فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

{ أنفقوا } اصرفوا المال في المصالح

{ التهلكة } الهلاك . { المحسنين } الذين يعبدون الله كأنهم يرونه .

{ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }روى البخاري{[623]} عن حذيفة قال نزلت في النفقة أي لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة{[624]} وسبيل الله هنا الجهاد واللفظ يتناول بعد جميع سلبه قال المبرد { بأيديكم } بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل كما جاء في قول ربنا تبارك اسمه { ذلك بما قدمت يداك }{[625]} وقال الزجاج وغيره التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما تقول لا تفسد حالك برأيك أي لا تأخذوا فيما لا يهلككم أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم .

{ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } أمر بالإحسان وهو أعلى مقاما ت الطاعة كما جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام إذ جاءه يسأله عن أمور -تعليما للأمة- : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وربما يكون معنى الأمر أحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم ما تنفقونه في سبيله تعالى تقدست أسماؤه وتباركت آلاؤه وبشرى للمحسنين بأنه وهو الشكور يحب من أحسن في كل شأن تيسر له واستصحب الإتقان في كل ما يقول ويعمل ، استجابة لهدى الكتاب العزيز{ . . . وأحسن كما أحسن الله إليك . . }{[626]} .


[623]:وروى الترمذي وصحح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على وصف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه؛ فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه؛ فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فمازال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم ونقل عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا بماذا نتجهز فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى {وأنفقوا في سبيل الله} يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله يعني في طاعة الله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا وقال زيد بن أسلم المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق أو يكون عالة على الناس.
[624]:العيلة الفقر
[625]:سورة الحج من الآية 10.
[626]:سورة القصص من الآية 77.