{ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } .
مضى ذكر غرورين إجمالاً في قوله تعالى : { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } [ فاطر : 5 ] ، { ولا يغرنكم بالله الغرور } [ فاطر : 5 ] فأُخذ في تفصيل الغرور الثاني من قوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو } [ فاطر : 6 ] وما استتبعه من التنبيه على أَحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذرِ من مَصارع متابعته وإبداء الفرق بين الواقِعين في حبائله والمعافَيْن من أدوائه ، بداراً بتفصيل الأهم والأصللِ ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى هنا .
وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئاً عن قبول تعاليم كبرائهم وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم ، هو ما يجدونه من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباعُ يعتزُّون بقوة قادتهم ، لا جرم كانت إرادة العزّة مِلاك تكاتف المشركين بعضهم مع بعض ، وتألبهم على مناوأة الإِسلام ، فوُجّه الخطاب إليهم لكشفِ اغترارهم بطلبهم العزة في الدنيا ، فكل مستمسك بحبل الشرك معرضٍ عن التأمل في دعوة الإِسلام ، لا يُمَسِّكُه بذلك إلا إرادة العزة ، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من كان ذلك صارفَه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع الإِسلام وأن ما هم فيه من العزةِ كالعدم .
و { مَن } شرطية ، وجعل جوابها { فلله العزة جميعاً } ، وليس ثبوت العزة لله بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة الجواب أقيمت مُقامه واستُغني بها عن ذكره إيجازاً ، وليحصل من استخراجه من مطاوي الكلام تقرُّره في ذهن السامع ، والتقديرُ : من كان يريد العذاب فليستجِبْ إلى دعوة الإِسلام ففيها العزة لأن العزة كلها لله تعالى ، فأما العزة التي يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية . وهذا أسلوب متبع في المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطإ في زعمه كما في قول الربيع بن زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي :
من كَان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبْنَـه *** بالليل قبــل تبلُّج الإِسفار
أراد أن من سَرَّه مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه إن أتى ساحة نسوتنا انقلب سروره غمّاً وحزناً إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتِله بادية له ، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلا إذا أُخذ ثأره . هذا ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيتُه عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر .
وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى : { من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ } [ العنكبوت : 5 ] .
وقريب من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة :
فمن يكن قد قضى من خُلّةٍ وطراً *** فإنني منكِ ما قضَّيْتُ أوطاري
ومن يك أمسى بالمدينة رَحله *** فإني وَقَيَّار بها لغريب
فمن يُكلَم يَغْرَضْ فإني ونَاقتي *** بحَجْرٍ إلى أهل الحِمى غَرِضَان
فتقديم المجرور يفيد قصراً وهو قصر ادعائي ، لعدم الاعتداد بما للمشركين من عزة ضئيلة ، أي فالعزة لله لا لهم .
ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع ، وهو الأصل كقوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } [ الإسراء : 18 ] الآية ، وقوله : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } [ هود : 15 ] .
و { جميعاً } أفادت الإِحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ثلاثة مؤكدات ؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين{[337]} و { جميعاً } بمنزلة تأكيد . وهذا قريب من قوله { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً } [ النساء : 139 ] فإن فيه تأكيدين : تأكيداً ب ( إنّ ) وتأكيداً ب { جميعاً } لأن تلك الآية نَزَلت في وقت قوة الإِسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد . وتقدم الكلام على { جميعاً } عند قوله تعالى : { ويوم نحشرهم جميعاً } في سورة سبأ ( 40 ) .
وانتصب { جميعاً } على الحال من { العزة } وَكأنه فعيل بمعنى مفعول ، أي العزة كلها لله لا يَشذ شيء منها فيثبتُ لغيره ، لأن العزة المتعارفة بين الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله .
وتعريف { العزة } تعريف الجنس . والعزة : الشرف والحصانة من أن ينال بسوء . فالمعنى : من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله لنفسه من عزة فهو مخطىء إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب . والعزة الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله . وعزة المولى ينالُ حِزبَه وأولياءَه حظ منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة الدائمة ؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذلّ الانهزام والقتل والأسر في الدنيا وذلّ الخزي والعذاب في الآخرة ، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات كمال في الآخرة .
