التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

هذه الجملة معطوفة على جملة { وقاتلوا في سبيل الله } [ البقرة : 190 ] الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله ، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين .

ووجه الحاجة إلى هذا الأمر . مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي ، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به ، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله : { واعلموا أن الله مع المتقين } نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها ، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم ، ولم يفرطوا في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم ، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر وهم أذلة ، إذ هم يؤمئذٍ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شيء ، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم ، ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون ، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم ، ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين .

والإنفاق تقدم في قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } [ البقرة : 3 ] .

و ( سبيل الله ) طريقه ، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه ، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه ، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد ، وقد غلب ( سبيل الله ) في اصطلاح الشرع في الجهاد . أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته ، و ( في ) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد ، والخيل ، والزاد ، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست ( في ) هنا مستعملة للتعليل .

وقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } عطف غرض على غرض ، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو ، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس ، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد .

والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي .

والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره ، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد « أَعطى بيده » أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده ، فزيادة الباء كزيادتها في { وهُزى إليك بجِذْع النخلة } [ مريم : 25 ] وقول النابغة :

* لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا *

والمعنى ولا تعطوا الهلاكَ أيديَكم فيأخذكم أخذ الموثَقِ ، وجل التهلكة كالآخِذِ والآسِرِ استعارة بجامع الإحاطة بالملقى ، ويجوز أن تُجعل اليد مع هذا مجازاً عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أَهم شيء في النفس في هذا المعنى ، وهذا في الأمرين كقول لبيد :

* حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَداً في كَافِرٍ *

أي ألقت الشمس نفسها . وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم .

والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك ، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التَّفْعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكِنَّه مصدرُ مضاعفِ العين المعتل اللام كزكَّى وغطَّى ، أو المهموز اللام كَجزَّأَ وهيأ ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التَّضُرَّة والتَّسُرَّة بضم العين من أضر وأَسر بمعنى الضُّر والسُّرور ، وفي الأسماء الجامدة التَّنْضُبة والتَّتْفُلة ( الأول اسم شجر ، والثاني ولَدُ الثعلب ) .

وفي « تاج العروس » أن الخليل قرأها ( التهلِكة ) بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك ؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط ، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور .

ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوممِ عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ .

وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الْامر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل :

* كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح *

فلذلك وجب الإنفاق ، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقادٌ غير صحيح ، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى ، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعاً وهذا من أبدع الإيجاز .

وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم يمن إلاَّ سهم أو مشقص فأْتِ به .

وقد قيل في تفسير { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أقوال :

الأول أَنَّ { أنفقوا } أمرٌ بالنفقة على العيال ، والتهلكة : الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة ، ويبعده قوله { في سبيل الله } وأن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد .

الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك وببعده عدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك .

الثالث الإنفاق في الجهاد ، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد .

الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة : الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر .

الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم .

روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال : كنا بمدينة الروم ( القسطنطينية ) فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا : { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اهـ ، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة .

ووقوع فعل { تلقوا } في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك . فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة ، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين .

وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد ( من التابعين ) وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد ( من المالكية ) ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة : لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم ، وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن كذلك كان من الإلقاء إلى التهلكة .

وقوله تعالى : { وأحسنوا } الإحسان فعل النافع الملائم ، فإذا فعل فعلاً نافعاً مؤلماً لا يكون محسناً فلا تقول إذا ضربت رجلاً تأديباً : أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أَحسنت إليه ، وكذا إذا فعل فعلاً مضراً ملائماً لا يسمى محسناً .

وفي حذف متعلق { أحسنوا } تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء " .

وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أنّ كلّ هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحفّ بها ، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب ، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق ، والعرب تقول : « ملكت فأسجح » ، والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان .

وقوله : { إن الله يحب المحسنين } تذييل للترغيب في الإحسان ، لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة ، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (195)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : روى البخاري عن حذيفة : " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال : نزلت في النفقة . وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد ، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ، فحمل رجل على العدو ، فقال الناس : مه{[1693]} مه ! لا إله إلا الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب : سبحان الله ! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه ، قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأنزل الله عز وجل : " وأنفقوا في سبيل الله " الآية . والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد . فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ، فقبره هناك . فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله ، وأن الآية نزلت في ذلك . وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك .

قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال : " كنا بمدينة الروم ، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم ، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة . فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس ، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا : " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح " . وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة ، فيقول الرجل : ليس عندي ، ما أنفقه . وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره ، والله أعلم . قال ابن عباس : أنفق في سبيل الله ، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص{[1694]} ، ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا . ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا ، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء . وقول ثالث . قاله ابن عباس ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز ! فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد ، فنزل قوله تعالى : " وأنفقوا في سبيل الله " يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله ، يعني في طاعة الله . " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا ، وهكذا قال مقاتل . ومعنى ابن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا ، أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء ، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا . وقول رابع - قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة ؟ فقال لا ، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة ، فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي . فالهلاك : اليأس من الله ، وقاله عبيدة السلماني . وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد ، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق ، أو يكون عالة على الناس . فهذه خمسة أقوال . " سبيل الله " هنا : الجهاد ، واللفظ يتناول بعد جميع سبله . والباء في " بأيديكم " زائدة ، التقدير تلقوا أيديكم . ونظيره : " ألم يعلم بأن الله يرى{[1695]} " [ العلق : 14 ] . وقال المبرد : " بأيديكم " أي بأنفسكم ، فعبر بالبعض عن الكل ، كقوله : " فبما كسبت أيديكم{[1696]} " ، [ الشورى : 30 ] ، " بما قدمت يداك{[1697]} " [ الحج : 10 ] . وقيل : هذا ضرب مثل ، تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم ، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه ، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ، ومنه قول عبد المطلب : [ والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز{[1698]} ] وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، كما تقول : لا تفسد حالك برأيك . التهلكة بضم اللام مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة ، أي لا تأخذوا فيما يهلككم ، قاله الزجاج وغيره . أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم . وقيل : إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم ، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم . ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة . ويقال : " لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا . ونحوه عن عكرمة قال : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال : " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " [ البقرة : 267 ] وقال الطبري : قوله " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه ، إذ اللفظ يحتمله .

الثانية : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده ، فقال القاسم ابن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة ، وكان لله بنية خالصة ، فان لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة . وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل ؛ لأن مقصوده واحد منهم ، وذلك بين في قوله تعالى : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله{[1699]} " [ البقرة : 207 ] . وقال ابن خويز منداد : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن ، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا . وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة ، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك . فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين . وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ، قال رجل{[1700]} من المسلمين : ضعوني في الحَجَفة{[1701]} وألقوني إليهم ، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب .

قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ؟ قال : ( فلك الجنة ) . فانغمس في العدو حتى قتل . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد{[1702]} يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه{[1703]} قال : ( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . [ ثم رهقوه أيضا فقال : ( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ) . فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ]{[1704]} . فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنصفنا أصحابنا ) . هكذا الرواية ( أنصفنا ) بسكون الفاء ( أصحابنا ) بفتح الباء ، أي لم ندلهم{[1705]} للقتال حتى قتلوا . وروي بفتح الفاء ورفع الباء ، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه ، والله أعلم . وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين . فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه . وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه . وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم{[1706]} " [ التوبة : 111 ] الآية ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه . وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء ، قال الله تعالى : " وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور{[1707]} " [ لقمان : 17 ] . وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ) . وسيأتي القول في هذا في " آل عمران " إن شاء تعالى .

الثالثة : قوله تعالى : " وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " أي في الإنفاق في الطاعة ، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم . وقيل : " أحسنوا " في أعمالكم بامتثال الطاعات ، روي ذلك عن بعض الصحابة .


[1693]:مه: زجر ونهي، فإن وصلت نونت، قلت: مه مه؛ وكذلك صه.
[1694]:المشقص (كمنبر): نصل عريض أو سهم فيه نصل، يرمى به الوحش.
[1695]:راجع ج 20 ص 124
[1696]:راجع ج 16 ص 30
[1697]:في نسخ الأصل: "بما كسبت" راجع ج 12 ص 16
[1698]:عبارة عبد المطلب كما أوردها ابن هشام في سيرته عند الكلام على حفر زمزم: "والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز..." الخ
[1699]:راجع ج 3 ص 20
[1700]:هو البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، كما في تاريخ الطبري.
[1701]:الحجفة (بتقديم الحاء على الجيم والتحريك): ترس يتخذ من الجلود.
[1702]:أفرد يوم أحد، أي حين انهزم الناس وخلص إليه العدو.
[1703]:رهقه (بكسر ثانيه): غشيه ولحقه.
[1704]:زيادة عن صحيح مسلم.
[1705]:أي لم نرشدهم ونسددهم.
[1706]:راجع ج 8 ص 267
[1707]:راجع ج 14 ص 68.