التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

{ فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه }

إصلاح زوجه : جعلها صالحة للحمل بعد أن كانت عاقراً .

وتقدم ذكر زكرياء في سورة آل عمران وذكر زوجه في سورة مريم .

{ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشعين }

جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء المذكورين ، وما أوتوه من النصر ، واستجابة الدعوات ، والإنجاء من كيد الأعداء ، وما تبع ذلك ، ابتداءً من قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } [ الأنبياء : 48 ] . فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين . وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب ، أي ما استحقّوا ما أوتوه إلا لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدّهم في تحصيلها .

وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبَهم وهجِّيراهم .

والمسارعة : مستعارة للحرص وصرف الهمة والجِدّ للخيرات ، أي لفعلها ، تشبيهاً للمداومة والاهتمام بمسارعة السائر إلى المكان المقصود الجادّ في مسالكه .

والخيرات : جمع خَيْر بفتح الخاء وسكون الياء وهو جمع بالألف والتاء على خلاف القياس فهو مثل سرادقات وحمامات واصطبلات . والخير ضدّ الشرّ ، فهو ما فيه نفع . وأما قوله تعالى : { فيهن خيرات حِسان } [ الرحمن : 70 ] فيحتمل أنه مثل هذا ، ويحتمل أنه جمع خَيْرة بفتح فسكون الذي هو مخفف خَيِّره المشدّد الياء ، وهي المرأة ذات الأخلاق الخيرية . وقد تقدم الكلام على { الخَيْرات } في قوله تعالى : { وأولئك لهم الخيرات } في [ سورة براءة : 88 ] . وعطف على ذلك أنهم يدْعُون الله رغبةً في ثوابه ورهبة من غضبه ، كقوله تعالى : { يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه } [ الزمر : 9 ] .

والرغَب والرهَب بفتح ثانيهما مصدران من رغب ورهب . وهما وصف لمصدر { يدعوننا } لبيان نوع الدعاء بما هو أعم في جنسه ، أو يقدر مضاف ، أي ذوي رغب ورهب ، فأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه .

وذكر فعل الكون في قوله تعالى : { وكانوا لنا خاشعين } مثل ذكره في قوله تعالى : { كانوا يسارعون } .

والخشوع : خوف القلب بالتفكر دون اضطراب الأعضاء الظاهرة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

قوله تعالى : " فاستجبنا له " أي أجبنا دعاءه : " ووهبنا له يحيى " . تقدم . " وأصلحنا له زوجه " قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا . وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان ، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق .

قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا . " إنهم " يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات " وقيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى .

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " ويدعوننا رغبا ورهبا " أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة . وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف ؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان . وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء ، والرهب رفع ظهورها ، قاله خصيف ، وقال ابن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه ، فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه ، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك ، والرهب من حيث هو دفع يحسن معه طرح ذلك ، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه .

الثانية-روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه ، وقد مضى في " الأعراف " {[11356]} الاختلاف في رفع الأيدي ، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك . وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين ؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه ، روي عن ابن عمر وابن عباس . وكان علي يد بباطن كفيه ، وعن أنس مثله ، وهو ظاهر حديث الترمذي . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم ) . وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه ، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه . قال أبو جعفر الطبري : والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني ، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو{[11357]} الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال . قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما . و " رغبا ورهبا " منصوبان على المصدر ، أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا . أو على المفعول من أجله ، أي للرغب والرهب . أو على الحال . وقرأ طلحة بن مصرف " ويدعونا " بنون واحدة . وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل ، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا " رغبا ورهبا " بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء ، وهما لغتان . مثل نهر ونهر وصخر وصخر . ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو . " وكانوا لنا خاشعين " أي متواضعين خاضعين .


[11356]:راجع جـ 7 ص 224 فما بعد.
[11357]:في ك: آلة الدعاء. لعله الأصل.