التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (110)

{ حتى } من قوله : { حتى إذا استيأس الرسل } ابتدائية ، وهي عاطفة جملة { إذا استيأس الرسل } على جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } باعتبار أنها حجة على المكذبين ، فتقدير المعنى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم فكذبهم المرسل إليهم واستمروا على التكذيب حتى إذا استيئس الرسل إلى آخره ، فإن { إذا } اسم زمان مضمن معنى الشرط فهو يلزم الإضافة إلى جملة تبين الزمان ، وجملة { استيأس } مضاف إليها { إذا } ، وجملة { جاءهم نصرنا } جواب { إذا } لأن هذا الترتيب في المعنى هو المقصود من جلب { إذا } في مثل هذا التركيب . والمراد بالرسل عليهم السلام غير المراد ب { رجالا } ، فالتعريف في الرسل عليهم السلام تعريف العهد الذَكريّ وهو من الإظهار في مقام الإضمار لإعطاء الكلام استقلالاً بالدلالة اهتماماً بالجملة .

وآذن حرف الغاية بمعنى محذوف دل عليه جملة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } بما قصد بها من معنى قصد الإسوة بسلفه من الرسل عليهم السلام . والمعنى : فدام تكذيبهم وإعراضهم وتأخر تحقيق ما أنذرُوهم به من العذاب حتى اطمأنوا بالسلامة وسخروا بالرسل وأيس الرسل عليهم السلام من إيمان قَومهم .

و { استيأس } مبالغة في يئس ، كما تقدم آنفاً في قوله : { ولا تيأسوا من روح الله } [ سورة يوسف : 87 ] .

وتقدم أيضاً قراءة البزي بخلاف عنه بتقديم الهمزة على الياء .

فهذه أربع كلمات في هذه السورة خالف فيها البزي رواية عنه .

وفي « صحيح البخاري » عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها : « أكُذِبوا أم كُذّبوا أي بالخفيف أم بالشدّ ؛ قالت : كذّبوا أي بالشد قال : فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن فهي { قد كذبوا } أي بالتخفيف ، قالت : معاذ الله لم يكن الرسل عليهم السلام تظن ذلك بربها وإنما هم أتباع الذين آمنوا وصدقوا فطال عليهم البلاء واستأخر النصر حتى إذا استيأس الرسل عليهم السلام من إيمان من كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل عليهم السلام أن أتباعهم مُكذّبوهم » ا هـ . وهذا الكلام من عائشة رضي الله عنها رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون { كذبوا } مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل ، وذلك ليس بمتعيّن ، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية { كذبوا } بالتخفيف .

وتفريع { فننجي من نشاء } على { جاءهم نصرنا } لأن نصر الرسل عليهم السلام هو تأييدهم بعقاب الذين كذبوهم بنزول العذاب وهو البأس ، فينجي الله الذين آمنوا ولا يردّ البأس عن القوم المجرمين .

والبأس : هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل عليهم السلام . .

والقوم المجرمون : الذين كذبوا الرسل .

وقرأ الجمهور { فنُنْجِي } بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى . و { من نشاء } مفعول { ننجي } . وقرأه ابن عامر وعاصم { فنجّي } بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية على أنه ماضي { نجّى المضاعف بني للنائب ، وعليه فمن نشاء } هو نائب الفاعل ، والجمع بين الماضي في ( نجّي ) والمضارع في { نشاء } احتباك تقديره فنُجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (110)

