التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (15)

استئناف بياني ، فإنّه نشأ عن قوله : { زين للناس } [ آل عمران : 14 ] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات . وافتتح الاستئناف بكلمة { قل } للاهتمام بالمقول ، والمخاطب بقل النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام للعرض تشويقاً من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى : { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } [ الصف : 10 ] الآية .

وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمر ، وأبو جعفر ، ورُويس عن يعقوبَ : { أُونّبئكم } بتسهيل الهمزة الثانية واوَا . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، ورَوح عن يعقوب ، وخلفٌ : بتخفيف الهمزتين .

وجملة { للذين اتقوا عند ربهم جنات } مستأنفة وهي المنبَّأ به . ويجوز أن يكون { للذين اتقوا } متعلقاً بقوله : « خيرٍ » و « جنّات » مبتدأ محذوف الخبر : أي لهم ، أو خبراً لمبتدأ محذوف . وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة ؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة ، للاستغناء عنها ، وكذلك لذة الخيل والأنعام ؛ إذ لا دوابّ في الجنة ، فبقي ما يقابل النساء والحرث ، وهو الجنّات وَالأزواج ، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس ، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرُمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة . ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ مِنه النفوس ، فالطهارة هنا حسية لا معنوية .

وعطف { رضوانٌ من الله } على ما أعدّ للذين اتّقوا عند الله : لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي ؛ لأنّ رضوان الله تقريب رُوحاني قال تعالى : { ورضوان من الله أكبر } [ التوبة : 72 ] وقرأ الجمهور : { رِضوان } بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم : بضم الراء وهما لغتان .

وأظهر اسم الجلالة في قوله : { ورضوان من الله } ، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم : لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان .

وجملة { والله بصير بالعباد } اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتبِ تقواهم ، فهو يجازيهم ، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء . وإظهار اسم الجلالة في قوله : { واللَّه بصير بالعباد } لقصد استقلال الجملة لتكون كالمَثَل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (15)

منتهى الاستفهام عند قوله : " من ذلكم " ، " للذين اتقوا " خبر مقدم ، و " جنات " رفع بالابتداء . وقيل : منتهاه " عند ربهم " ، و " جنات " على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات . ويجوز على هذا التأويل " جنات " بالخفض بدلا من " خير " ولا يجوز ذلك على الأول . قال ابن عطية : وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام : ( تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت{[2933]} يداك ) خرجه مسلم وغيره . فقوله ( فاظفر بذات الدين ) مثال لهذه الآية . وما قبل مثال للأولى . فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها . وقد تقدم في البقرة معاني{[2934]} ألفاظ هذه الآية . والرضوان مصدر من الرضا ، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة يقول الله تعالى لهم ( تريدون شيئا أزيدكم ) ؟ فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول : ( رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) خرجه مسلم . وفي قوله تعالى : " والله بصير بالعباد " وعد ووعيد .


[2933]:- راجع هامشة 1 ص 29 من هذا الجزء.
[2934]:- راجع جـ1 ص 238 فما بعد.