير الشيء إلى جهة السفل وألقى عليه مسألة مجاز ، ويقال لكل من أخذ من عمل ألقى يديه إليه وفيه ، ومنه قول لبيد في الشمس :
حتى إذا ( ألقت ) يداً في كافر *** وأجن عورات الثغور ظلامها
وعدى بإلى لتضمنه معنى الإفضاء أو الإنهاء والباء مزيدة في المفعول تأكيد معنى النهي ، لأن ألقى يتعدى كما في { فألقى موسى عصاه } [ الشعراء : 5 4 ] وزيادتها في المفعول لا تنقاس ، والمراد بالأيدي الأنفس مجازاً ، وعبر بها عنها لأن أكثر ظهور أفعالها بها ، وقيل : يحتمل أن تكون زائدة والأيدي بمعناها ، والمعنى لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم قابضة إياها ، وأن تكون غير مزيدة والأيدي أيضاً على حقيقتها ويكون المفعول محذوفاً أي : لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة وفائدة ذكر الأيدي حينئذ التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار ، والتهلكة مصدر كالهلك والهلاك ، وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين إلا هذا في المشهور ، وحكى سيبويه عن العرب تضرة وتسرة أيضاً بمعنى الضرر والسرور ، وجوز أن يكون أصلها تهلكة بكسر اللام مصدر هلك مشدداً كالتجربة والتبصرة فأبدلت الكسرة ضمة وفيه أن مجيء تفعلة بالكسر من فعل المشدد الصحيح الغير المهموز شاذ ، والقياس تفعيل وإبدال الكسرة بالضم من غير علة في غاية الشذوذ ، وتمثيله بالجوار مضموم الجيم في جوار مكسورها ليس بشيء إذ ليس ذلك نصاً في الإبدال لجواز أن يكون بناء المصدر فيه على فعال مضموم الفاء شذوذاً يؤيده ما في «الصحاح » جاورته مجاورة وجواراً وجواراً والكسر أفصح ، وفرق بعضهم بين التهلكة والهلاك بأن الأول : ما يمكن التحرز عنه ، والثاني : ما لا يمكن ، وقيل : الهلاك مصدر والتهلكة نفس الشيء المهلك ، وكلا القولين خلاف المشهور ، واستدل بالآية على تحريم الإقدام على ما يخاف منه تلف النفس ، وجواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين { وَأَحْسِنُواْ } أي بالعود على المحتاج قاله عكرمة وقيل : أحسنوا الظن بالله تعالى وأحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات ولعله أولى . { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } ويثيبهم .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأَنفِقُواْ في سَبِيلِ الله } ما معكم من العلوم بالعمل به والإرشاد { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } إلى تهلكة التفريط وأحسنوا [ البقرة : 195 ] بأن تكونوا مشاهدين ربكم في سائر أعمالكم إن الله يحب المشاهدين له .
{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }
يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله ، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله ، وهي كل طرق الخير ، من صدقة على مسكين ، أو قريب ، أو إنفاق على من تجب مؤنته .
وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ، فإن النفقة فيه جهاد بالمال ، وهو فرض كالجهاد بالبدن ، وفيها من المصالح العظيمة ، الإعانة على تقوية المسلمين ، وعلى توهية الشرك وأهله ، وعلى إقامة دين الله وإعزازه ، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة ، فالنفقة له كالروح ، لا يمكن وجوده بدونها ، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله ، إبطال للجهاد ، وتسليط للأعداء ، وشدة تكالبهم ، فيكون قوله تعالى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } كالتعليل لذلك ، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين : ترك ما أمر به العبد ، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح ، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح ، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة ، فمن ذلك ، ترك الجهاد في سبيل الله ، أو النفقة فيه ، الموجب لتسلط الأعداء ، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف ، أو محل مسبعة أو حيات ، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا ، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك ، فهذا ونحوه ، ممن ألقى بيده إلى التهلكة .
ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة{[130]} الإقامة على معاصي الله ، واليأس من التوبة ، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض ، التي في تركها هلاك للروح والدين .
ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان ، أمر بالإحسان عموما فقال : { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان ، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء ، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم .
ويدخل فيه الإحسان بالجاه ، بالشفاعات ونحو ذلك ، ويدخل في ذلك ، الإحسان بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتعليم العلم النافع ، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس ، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم ، وعيادة مرضاهم ، وتشييع جنائزهم ، وإرشاد ضالهم ، وإعانة من يعمل عملا ، والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك ، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به ، ويدخل في الإحسان أيضا ، الإحسان في عبادة الله تعالى ، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك "
فمن اتصف بهذه الصفات ، كان من الذين قال الله فيهم : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.