التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

الاستجابة : مبالغة في الإجابة . وهي إجابة توبته مما فرط منه . والإنجاء وقع حين الاستجابة إذ الصحيح أنه ما بقي في بطن الحوت إلا ساعة قليلة ، وعطف بالواو هنا بخلاف عطف { فكشفْنا } على { فاستجبنا } وإنجاؤه هو بتقدير وتكوين في مزاج الحوت حتى خرج الحوت إلى قرب الشاطىء فتقاياه فخرج يسبَح إلى الشاطىء .

وهذا الحوت هو من صنف الحوت العظيم الذي يبتلع الأشياء الضخمة ولا يقضمها بأسنانه . وشاع بين الناس تسمية صنففٍ من الحوت بحوت يونس رجماً بالغيب .

وجملة { وكذلك ننجي المؤمنين } تذييل . والإشارة ب { كذلك } إلى الإنجاء الذي أُنجي به يونس ، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين من غُموم بحسب من يقع فيها أن نجاته عسيرة . وفي هذا تعريض للمشركين من العرب بأن الله منجي المؤمنين من الغمّ والنكد الذي يلاقونه من سوء معاملة المشركين إياهم في بلادهم .

واعلم أن كلمة { فنجّيَ } كتبت في المصاحف بنون واحدة كما كتبت بنون واحدة في قوله في [ سورة يوسف : 110 ] { فننجي من نشاء } ووجّه أبو علي هذا الرسم بأن النون الثانية لما كانت ساكنة وكان وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها لأن النون الساكنة تخفى مع الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد فلما أُخفيت حذفت في النطق فشابَه إخفاؤُها حالةَ الإدغام فحذَفَها كاتبُ المصحف في الخطّ لخفاء النطق بها في اللفظ ، أي كما حذفوا نون ( إن ) مع ( لا ) في نحو إلا فعلوه من حيث إنها تدغم في اللام .

وقرأ جمهور القراء بإثبات النونين في النطق فيكون حذف إحدى النونين في الخط مجرد تنبيه على اعتبارٍ من اعتبارات الأداء . وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار إدغام النون في الجيم كما تدغم في اللام والراء . وأنكر ذلك عليهما أبو حاتم والزجّاج وقالا : هو لَحن . ووجّه أبو عبيد والفراء وثعلب قراءتهما بأن نُجِي سكنت ياؤه ولم تحرك على لغة من يقول بَقِي ورضِي فيسكن الياء كما في قراءة الحسن { وذروا ما بقِي من الرِبا } [ البقرة : 278 ] بتسكين ياء { بقي . وعن أبي عبيد والقُتبي أن النون الثانية أدغمت في الجيم .

ووجّه ابن جني متابعاً للأخفش الصغير بأن أصل هذه القراءة : نُنَجّي بفتح النون الثانية وتشديد الجيم فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين فصار نُجي . وعن بعض النحاة تأويل هذه القراءة بأن نُجِّي فعل مضي مبني للنائب وأن نائب الفاعل ضمير يعود إلى النجاء المأخوذ من الفعل ، أو المأخوذ من اسم الإشارة في قوله وكذلك .

وانتصب { المؤمنين } على المفعول به على رأي من يجوز إنابة المصدر مع وجود المفعول به . كما في قراءة أبي جعفر { ليُجزَى } بفتح الزاي { قوماً بما كانوا يكسبون } [ الجاثية : 14 ] بتقدير ليجزَى الجزاءُ قوماً . وقال الزمخشري في « الكشاف » : إن هذا التوجيه بارد التعسف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم . وذلك قوله : " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون{[11348]} " [ الصافات : 143 - 144 ] وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق تعبده ، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة . وقال الأستاذ أبو إسحاق : صحب ذو النون الحوت أياما قلائل فإلي يوم القيامة يقال له ذو النون ، فما ظنك بعيد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده ! لا يظن به ذلك . " من الغم " أي من بطن الحوت . قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " قراءة العامة بنونين من أنجي ينجي . وقرأ ابن عامر " نجي " بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين ، كما تقول : ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد :

ولو ولدتْ قُفَيْرَةُ{[11349]} جروَ كلبٍ *** لسُبَّ بذلك الجرو الكِلاَبَا

أراد لسب السب بذلك الجرو . وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ورضي فلا يحرك الياء . وقرأ الحسن " وذروا ما بقي من الربا{[11350]} " [ البقرة : 278 ] استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة . وأنشد :

خَمَّرَ الشَّيْبُ لِمَّتِي تَخْمِيرا *** وحدا بي إلى القبورِ البَعِيرَا

ليت شعري إذا القيامة قامت*** ودُعِيَ بالحساب أين المصيرَا

سكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا ، المشيبُ ، أي وحدا المشيب البعير ؛ ليت شعري المصير أين هو . هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة . وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا : هو لحن ؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله ، وإنما يقال : نجي المؤمنون . كما يقال : كرم الصالحون . ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا ؛ لأنه لا فائدة [ فيه ]{[11351]} إذ كان ضرب يدل على الضرب . ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى . ولأبي عبيد قول آخر - وقال القتبي - وهو أنه أدغم النون في الجيم . النحاس : وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ؛ لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها ، ولا يجوز في " من جاء بالحسنة{[11352]} " " مجاء بالحسنة " قال النحاس : ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان . قال : الأصل ننجي فحذف إحدى النونين ؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين ؛ لاجتماعهما نحو قوله عز وجل : " ولا تفرقوا " {[11353]} [ آل عمران : 103 ] والأصل تتفرقوا . وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية " وكذلك نجّى المؤمنين " أي نجّى الله المؤمنين ، وهي حسنة .


[11348]:راجع جـ 15 ص 121.
[11349]:قفيرة (كجهينة): أم الفرزدق. والبيت لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق.
[11350]:راجع جـ 3 ص 362.
[11351]:الزيادة من "إعراب القرآن" للنحاس.
[11352]:راجع جـ 7 ص 150.
[11353]:راجع جـ 4 ص 158.