التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

عطف على جملة { إن يشأ يذهبكم } [ إبراهيم : 20 ] باعتبار جواب الشرط وهو الإذهاب ، وفي الكلام محذوف ، إذ التقدير : فأذْهَبهم وبرزوا لله جميعاً ، أي يوم القيامة .

وكان مقتضى الظاهر أن يقول : ويبرزون لله ، فعدل عن المضارع إلى الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع ، مثل قوله تعالى : { أتى أمر الله } [ سورة النحل : 1 ] .

والبروز : الخروج من مكان حاجب من بيت أو قرية . والمعنى : حشروا من القبور .

وجميعاً } تأكيد ليشمل جميعهم من سادة ولفيففٍ .

وقد جيء في هذه الآية بوصف حَال الفرق يوم القيامة ، ومجادلة أهل الضلالة مع قادتهم ، ومجادلة الجميع للشيطان ، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنُزل الكرامة . والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات . فالمقصود : التحذير مما يفضي إلى سوء المصير .

واللام الجارة لاسم الجلالة معدية فعل { برزوا } إلى المجرور . يقال : برز لفلان ، إذا ظهر له ، أي حضر بين يديه ، كما يقال : ظهر له .

والضعفاء : عوامّ الناس والأتباع . والذين استكبروا : السادة ، لأنهم يتكبرون على العموم وكان التكبر شعار السادة . والسين والتاء للمبالغة في الكبر . والتَبع : اسم جمع التابع مثل الخَدَم والخَوَل ، والفاء لتفريع الاستكبار على التبعية لأنها سبب يقتضي الشفاعة لهم .

وموجب تقديم المسند إليه على المسند في { فهل أنتم مغنون عنا } أن المستفهم عنه كون المستكبرين يغنون عنهم لا أصل الغَناء عنهم ، لأنهم آيسون منه لما رأوا آثار الغضب الإلهي عليهم وعلى سادتهم . كما تدلّ عليه حكاية قول المستكبرين { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، فعلموا أنهم قد غروهم في الدنيا ، فتعيّن أن الاستفهام مستعمل في التورّك والتوبيخ والتبكيت ، أي فأظهروا مكانتكم عند الله التي كنتم تدعونها وتغروننا بها في الدنيا . فإيلاء المسند إليه حرف الاستفهام قرينة على أنه استفهام غير حقيقي ، وبينه ما في نظيره من سورة غافر ( 47 ، 48 ) { وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد . و{ مِنْ } في قوله : { من عذاب الله } بدلية ، أي غناء بدلاً عن عذاب الله . .

و { مِنْ } في قوله : { من شيء } مزيدة لوقوع مدخولها في سياق الاستفهام بحرف هل . و { شيء } في معنى المصدر ، وحقه النصب على أنه مفعول مطلق فوقع جرّه بحرف الجر الزائد . والمعنى : هل تغنون عنا شيئاً .

وجواب المستكبرين اعتذار عن تغريرهم بأنهم ما قصدوا به توريط أتباعهم كيف وقد ورّطوا أنفسهم أيضاً ، أي لو كنا نافعين لنفعنا أنفسنا . وهذا الجواب جار على معنى الاستفهام التوبيخي العتابي إذ لم يجيبوهم بأنا لا نملك لكم غناء ولكن ابتدأوا بالاعتذار عما صدر منهم نحوهم في الدنيا علماً بأن الضعفاء عالمون بأنهم لا يملكون لهم غناء من العذاب .

وجملة { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } من كلام الذين استكبروا . وهي مستأنفة تبيين عن سؤال من الضعفاء يستفتون المستكبرين أيصبرون أم يجزعون تطلباً للخلاص من العذاب ، فأرادوا تأييسهم من ذلك يقولون : لا يفيدنا جزع ولا صبر ، فلا نجاة من العذاب . فضمير المتكلم المشارك شامل للمتكلمين والمجابين ، جمعوا أنفسهم إتماماً للاعتذار عن توريطهم .

والجزع : حزن مشوب باضطراب ، والصبر تقدم .

وجملة { ما لنا من محيص } واقعة موقع التعليل لمعنى الاستواء ، أي حيث لا محيص ولا نجاة فسواء الجَزع والصبر .

والمحيص : مصدر ميمي كالمغيب والمشيب وهو النجاة . يقال : حاص عنه ، أي نجا منه . ويجوز أن يكون اسمَ مكان من حاص أيضاً ، أي ما لنا ملجأ ومكان نَنْجو فيه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

قوله تعالى : " وبرزوا لله جميعا " أي برزوا من قبورهم ، يعني يوم القيامة . والبروز الظهور . والبراز المكان الواسع لظهوره ، ومنه امرأة برزة أي تظهر{[9487]} للناس ، فمعنى ، " برزوا " ظهروا من قبورهم . وجاء بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، واتصل هذا بقوله : " وخاب كل جبار عنيد " أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا ، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر . " لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز . " فقال الضعفاء " يعني الأتباع " للذين استكبروا " وهم القادة . " إنا كنا لكم تبعا " يجوز أن يكون تبع مصدرا ، التقدير : ذوي تبع . ويجوز أن يكون تابع ، مثل حارس وحرس ، وخادم وخدم ، وراصد ورصد ، وباقر وبقر{[9488]} . " فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء " أي دافعون " عنا من عذاب الله من شيء " أي شيئا ، و " من " صلة ، يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع . " قالوا لو هدانا الله لهديناكم " أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه . وقيل : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها . وقيل : لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه . " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " " سواء علينا " هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي : " سواء علينا " أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي من مهرب وملجأ . ويجوز أن يكون بمعنى المصدر ، وبمعنى الاسم ، يقال : حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا وحَيَصَانًا ، والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول أهل النار إذا أشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " ) . وقال محمد بن كعب القرظي : ذكر لما أن أهل النار يقول بعضهم لبعض : يا هؤلاء ! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا ، فطال صبرهم فجزعوا ، فنادوا : " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي منجي ، فقام إبليس عند ذلك فقال : " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم " يقول : لست بمغن عنكم شيئا " وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل " الحديث بطوله ، وقد كتبناه في كتاب { التذكرة } بكماله .


[9487]:قال في المصباح: امرأة برزة عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم وهي المرأة التي أسنت وخرجت عن حد المحجوبات. 1 هـ. وامرأة برزة وبارزة المحاسن. قال الراغب: لأن رفعتها بالعفة لا إن اللفظة اقتضت ذلك.
[9488]:بقر: شق ووسع.