فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

{ وأنفقوا في سيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } .

{ وأنفقوا في سبيل الله } في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد بالمال ، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله ، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة الله تعالى ، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل الله ، ولكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد .

عن خزيم ابن فانك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أنفق في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف ) أخرجه الترمذي والنسائي . {[189]}

{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } الباء زائدة ومثله { ألم يعلم بأن الله يرى } وقال المبرد : أي بأنفسكم تعبير بالبعض عن الكل كقوله { بما كسبت أيديكم } وقيل هذا مثل مضروب يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان .

وقال قوم : التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، وعبر بالأيدي عن الأنفس ، لأن بها البطش والحركة ، والتهلكة مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم ، قال اليزيدي : التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس .

وللسلف في معنى الآية أقوال ، قال حذيفة : نزلت في النفقة أي تركها في سبيل الله مخالفة العيلة ، وروي نحوه عن ابن عباس وعكرمة والحسن ، وقال الحسن : هو البخل ، وقال زيد ابن أسلم : هو أن يهلك رجل من الجوع والعطش ومن المشي في البعث .

وقال أبو أيوب : كانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو وقال البراء ابن عازب : هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول لا يغفر الله لي أبدا وروي عن النعمان ابن بشير نحوه . وقيل أنه القنوط وقيل عذاب الله ، وقيل غير ذلك .

والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل ما يصدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا وبه قال ابن جرير الطبري .

ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين .

ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رووا السبب ، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها ، وهو ظن تدفعه لغة العرب .

{ وأحسنوا } أي في الإنفاق في الطاعة أو الظن بالله في إخلافه عليكم وقال رجل من الصحابة معناه أدوا الفرائض ، وقيل لا تقتروا ولا تسرفوا { إن الله يحب المحسنين } المنفقين في سبيله الظانين به حسنا .


[189]:صحيح الجامع الصغير 5986