التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا} (51)

والخلق : بعنى المخلوق ، أي أو خلقاً آخر مما يعظم في نفوسكم عن قبوله الحياة ويستحيل عندكم على الله إحياؤه مثل الفولاذ والنحاس .

وقوله : { مما يكبر في صدوركم } صفة { خلقاً } .

ومعنى { يكبر } يعظم وهو عظم مجازي بمعنى القوي في نوعه وصفاته ، والصدور : العقول ، أي مما تعدونه عظيماً لا يتغير .

وفي الكلام حذف دل عليْه الكلام المردود وهو قولهم : { أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون } [ الإسراء : 49 ] . والتقدير : كونوا أشياء أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات .

والمعنى : لو كنتم حجارة أو حديداً لأحياكم الله ، لأنهم جعلوا كونهم عظاماً حجة لاستحالة الإعادة ، فرد عليهم بأن الإعادة مقدرة لله تعالى ولو كنتم حجارة أو حديداً ، لأن الحجارة والحديد أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات إذ لم يسبق فيهما حلول الحياة قط بخلاف الرفات والعظام .

والتفريع في { فسيقولون من يعيدنا } على جملة { قل كونوا حجارة } أي قل لهم ذلك فسيقولون لك : من يعيدنا .

وجُعِلَ سؤالهم هنا عن المعيد لا عن أصل الإعادة لأن البحث عن المعيد أدخل في الاستحالة من البحث عن أصل الإعادة ، فهو بمنزلة الجواب بالتسليم الجدلي بعد الجواب بالمنع فإنهم نفوا إمكان إحياء الموتى ، ثم انتقلوا إلى التسليم الجدلي لأن التسليم الجدلي أقوى ، في معارضة الدعوى ، من المنع .

والاستفهام في { من يعيدنا } تهكمي . ولما كان قولهم هذا محقق الوقوع في المستقبل أمر النبي بأن يجيبهم عندما يقولونه جواب تعيين لمن يعيدهم إبطالاً للازم التهكم ، وهو الاستحالة في نظرهم بقوله : { قل الذي فطركم أول مرة } إجراء لظاهر استفهامهم على أصله بحمله على خلاف مرادهم ، لأن ذلك أجدر على طريقة الأسلوب الحكيم لزيادة المحاجة ، كقوله في محاجة موسى لفرعون { قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين } [ الشعراء : 25 26 ] .

وجيء بالمسند إليه موصولاً لقصد ما في الصلة من الإيماء إلى تعليل الحكم بأن الذي فطرهم أول مرة قادر على إعادة خلقهم ، كقوله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] فإنه لقدرته التي ابتدأ بها خلقكم في المرة الأولى قادر أن يخلقكم مرة ثانية .

والإنغاض : التحريك من أعلى إلى أسفل والعكس . فإنغاض الرأس تحريكه كذلك ، وهو تحريك الاستهزاء .

واستفهموا عن وقته بقولهم : { متى هو } استفهام تهكم أيضاً ؛ فأمر الرسول بأن يجيبهم جواباً حقاً إبطالاً للازم التهكم ، كما تقدم في نظيره آنفاً .

وضمير { متى هو } عائد إلى العود المأخوذ من قوله : { يعيدنا } كقوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } [ المائدة : 8 ] .

و { عسى } للرجاء على لسان الرسول : والمعنى لا يبعد أن يكون قريباً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا} (51)

" أو خلقا مما يكبر في صدوركم " قال مجاهد : يعني السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس . وهو معنى قول قتادة . يقول : كونوا ما شئتم ، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم . وقال ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن جبير ومجاهد أيضا وعكرمة وأبو صالح والضحاك : يعني الموت ؛ لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه ، قال أمية بن أبي الصلت :

وللمَوتُ خَلْق في النفوس فظيع

يقول : إنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت لأميتَنّكم ولأبعثنكم ؛ لأن القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم . وهو معنى قوله : " فسيقولون من يعيدنا " . وفي الحديث أنه ( يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ) . وقيل : أراد به البعث ؛ لأنه كان أكبر في صدورهم ، قاله الكلبي . " فطركم " خلقكم وأنشأكم . " فسينغضون إليك رؤوسهم " أي يحركون رؤوسهم استهزاء ، يقال : نغض رأسه ينُغُض ويَنْغِض نَغْضًا ونُغُوضًا ، أي تحرك . وأنغض رأسه أي حركه ، كالمتعجب من الشيء ، ومنه قوله تعالى : " فسينغضون إليك رؤوسهم " . قال الراجز :

أنغض نحوي رأسه وأقنعا{[10274]}

ويقال أيضا : نغض فلان رأسه أي حركه ، يتعدى ولا يتعدى ، حكاه الأخفش . ويقال : نغضت سنه ، أي حركت وانقلعت . قال الراجز :

ونغضت من هَرَم أسنانها

وقال آخر :

لما رأتني أنغضت لي الرأسا

وقال آخر :

لا ماء في المَقْرَاة إن لم تنهض *** بمسد فوق المحال النُّغَّضِ

المحال والمحالة : البكرة العظيمة التي يستقي بها الإبل . " ويقولون متى هو " أي البعث والإعادة وهذا الوقت . " قل عسى أن يكون قريبا " أي هو قريب ؛ لأن عسى واجب ، نظيره " وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا{[10275]} " [ الأحزاب : 63 ] و " لعل الساعة قريب{[10276]} " [ الشورى : 17 ] . وكل ، ما هو آت فهو قريب .


[10274]:أقنع فلان رأسه: وهو أن يرفع بصره ووجهه إلى ما حيال رأسه من السماء.
[10275]:راجع ج 14 ص 284.
[10276]:راجع ج 16 ص 15.