التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا . والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود ، وهم أهل مكة فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به ، وللإفضاء به إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية .

و ( لولا ) حرف يرد لمعان منها التوبيخ ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط ، لأن أهل القرى قد انقضوا ، وذلك أن أصل معنى ( لولا ) التحضيض ، وهو طلب الفعل بحَثّ ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته ، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى : { ولَولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } [ النور : 16 ] . وإذا توجه الكلام الذي فيه ( لولا ) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه ، كقوله : { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } [ النور : 13 ] وقوله : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } [ الأنعام : 43 ] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود ( كان ) الدالة على المضي والانقضاء . والمقصود : التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنَن أهل القرى . قال تعالى : { ما آمنتْ قبلهم من قرية أهلكناها أفَهُم يؤمنون } [ الأنبياء : 6 ] ، ونظير هذه الآية استعمالاً ومعنى قوله تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولُوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم } [ هود : 116 ] ، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب .

والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس ، توقعاً لنزول العذاب ، وقبل أن ينزل بهم العذاب ، وذلك دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى ، وأن ليست لقوم يونس خصوصية ، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءاً منقطعاً .

وإذ كان الكلام تغليطاً لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل ، وتعريضاً بالتحذير مما وقعوا فيه . كان الكلام إثباتاً صريحاً ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري : « يا أهل ذا المغْنَى وقيتم ضُراً » أي كل ضر لا ضراً معيناً ، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار العموم ، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله : { إلا قومَ يونس } فهذا وجه تفسير الآية . وجرى عليه كلام العُكبري في « إعراب القرآن » ، والكواشي في « التخليص » وجمهور المفسرين جعلوا جملة : { فلولا كانت قرية آمنت } في قوة المنفية ، وجعلوا الاستثناء منقطعاً منصوباً ولا داعي إلى ذلك .

وجملة : { لمّا آمنوا } مستأنفة لتفصيل مجمَل معنى الاستثناء . وفي الآية إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم الله معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية العذاب . وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم به عدة وعُدة ، فيكاد يحل بهم عذاب استئصال لولا أنهم عجّلوا بالإيمان يوم الفتح . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم « أنتُم الطلقاء » .

وقوم يونس هم أهل قرية نَيْنَوَى{[249]} من بلاد العراق . وهم خليط من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر . وكانت بعثة يونس إليهم في أول القرى الثامن قبل المسيح . وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة الأنعام .

ولما كذّبه أهل نَيْنَوَى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوماً ، وخرج من المدينة غاضباً عليهم ، فلمّا خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا بالله فقبل الله إيمانهم ولم يعذّبهم . والمذكور أنهم رأوا غيماً أسود بعد مضي خمسة وثلاثين يوماً من حين توعدهم يونس عليه السلام بحلول العذاب فعلموا أنه مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا لله تعالى فأمسك عنهم العذاب . وسيجيء ذكر ما حل بيونس عليه السلام في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء .

والكشف : إزالة ما هو ساتر لشيء ، وهو هنا مجاز في الرفع . والمراد : تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلاً لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع .

والخزي : الإهانة والذل . وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن العذاب كله خزي ، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها الله لقوم فقد أراد إذلالهم ، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقية للتخصيص ، ويكون المراد من الخزي الحالة المتصورة من حلوله . وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل الخسف والحرق والغرق ، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم ، وهو عذاب السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر ، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح مكة فنجاهم الله منه كما نجّى قوم يونس .

و { في الحياة الدنيا } صفة ل { عذاب الخزي } للإشارة إلى أن العذاب الذي يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة ، وأن الأمم التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة .

والتمتيع : الإمهال .

وإبهام { حين } لأنه مختلف باختلاف آجال أحادهم ، والمراد به التمتيع بالحياة لا بكشف العذاب ، لأنهم بعد موتهم ناجون من العذاب إذ كانوا قد آمنوا وأخلصوا .