قوله تعالى : " حتى إذا استيأس الرسل " تقدم القراءة فيه ومعناه{[9312]} . " وظنوا أنهم قد كذبوا " وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم . وهذا الباب عظيم ، وخطره جسيم ، ينبغي الوقوف عليه ؛ لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم . المعنى : وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب{[9313]} . " حتى إذا استيأس الرسل " أي يئسوا من إيمان قومهم . " وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتشديد ، أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم . وقيل المعنى : حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم ، لا أن القوم كذبوا ، ولكن الأنبياء ظنوا وحسبوا أنهم يكذبونهم ، أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك ، فيكون " وظنوا " على بابه في هذا التأويل . وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبدالرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف ، أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ، ولم يصدقوا . وقيل : المعنى ظن الأمم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم . وفي رواية عن ابن عباس ، ظن الرسل أن الله أخلف ما وعدهم . وقيل : لم تصح هذه الرواية ؛ لأنه لا يظن بالرسل هذا الظن ، ومن ظن هذا الظن لا يستحق النصر ، فكيف قال : " جاءكم نصرنا " ؟ ! قال القشيري أبو نصر : ولا يبعد إن صحت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل{[9314]} هذا من غير أن يتحققوه في نفوسهم ، وفي الخبر : ( إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمل به ) . ويجوز أن يقال : قربوا من ذلك الظن ، كقولك : بلغت المنزل ، أي قربت منه . وذكر الثعلبي والنحاس عن ابن عباس قال : كانوا بشرا فضعفوا من طول البلاء ، ونسوا وظنوا أنهم أخلفوا ، ثم تلا : " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله{[9315]} " [ البقرة : 214 ] . وقال الترمذي الحكيم : وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف بعد ما وعد الله النصر ، لا من تهمة لوعد الله ، ولكن لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم ، فكانت إذا طالت عليهم{[9316]} المدة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه . وقال المهدوي عن ابن عباس : ظنت الرسل أنهم قد أخلفوا على ما يلحق البشر ، واستشهد بقول إبراهيم عليه السلام : " رب أرني كيف تحيى الموتى{[9317]} " [ البقرة : 260 ] الآية . والقراءة الأولى أولى . وقرأ مجاهد وحميد - " قد كذبوا " بفتح الكاف والذال مخففا ، على معنى : وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا ، لما رأوا من تفضل الله عز وجل في تأخير العذاب . ويجوز أن يكون المعنى : ولما أيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا على الله بكفرهم جاء الرسل نصرنا . وفي البخاري عن عروة عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل : " حتى إذا استيأس الرسل " قال قلت : أكُذِبُوا أم كُذِّبُوا ؟ قالت عائشة : كذبوا .

قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ؟ قالت : أجل ! لعمري ! لقد استيقنوا بذلك ، فقلت لها : " وظنوا أنهم قد كذبوا " قالت : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها . قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل{[9318]} ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد{[9319]} كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك . وفي قوله تعالى : " جاءهم نصرنا " قولان : أحدهما : جاء الرسل نصر الله ، قاله مجاهد . الثاني : جاء قومهم عذاب الله ، قاله ابن عباس . " فننجي{[9320]} من نشاء " قيل : الأنبياء ومن آمن معهم . وروي عن عاصم " فنجي من نشاء " بنون واحدة مفتوحة الياء ، و " من " في موضع رفع اسم ما لم يسم فاعله ، واختار أبو عبيد هذه القراءة لأنها في مصحف عثمان ، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة{[9321]} . وقرأ ابن محيصن " فنَجَا " فعل ماض ، و " من " في موضع رفع لأنه الفاعل ، وعلى قراءة الباقين نصبا على المفعول . " ولا يرد بأسنا " أي عذابنا . " عن القوم المجرمين " أي الكافرين المشركين .


[9312]:راجع ص 241 من هذا الجزء.
[9313]:من ع و ح الجمل عن القرطبي. وفي ا و ح و ك و ي: بالعقاب.
[9314]:من ع. وهو الصواب، وفي غيرها البشر.
[9315]:راجع ج 3 ص 33 فما بعد/ وص 273.
[9316]:من ع. وهو الصواب، وفي غيرها البشر.
[9317]:راجع ج 3 ص 33 فما بعد/ وص 273.
[9318]:الزيادة من صحيح البخاري.
[9319]:من ع.
[9320]:قراءة نافع وكذا باقي السبعة بنونين ما عدا عاصما كما يأتي.
[9321]:يعني في الرسم.