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } .
كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله : { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [ فاطر : 6 ] الآية ، وبذكر مقابل عواقبه من حال المؤمنين ، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر مقابله أيضاً ليلتقيَ مآلُ الغرورين ومقابلهما في ملْتقىً واحدٍ ، ولكن قدم في الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذُكرت عاقبة أضدادهم ، وعكس في ما هنا لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده .
وجملة { إليه يصعد الكلم الطيب } مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة تفصيل الغرور الذي يوقع فيه .
والمقصود أن أعمال المؤمنين هي التي تنفع ليعلم الناس أن أعمال المشركين سعي باطل . والقربات كلُّها ترجع إلى أقوال وأعمال ، فالأقوال ما كان ثناء على الله تعالى واستغفاراً ودعاء ، ودعاء الناس إلى الأعمال الصالحة .
وتقدم ذكرها عند قوله تعالى : { وقولوا قولاً سديداً } في سورة الأحزاب ( 70 ) . والأعمال فيها قربات كثيرة . وكان المشركون يتقربون إلى أصنامهم بالثناء والتمجيد كما قال أبو سفيان يوم أحد : اعْلُ هُبَل ، وكانوا يتحنثون بأعمال من طواف وحج وإغاثة ملهوف وكان ذلك كله مشوباً بالإِشراك لأنهم ينوون بها التقرب إلى الآلهة فلذلك نصبوا أصناماً في الكعبة وجعلوا هُبَل وهو كبيرهم على سطح الكعبة ، وجعلوا إِسافاً ونائلة فوق الصفا والمروة ، لتكون مناسكهم لله مخلوطة بعبادة الآلهة تحقيقاً لمعنى الإِشراك في جميع أعمالهم .
فلما قدم المجرور من قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } أفيد أن كل ما يقدم من الكلم الطيب إلى غير الله لا طائل تحته .
وأما قوله : { والعمل الصالح يرفعه } ف { العمل } مقابل { الكلم } ، أي الأفعال التي ليست من الكلام ، وضمير الرفع عائد إلى معاد الضمير المجرور في قوله : { إليه } وهو اسم الجلالة من قوله { فلله العزة جميعاً } . والضمير المنصوب من { يرفعه } عائد إلى { العمل الصالح } أي الله يرفع العمل الصالح .
والصعود : الإِذهاب في مكال عال . والرفع : نقل الشيء من مكان إلى مكان أعلى منه ، فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر وهو كناية عن القبول لديه . والرفع : حقيقته نقل الجسم من مقرّه إلى أعلى منه وهو هنا كناية للقبول عند عظيم ، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان . فيكون كلٌّ من ( يَصعد ) و ( يرفعُ ) تبعتيْن قرينتي مكنية بأَن شُبه جانب القبول عند الله تعالى بمكان مرتفع لا يصله إلا ما يصعد إليه .
فقوله : { العمل } مبتدأ وخبره { يرفعه } ، وفي بناء المسند الفعلي على المسند إليه ما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند ، فإذا انضم إليه سياق جملته عقب سياق جملة القصر المشعرُ بسريان حكم القصر إليه بالقرينة لاتحاد المقام إذ لا يتوهم أن يقصر صعود الكلم الطيب على الجانب الإِلهي ثم يجعل لغيره شركة معه في رفع العمل الصالح ، تعين معنى التخصيص ، فصار المعنى : الله الذي يقبل من المؤمنين أقوالهم وأعمالهم الصالحة .
وإنما جيء في جانب العمل الصالح بالإِخبار عنه بجملة { يرفعه } ولم يعطف على { الكلم الطيب } في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين :
أولاهما : الإِيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعاً من معظم الكلم الطيب ( عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة ) فلذلك أسند إلى الله رفعه بنفسه كقول النبي صلى الله عليه وسلم « من تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقّاها الرحمان بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، فيربيها له كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تصير مثل الجبل » .