ولعل الحكمة في نجاة قوم يونس تتمثل في أمرين :

أحدهما : أن الله علم أن تكذيبهم يونس عليه السلام في ابتداء دعوته لم يكن ناشئاً عن تصميم على الكفر واستخفاف بعظمة الله ، ولكنه كان شكاً في صدق يونس عليه السّلام . ولعل ذلك أنهم كانوا على بقية من شريعة موسى عليه السّلام وإنما حرّفوا وحادوا عن طريق الإيمان مما يعلمه الله ، فإن في نَيْنَوَى كثيراً من أسرى بني إسرائيل الذين كانوا في أسر الأشوريين كما علمت آنفاً ، فلما أوعدهم يونس عليه السّلام بالعذاب بعد أربعين يوماً ورأوا أماراته بعد خمسة وثلاثين يوماً اهتدَوا وآمنوا إيماناً خالصاً .

وثانيهما : أن يونس عليه السّلام لمّا صدرت منه فلتة المغاضبة كان قد خلط في دعوته شيئاً من حظ النفس وإن كان لفائدة الدين ، فقدر الله إيمان قومه لعلمه كمال الإيمان والصبر والتسليم لله ، وهذا عتاب وتأديب بينه وبين ربه ، ولذلك حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمةَ من توهم أنّ ما جرى ليونس عليه السّلام من المغاضبة والمعاقبة ينقص من قدره فقال صلى الله عليه وسلم « لا ينبغي لأحد أن يقول أنَا خير من يونس بن متّى » يعني في صحة الرسالة لا في التفاضل فيها .

وقد كان حال أهل مكة كحال قوم يونس إذ بادروا إلى الإيمان بمجرد دخول جيش الفتح مكة وقبل أن يقعُوا في قبضة الأسر ، ولذلك لم ينج منهم عبدُ الله بن خطل ، لأنه لم يأت مُؤمناً قبل أن يتمكن منه المسلمون ولم ينفعه التعلق بأستار الكعبة لأن ذلك التعلق ليس بإيمان وإنما هو من شعار العوذ في الجاهلية بما أبطله الإسلام إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم « إن الحرم لا يعيذ عاصياً » وقد بيّنّا في آخر سورة غافر ( 84 ) عند قوله تعالى : { فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده } إلى آخر السورة فانظره .


[249]:- بفتح النون بينهما ياء تحتية ساكنة وبعد النون الثانية واو مفتوحة بعدها ألف، وهي إحدى مدن بلاد أشور من العراق كائنة على الضفة اليسرى من الدجلة بناها أشور سنة 2229 قبل الميلاد وكانت مصطافا لملوك أشور من عهد شلمناصر الأول.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

قوله تعالى : " فلولا كانت قرية آمنت " قال الأخفش والكسائي : أي فهلا . وفي مصحف أبي وابن مسعود " فهلا " وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره . ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس ، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع ، وهو بحسب المعنى متصل ؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس . والنصب في " قوم " هو الوجه ، وكذلك أدخله سيبويه في ( باب مالا يكون إلا منصوبا ) . قال النحاس : " إلا قوم يونس " نصب لأنه استثناء ليس من الأول ، أي لكن قوم يونس ، هذا قول الكسائي والأخفش والفراء . ويجوز . " إلا قوم يونس " بالرفع ، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قال أبو إسحاق الزجاج قال : يكون المعنى غير قوم يونس ، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير ، كما قال :

وكل أخٍ مفارقُهُ أخوهُ *** لعمرُ أبيك إلا الفَرْقَدَانِ

وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين : أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا ، فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم ، فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل ، وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك ، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم في تلك الحالة . وقال ابن مسعود : وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده ، والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل ، وروي على ميل . وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم . وقال ابن جبير : غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر ، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب . وقال الطبري : خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب ، وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين . وقال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان .

قلت : قول الزجاج حسن ، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون ؛ ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون ؛ لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك ، وقوم يونس تابوا قبل ذلك . ويعضد هذا قوله عليه السلام : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) . والغرغرة الحشرجة ، وذلك هو حال التلبس بالموت ، وأما قبل ذلك فلا . والله أعلم . وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود ، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد ، وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب . وسيأتي مسندا مبينا في سورة " والصافات{[8581]} " إن شاء الله تعالى . ويكون معنى " كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا " أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم ، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة ، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص ، والله أعلم .

وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الحذر لا يرد القدر ، وإن الدعاء ليرد القدر . وذلك أن الله تعالى يقول : " إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا " . قال رضي الله عنه : وذلك يوم عاشوراء . " ومتعناهم إلى حين " قيل إلى أجلهم ، قاله السدي . وقيل : إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار . قاله ابن عباس .


[8581]:راجع ج 15 ص 121.