{ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إل مريم وروح منه } .
استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة . وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم . وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله : { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } إلى قوله : { أن يكون عبداً لله } [ النساء : 172 ] فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله : { لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ } وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى فادّعوا له بنوّة الله ، وجعلوه ثالث الآلهة .
والغلوّ : تجاوز الحدّ المألوف ، مشتقّ من غَلْوَة السهم ، وهي منتهى اندفاعه ، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول ، أو المشْرُوع في المعتقدات ، والإدراكات ، والأفعال . والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ . ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين . وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم : فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم ، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام ، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله ، مع الكفر بمحمدّ صلى الله عليه وسلم .
وقوله : { ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ } عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع . وفعل القول إذا عدّي بحرف ( على ) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب ( على ) نسبة كاذبة ، قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب } [ آل عمران : 78 ] . ومعنى القول على الله هنا : أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم ، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله .
وقوله : { إنما المسيح عيسى ابن مريم } جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده ، فإنَّه مجمل ؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ .
ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها . وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث : صفة الرسالة ، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم ، وصفة كونه روحاً من عند الله . فالقصر قصر موصوف على صفة . والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها ؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى ، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها ، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة ، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه ، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية .
والقصر إضافي ، وهو قصر إفرادٍ ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح ، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة .
ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل ؛ ففي صدر إنجيل يوحنا « في البدء كان الكلمةُ ، والكلامة كان عند الله ، وكان الكلمة الله ثم قال والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا » . وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية ، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله . والكلمةُ هي التكوين ، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح ب ( كُن ) . فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز ، وليس هو بكلمة ، ولكنّه تعلّقُ القدرة . ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة ، فكان حدوثه بتعلّق القدرة ، فيكون في { كلمته } في الآية مجازان : مجاز حذف ، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة .
ومعنى { ألقاها إلى مريم } أوصلها إلى مريم ، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة ، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى ، أو أراد كلمة أمر التكوين . ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل . وقد أقرّه الله هنا ، فهو ممّا نزل حقّاً .
ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة ، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح . ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله ، وقيل : لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح ، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه . وقيل : الروح النفخة . والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً . قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب :
فقلت له ارفعها إليك فأَحيها *** برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا
وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل . و ( مِن ) ابتدائية على التقادير .
فإن قلت : ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى ، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ } [ الكهف : 110 ] فكان أصرح في بيان العبوديّة ، وأنفى للضلال .
قلت : الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل ، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام ، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل ، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله ، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله .
وتصدير جملة القصر بأنّه { رسول الله } ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله ، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح .
{ فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ ما فِى السماوات وَمَا فِى الارض وكفى بالله وَكِيلاً } .
الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه . أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته ، وتنزيهه ، وصدق رسله ، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله . وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين ، أي النصارى ، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان ، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله ، وهو المقصود ، وهذا هو الظاهر عندي . وأريدَ بالرسل جميعهم ، أي لا تكفروا بواحد من رسله . وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه .
وقوله : { ولا تقولوا ثلاثة } أي لا تنطقوا بهذه الكلمة ، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين ، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة : الإبهام والخنصر والبنصر . والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد . لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد ، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه . والمخاطب بقوله : { ولا تقولوا } خصوص النّصارى .
و { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث ، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي ، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ { ثلاثة } من الأسماء الدّالة على الإله ، وهي عدّة أسماء . ففي الآية الأخرى { لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة } [ المائدة : 73 ] . وفي آية آخر هذه السورة { أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] ، أي إلهين مع الله ، كما سيأتي ، فالمجموع ثلاثة : كلّ واحد منهم إله ؛ ولكنّهم يقولون : أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد . قال في « الكشّاف » : ( ثلاثة ) خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون : هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم ، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اهـ .
والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم ، ولكنّهم مختلفون في كيفيته . . ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى ( ثَالُوث ) ، أي أنَّه جوهر واحد ، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم ، واحدها أقْنُوم بضم الهمزة وسكون القاف . قال في « القاموس » : هو كلمة رومية ، وفسّره القاموس بالأصل ، وفسّره التفتزاني في كتاب « المقاصد » بالصفة . ويظهر أنَّه معرّب كلمة ( قنوم بقاف معقد عجمي ) وهو الاسم ، أي ( الكلمة ) . وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة ( آبَا ابنَا رُوحا قُدُسا ) وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض : فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات .
والأقنوم الثاني أقنوم العلم ، وهو الابن ، وهو دونَ الأقنوم الأول ، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية .
والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس ، وهو صفة الحياة ، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات .
وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية ، مثل القِدم والبقاء ، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة ، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب ، وأقنوم العلم بالابن ، وأقنوم الحياة بالروح القدس ، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله ، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله ، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم ، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن ، ( كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد ) . وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح ، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله ، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه ، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة ، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة ، وقاربوا عقيدة الشرك .
ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح ، فقالوا : إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً ، باتّحاد أقنُوم العلم به ، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد ، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول ، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة ، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح ، فقالوا : الله هو المسيح . هذا أصل التثليث عند النّصارى ، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى : { ولا تقولوا ثلاثة } وقولُه { لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [ المائدة : 72 ] وقولُه : { أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] وكانوا يقولون : في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ أي إنسانية من جهة الأمّ .