وثانيهما : أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء فإسناد الصعود إليه مناسب لماهيته ، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا يناسبه إسناد الصعود إليه وإنما يحسن أن يجعل متعلقاً لرفع يقع عليه ويسخره إلى الارتفاع .
{ والذين يَمْكُرُونَ السيئات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أولئك هو يبور } .
هذا فريق من الذين يريدون العزة من المشركين وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } [ الأنفال : 30 ] الآية قاله أبو العالية فعطفهم على { من كان يريد العزة } تخصيص لهم بالذكر لما اختصوا به من تدبير المكر . وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام بذكره .
والمكر : تدبيرُ إلحاققِ الضر بالغير في خفية لئلا يأخذ حذره ، وفعله قاصر . وهو يتعلق بالمضرور بواسطة الباء التي للملابسة ، يقال : مكر بفلان ، ويتعلق بوسيلة المكر بباء السببية يقال : مكر بفلان بقتله ؛ فانتصاب { السيئات } هنا على أنه وصف لمصدر المكر نائباً مناب المفعول المطلق المبيِّن لنوع الفعل فكأنه قيل والذين يمكرون المكر السيِّىء . وكان حقّ وصف المصدر أن يكون مفرداً كقوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } [ فاطر : 43 ] فلما أريد هنا التنبيه على أن أولياء الشيطان لهم أنواع من المكر عُدل عن الإِفراد إلى الجمع وأتي به جمع مؤنث للدلالة على معنى الفَعَلاَت من المكر ، فكل واحدة من مكرهم هي سيئة ، كما جاء ذلك في لفظ ( صالحة ) كقول جرير :
كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
أي صالحات كثيرة ، وأنواع مكراتهم هي ما جاء في قوله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } [ الأنفال : 30 ] .
والتعريف في { السيئات } تعريف الجنس . وجيء باسم الموصول للإِيماء إلى أن مضمون الصلة علّة فيما يرد بعدها من الحكم ، أي لهم عذاب شديد جزاء مكرهم . وعبر بالمضارع في الصلة للدلالة على تجدد مكرهم واستمراره وأنه دَأبهم وهِجِّيراهم .
ولما توعدهم الله بالعذاب الشديد على مكرهم أنبأهم أن مكرهم لا يروج ولا ينفِق وأن الله سيبطله فلا ينتفعون منه في الدنيا ، ويضرون بسببه في الآخرة فقال { ومكر أولئك هو يبور } .
وعبر عنهم باسم الإِشارة دون الضمير الذي هو مقتضى الظاهر لتمييزهم أكمل تمييز ، فيكنى بذلك عن تمييز المكر المضاف إليهم ووضوحه في علم الله وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بما أعلمه الله به منه ، فكأنما أشير إليهم وإلى مكرهم باسم إشارة واحد على سبيل الإِيجاز .
والضمير المتوسط بين { مكر أولئك } وبين { يبور } ضمير فصل إذ لا يحتمل غيره . ومثله قوله تعالى : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [ التوبة : 104 ] .
والراجح من أقوال النحاة قول المازني : إن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع ، وحجته قوله : { ومكر أولئك هو يبور } دون غير المضارع ، ووافقه عبد القاهر الجرجاني في « شرح الإِيضاح » لأبي على الفارسي ، وخالفهما أبو حيان وقال : لم يذهب أحد إلى ذلك فيما علمنا .
وأقول : إن وجه وقوع الفعل المضارع بعد ضمير الفصل أن المضارع يدل على التجدد فإذا اقتضى المقام إرادة إفادة التجدد في حصول الفعل من إرادة الثبات والدوام في حصول النسبة الحكمية لم يكن إلى البليغ سبيل للجمع بين القصدين إلا أن يأتي بضمير الفصل ليفيد الثبات والتقوية لتعذر إفادة ذلك بالجملة الإسلامية . وقد تقدم القول في ذلك عند قوله : { وأولئك هم المفلحون } [ البقرة : 5 ] ، فالفصل هنا يفيد القصر ، أي مكرهم يبور دون غيره ، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله يمكر بهم مكراً يصيب المحزّ منهم على حد قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } [ آل عمران : 54 ] .
