التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

معطوفة على جملة { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَتَبَوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً } [ يونس : 87 ] عطف الغرض على التمهيد ، أي ، أمرناهما باتخاذ تلك البيوت تهيئة للسفر ومجاوزة البحر .

وجاوزنا ، أي قطعنا بهم البحر ، والباء للتعدية ، أي أقطعناهم البحر بمعنى جعلناهم قاطعين البحر . وتقدم نظيره في سورة الأعراف [ 138 ] . ومجاوزتهم البحر تقتضي خوضهم فيه ، وذلك أن الله جعل لهم طرائق في البحر يمُرون منها .

و { أتبعهم } بمعنى لحقهم . يقال : تَبعه فأتْبَعَه إذا سار خلفه فأدركه . ومنه { فأتبعَه شهابٌ ثاقب } [ الصافات : 10 ] . وقيل : أتبع مُرادف تبع .

والبغي : الظلم ، مصدر بغى . وتقدم عند قوله تعالى : { والإثم البغيَ بغير الحق } في [ الأعراف : 33 ] .

والعَدْو : مصدر عدا . وهو تجاوز الحد في الظلم ، وهو مسوق لتأكيد البغي . وإنما عطف لما فيه من زيادة المعنى في الظلم باعتبار اشتقاق فعل عدا .

والمعنى : أن فرعون دخل البحر يتقصّى آثارهم فسار في تلك الطرائق يريد الإحاطة بهم ومنْعَهم من السفر ، وإنما كان اتباعه إياهم ظلماً وعُدواناً إذ ليس له فيه شائبة حق ، لأن بني إسرائيل أرادوا مفارقة بلاد فرعون وليست مفارقة أحد بلده محظورة إن لم يكن لأحد عليه حق في البقاء ، فإن لذي الوطن حقاً في الإقامة في وطنه فإذا رام مغادرة وطنه فقد تخلى عن حق له ، وللإنسان أن يتخلى عن حقه ، فلذلك كان الخَلع في الجاهلية عقاباً ، وكان النفي والتغريب في الإسلام عقوبة لا تقع إلا بموجب شرعي ، وكان الإمساك بالمكان عقاباً ، ومنه السجن ، فليس الخروج من الوطن طوعاً بعُدوان . فلما رام فرعون منع بني إسرائيل من الخروج وشدّ للحاق بهم لردهم كرهاً كان في ذلك ظالماً معتدياً ، لأنه يبتغي بذلك إكراههم على البقاء ولأن غرضه من ذلك تسخيرهم .

و{ حتى } ابتدائية لوقوع { إذا } الفُجائية بعدها . وهي غاية للإتباع ، أي استمر إتباعه إياهم إلى وقت إدراك الغرق إياه ، كل ذلك لا يفتأ يجدّ في إدراكهم إلى أن أنجى الله بني إسرائيل فاخترقوا البحر ، ورد الله غمرة الماء على فرعون وجنوده ، فغرقوا وهلك فرعون غريقاً ، فمنتهى الغاية هو الزمان المستفاد من ( إذا ) ، والجملة المضافة هي إليها وفي ذلك إيجاز حذفٍ . والتقدير : حتى أدركه الغرق فإذا أدركه الغرق قال آمنت ، لأن الكلام مسوق لكون الغاية وهي إدراك الغرق إياه فعند ذلك انتهى الإتباع ، وليست الغاية هي قوله : { آمنت } وإن كان الأمران متقارنين .

والإدراك : اللحاق وانتهاء السير . وهو يؤذن بأن الغرق دنا منه تدريجياً بهول البحر ومصارعته الموج ، وهو يأمل النجاة منه ، وأنه لم يُظهر الإيمان حتى أيس من النجاة وأيقن بالموت ، وذلك لتصلبه في الكفر .

وتركيب الجملة إيجاز ، لأنها قامت مقام خمس جمل :

جملة : تفيد أن فرعون حاول اللحاق ببني إسرائيل إلى أقصى أحوال الإمكان والطمع في اللحاق .

وجملة : تفيد أنه لم يلحقهم .

وهاتان مستفادان من ( حتى ) ، وهاتان منَّة على بني إسرائيل .

وجملة : تفيد أنه غمره الماء فغرق ، وهذه مستفادة من قوله : { أدركه الغرق } وهي عقوبة له وكرامة لموسى عليه السلام .

وجملة : تفيد أنه لم يسعه إلا الإيمان بالله لأنه قهرته أدلة الإيمان . وهذه مستفادة من ربط جملة إيمانه بالظرف في قوله : { إذا أدركه الغرق } . وهذه منقبة للإيمان وأن الحق يغلب الباطل في النهاية .

وجملة : تفيد أنه مَا آمن حتى أيس من النجاة لتصلبه في الكفر ومع ذلك غلبه الله . وهذه موعظة للكافرين وعزة لله تعالى .