والبوار حقيقته : كساد التجارة وعدم نَفاق السلعة ، واستعير هنا لخيبة العمل بوجه الشبه بين ما دبروه من المكر مع حرصهم على إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بضرّ وبين ما ينمِّقه التاجر وما يخرجه من عيابه ويرصفه على مِبْنَاتِه وسط اللَّطِيمة مع السلع لاجتلاب شَرَه المشترين . ثم لا يُقبِل عليه أحد من أهل السوق فيرجع من لطيمته لطيمَ كف الخيبة ، فارغ الكف والعيبة .
قوله تعالى : " من كان يريد العزة فلله العزة جميعا " التقدير عند الفراء : من كان يريد علم العزة . وكذا قال غيره من أهل العلم . أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها ؛ لأن العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلة ، والعزة التي لا ذل معها لله عز وجل . " جميعا " منصوب على الحال . وقدر الزجاج معناه : من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزة والعزة له سبحانه فإن الله عز وجل يعزه في الآخرة والدنيا . قلت : وهذا أحسن ، وروي مرفوعا على ما يأتي . " فلله العزة جميعا " ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته ، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره ، فتكون الألف واللام للعهد عند العالمين به سبحانه وبما وجب له من ذلك ، وهو المفهوم من قوله الحق في سورة يونس : " ولا يحزنك قولهم إن العزة لله " {[13113]} [ يونس : 65 ] . ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق ، فتكون الألف واللام للاستغراق ، وهو المفهوم من آيات هذه السورة . فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل ، وسكون وخضوع ، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه . قال صلى الله عليه وسلم : ( من تواضع لله رفعه الله ) . ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده . وقد ذكر قوما طلبوا العزة عند من سواه فقال : " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا " {[13114]} [ النساء : 139 ] . فأنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من يشاء ويذل من يشاء . وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لقوله " من كان يريد العزة فلله العزة جميعا " : ( من أراد عز الدارين فليطع العزيز . وهذا معنى قول الزجاج . ولقد أحسن من قال :
وإذا تذللت الرقاب تواضعا *** منا إليك فعزّها في ذلها
فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر ، ويدخل دار العزة ولله العزة فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به ، فإنه من اعتز بالعبد أذل الله ، ومن اعتز بالله أعزه الله .
قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب " وتم الكلام . ثم تبتدئ " والعمل الصالح يرفعه " على معنى : يرفعه الله ، أو يرفع صاحبه . ويجوز أن يكون المعنى : والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، فيكون الكلام متصلا على ما يأتي بيانه . والصعود هو الحركة إلى فوق ، وهو العروج أيضا . ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض ، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله ؛ لأن موضع الثواب فوق ، وموضع العذاب أسفل . وقال الزجاج : يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه ، فهو بمعنى العلم . وخص الكلام والطب بالذكر لبيان الثواب عليه . وقوله " إليه " أي إلى الله يصعد . وقيل : يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم . وقيل : أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء . و " الكلم الطيب " هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة . وقيل : هو التحميد والتمجيد ، وذكر الله ونحوه . وأنشدوا :
لا ترض من رجل حلاوةَ قوله *** حتى يُزَيِّنَ ما يقول فَعالُ
فإذا وزنت فعاله بمقاله *** فتوازنا فإخاءُ ذاك جَمالُ
وقال ابن المقفع : قول بلا عمل ، كثريد بلا دسم ، وسحاب بلا مطر ، وقوس بلا وتر . وفيه قيل :
لا يكون المقال إلا بفعلٍ *** كل قول بلا فعالٍ هباءُ
إن قولا بلا فعال جميل *** ونكاحا بلا ولي سواءُ
وقرأ الضحاك " يُصعد " بضم الياء{[13115]} . وقرأ . جمهور الناس " الكلم " جمع كلمة . وقرأ أبو عبد الرحمن " الكلام " .
قلت : فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلم وبالعكس ، وعليه يخرج قول أبي القاسم : أقسام الكلام ثلاثة ، فوضع الكلام موضع الكلم ، والله أعلم .
" والعمل الصالح يرفعه " قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب . وفي الحديث ( لا يقبل الله قولا إلا بعمل ، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية ، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة ) . قال ابن عباس : فإذا ذكر العبد الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه ، ارتفع قوله مع عمله وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله . قال ابن عطية : وهذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس . والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه ، وله حسناته وعليه سيئاته ، والله تعالى يتقبل من كل من أتقى الشرك . وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح ، وإنما يستقيم قول من يقول : إن العمل هو الرافع للكلم ، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه . كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك ، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف ، فيكون قوله : " والعمل الصالح يرفعه " موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال . وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها ، كالتوحيد والتسبيح فمقبولة . قال ابن العربي : " إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع ؛ لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه . وتحقيق هذا : أن العمل إذا وقع شرطا في قبول القول أو مرتبطا ، فإنه لا قبول له إلا به وإن لم يكن شرطا فيه فإن كلمه الطيب يكتب له ، وعمله السيئ يكتب عليه ، وتقع الموازنة بينهما ، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران " .
قلت : ما قال ابن العربي تحقيق . والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب . وقد جاء في الآثار ( أن العبد إذا قال : لا إله إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة إلى عمله ، فإن كان العمل موافقا لقوله صعدا جميعا ، وإن كان عمله مخالفا وقف قوله حتى يتوب من عمله ) . فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله . والكناية في " يرفعه " ترجع إلى الكلم الطيب . وهذا قول ابن عباس وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك . وعلى أن " الكلم الطيب " هو التوحيد ، فهو الرافع للعمل الصالح ؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد . أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ؛ فالكناية تعود على العمل الصالح . وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال : " الكلم الطيب " القرآن " والعمل الصالح يرفعه " القرآن . وقيل : تعود على الله جل وعز ، أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب ؛ لأن العمل تحقيق الكلم ، والعامل أكثر تعبا من القائل ، وهذا هو حقيقة الكلام ؛ لأن الله هو الرافع الخافض . والثاني والأول مجاز ، ولكنه سائغ جائز . قال النحاس : القول الأول أولاها وأصحها لعلو من قال به ، وأنه في العربية أولى ؛ لأن القراء على رفع العمل . ولو كان المعنى : والعمل الصالح يرفعه الله ، أو العمل الصالح يرفعه{[13116]} الكلم الطيب ، لكان الاختيار نصف العمل . ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا إلا شيئا روي عن عيسى ، بن عمر أنه قال : قرأه أناس " والعمل الصالح يرفعه الله " . وقيل : والعمل الصالح يرفع صاحبه ، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تطلب من الله تعالى . ذكره القشيري .
الثانية- ذكروا عند ابن عباس أن الكلب يقطع الصلاة ، فقرأ هذه الآية : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " . وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم ، ( وقد دخل في الصلاة بشروطها ، فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك ، من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع ، وقد تعلق من رأى ذلك بقوله عليه السلام : ( يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود ) فقلت : ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر ؟ فقال : ( إن الأسود شيطان ) خرجه مسلم{[13117]} . وقد جاء ما يعارض هذا ، وهو ما خرجه البخاري عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء ؟ فقال : لا يقطعها شيء ، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله .
قوله تعالى : " والذين يمكرون السيئات " ذكر الطبري في ( كتاب آداب النفوس ) : حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري في قوله عز وجل : " والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور " قال : هم أصحاب الرياء ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة . وقال أبو العالية : هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة . وقال الكلبي : يعني الذين يعملون السيئات في السيئات في الدنيا مقاتل : يعني الشرك ، فتكون " السيئات " مفعولة . ويقال : بار يبور إذا هلك وبطل . وبارت السوق أي كسدت ، ومنه : نعوذ بالله من بوار الأيم{[13118]} . وقوله : " وكنتم قوما بورا " {[13119]} [ الفتح : 12 ] أي هلكى . والمكر : ما عمل على سبيل احتيال وخديعة . وقد مضى في " سبأ " {[13120]} .