وقد بُني نظم الكلام على جملة : { إذا أدركه الغرق } ، وجعل ما معها كالوسيلة إليها ، فجعلت ( حتى ) لبيان غاية الإتْبَاع وجعلت الغاية أن قال : { آمنتُ } لأن إتباعه بني إسرائيل كان مندفعاً إليه بدافع حنقه عليهم لأجل الدين الذي جاء به رسولهم ليخرجهم من أرضه ، فكانت غايتُه إيمانَه بحقهم . ولذلك قال : { الذي آمنت به بنو إسرائيل } ليفيد مع اعترافه بالله تصويبه لبني إسرائيل فيما هُدوا إليه ، فجعل الصلة طريقاً لمعرفته بالله ، ولعدم علمه بالصفات المختصة بالله إلا ما تضمنته الصلة إذ لم يتبصر في دعوة موسى تمام التبصر ، ولذلك احتاج أن يزيد { وأنا من المسلمين } لأنه كان يسمع من موسى دعوتَه لأنْ يكون مسلماً فنطق بما كان يسمعه وجعل نفسه من زمرة الذين يحق عليهم ذلك الوصف ، ولذلك لم يقل : أسلمتُ ، بل قال أنا من المسلمين ، أي يلزمني ما التزموه . جاء بإيمانه مجملاً لضيق الوقت عن التفصيل ولعدم معرفته تفصيله .

وسيأتي قريباً في تفسير الآية التي بعد هذه تحقيق صفة غرق فرعون ، وما كان في بقاء بدنه بعد غرقه .

وقرأ الجمهور { آمنتُ أَنه } بفتح همزة ( أنه ) على تقدير باء الجر محذوفة . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الهمزة على اعتبار ( إنّ ) واقعة في أول جملة ، وأنّ جملتها بدل من جملة { آمنت } بحذف متعلق فعل { آمنت } لأن جملة البدل تدل عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (90)

قوله تعالى : " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر{[8567]} " تقدم القول فيه في " البقرة " في قوله : " وإذ فرقنا بكم البحر " . وقرأ الحسن " وجوزنا " وهما لغتان . " فأتبعهم فرعون وجنوده " يقال : تبع وأتبع بمعنى واحد ، إذا لحقه وأدركه . واتَّبَع ( بالتشديد ) إذا سار خلفه . وقال الأصمعي : أتبعه ( بقطع الألف ) إذا لحقه وأدركه ، واتبعه ( بوصل الألف ) إذا اتبع أثره ، أدركه أو لم يدركه . وكذلك قال أبو زيد . وقرأ قتادة " فاتبعهم " بوصل الألف . وقيل : " اتبعه " ( بوصل الألف ) في الأمر اقتدى به . وأتبعه ( بقطع الألف ) خيرا أو شرا ، هذا قول أبي عمرو . وقد قيل هما بمعنى واحد . فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا ، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف . وقد تقدم{[8568]} . " بغيا " نصب على الحال . " وعدوا " معطوف عليه ، أي في حال بغي واعتداء وظلم ؛ يقال : عدا يعدو عدوا ، مثل غزا يغزو غزوا . وقرأ الحسن " وعدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو ، مثل علا يعلو علوا . وقال المفسرون : " بغيا " طلبا للاستعلاء بغير حق في القول ، " وعدوا " في الفعل ؛ فهما نصب على المفعول له . " حتى إذا أدركه الغرق " أي ناله ووصله . " قال آمنت " أي صدقت . " أنه " أي بأنه . " لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل " فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب . وقرئ بالكسر ، أي صرت مؤمنا ثم استأنف . وزعم أبو حاتم أن القول محذوف ، أي آمنت فقلت إنه ، والإيمان لا ينفع حينئذ ، والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس ، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل ، حسب ما تقدم في " النساء{[8569]} " بيانه .

ويقال : إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى ، فجاء جبريل على فرس وديق أي شهي{[8570]} في صورة هامان وقال له : تقدم ، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون ، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد ، فلما صار آخرهم في البحر ، وهَمَّ أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر ، وألجم فرعون الغرق فقال : آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، فدس جبريل في فمه حال البحر . وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ) . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن . حال البحر : الطين الأسود الذي يكون في أرضه ؛ قال أهل اللغة . وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر : ( أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه ) . قال : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقال عون بن عبدالله : بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون ، فإنه لما أدركه الغرق قال : " آمنت " الآية ، فخشيت أن يقولها فيرحم ، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه . وقيل : إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي . وقال كعب الأحبار : أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه . فقالت له القبط : إن كنت ربنا فأجر لنا الماء ، فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز{[8571]} حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء ، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال : ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند{[8572]} له غيره ، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون : يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان : جزاؤه أن يغرق في البحر ، فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناول جبريل عليه السلام خطه . وقد مضى هذا في " البقرة{[8573]} " عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا ، وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في " البقرة " أيضا فلا معنى للإعادة . " وأنا من المسلمين " أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة .


[8567]:راجع ج 1 ص 387.
[8568]:راجع ج 1 ص 389.
[8569]:راجع ج 5 ص 90.
[8570]:أي تشتهي الفحل.
[8571]:في ع و ك و هـ: قعد.
[8572]:في ع: لا سبد له.
[8573]:راجع ج 1 ص 381 فما بعد.