وظهر بالإسكندرية راهب اسمه ( آريوس ) قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق ، وكان في زمن ( قسطنطينوس سلطان الرّون باني القسطنطينية ) . فلمّا تديّن قسطنطينوس المذكور بالنصرانية سنة327 تبع مقالة ( آريوس ) ، ثمّ رأى مخالفةَ معظممِ الرهبان له فأراد أن يوحّد كلمتهم ، فجمع مجمعاً من علماء النصارى في أواخر القرن الرابع من التّاريخ المسيحي ، وكان في هذا المجمع نحو ألفي عالم من النصارى فوجدهم مختلفين اختلافاً كثيراً ووجد أكثر طائفة منهم على قول واحدٍ ثلاثَمائة وبضعةَ عشر عالماً فأخذ قولهم وجعله أصل المسيحيّة ونصَره ، وهذه الطائفة تلقّب ( المَلْكَانِيَّة ) نسبة للمَلِك .
واتَّفق قولهم على أنّ كلمة الله اتَّحدت بجسد عيسى ، وتقمَّصت في ناسوته ، أي إنسانيته ، ومازجته امتزاج الخمر بالماء ، فصارت الكلمةُ ذاتاً في بطن مريم ، وصارت تلك الذات ابناً لله تعالى ، فالإلهُ مجموع ثلاثة أشياء :
الأوّل الأب ذُو الوجود ، والثاني الابن ذُو الكلمة ، أي العلم ، والثالث روح القدس .
ثمّ حدثت فيهم فرقة اليَعْقوبية وفرقة النَّسْطُورِيَّة{[219]} في مجامع أخرى انعقدت بين الرهبان . فاليعقوبيّة ، ويسمّون الآن ( أرْثُودُكْسْ ) ، ظَهروا في أواسط القرن السادس المسيحي ، وهم أسبق من النسطورية ؛ قالوا : انقلبت الإلهية لَحْماً ودَماً ؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صُنْعه صنع الله تعالى ممّا يعجز عنه غير الله تعالى . وكان نصارى الحبشة يعاقبه ، وسنتعرّض لذكرها عند قوله تعالى : { لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم } في سورة المائدة ( 72 ) ، وعند قوله تعالى : { فاختلف الأحزاب من بينهم } [ مريم : 37 ] .
والنَّسطوريّة قالت : اتَّحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق الشّمس من كوة مِن بلّور ، فالمسح إنسان ، وهو كلمة الله ، فلذلك هو إنسان إله ، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانيّة وأخرى إلهيّة ، وقد أطلق على الرئيس الديني لهذه النّحلة لقب ( جَاثِليق ) . وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى العرب . وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كلّ فريقٍ نحلتَه بين قبائل العرب . وكان الأكاسرة حُماة للنسطورية . وقياصرةُ الرّوم حُمَاة لليعقوبية . وقد شاعت النّصرانيّة بنحْلتيْها في بَكْر ، وتَغلب ، وربيعة ، ولخم ، وجُذام ، وتَنُوخ ، وكَلْب ، ونَجْران ، واليَمَن ، والبحرين . وقد بَسَطْتُ هذا ليعلم حُسن الإيجاز في قوله تعالى : { ولا تقولوا ثلاثة } وإتيانه على هذه المذاهب كلّها . فللّه هذا الإعجاز العلمي .
والقول في نَصب ( خيراً ) من قوله : { انتهوا خيراً لكم } كالقول في قوله تعالى : { فآمنوا خيراً لكم } [ النساء : 170 ] . والقصر في قوله : { إنَّما الله إله واحد } قصر موصوف على صفة ، لأنّ ( إنّما ) يليها المقصور ، وهو هنا قصر إضافي ، أي ليس الله بثلاثة .
وقوله : { سبحانه أن يكون له ولد } إظهار لغلطهم في أفهامهم ، وفي إطلاقاتهم لفظَ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنَّهما إمّا ضلالة وإمّا إيهامُها ، فكلمة ( سبحانه ) تفيد قوة التنزيه لله تعالى عن أن يكون له ولد ، والدلالةَ على غلط مثبتيهِ ، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبا واتّخاذَ ابن ، لاستحالة الفناء ، والاحتياج ، والانفصال ، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى . والبنوّة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع ، والناس يتطلّبونها لذلك ، وللإعانةِ على لوازم الحياة ، وفيها انفصال المولود عن أبيه ، وفيها أنّ الابن مماثلة لأبيه فأبُوه مماثل له لا محالة .
و ( سبحان ) اسم مصدر سَبَّح ، وليس مصدراً ، لأنَّه لم يسمع له فعل سالم . وجزم ابن جني بأنّه علَم على التسبيح ، فهو من أعلام الأجناس ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة . وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا } في سورة البقرة ( 32 ) .
وقوله : { أنْ يكونَ له وَلَدَ } متعلّق ب ( سبحان ) حرف الجرّ ، وهو حرف ( عَن ) محذوفاً .
وجملة { له ما في السموات وما في الأرض } تعليل لقوله : { سبحانه أن يكون له ولد } لأنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد ، ولأنّ من يُزْعَم أنَّه ولدٌ له هو ممّا في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح ، فالكلّ عبيده وليس الابن بعبد .
وقوله : { وكفى بالله وكيلا } تذييل ، والوكيل الحافظ ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض ، أي الموجودات كُلّها . وحُذف مفعول ( كفى ) للعموم ، أي كفى كلّ أحد ، أي فتوكّلوا عليه ، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابناً له . وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى : { وكفى بالله وكيلاً } في هذه السورة .
قوله تعالى : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم " نهى عن الغلو . والغلو التجاوز في الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها{[5159]} ، ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ؛ ولذلك قال مطرف بن عبدالله : الحسنة بين سيئتين ، وقال الشاعر :
وأوفِ ولا تَسْتَوْفِ حَقَّكَ كله *** وصافح فلم يستوفِ قَطُّ كَرِيمُ
ولا تغلُ في شيء من الأمر *** واقتصد كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ وقال آخر :
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة *** ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وفي صحيح البخاري عنه عليه السلام : ( لا تطروني{[5160]} كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبدالله ورسوله ) .
قوله تعالى : " ولا تقولوا على الله إلا الحق " أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا . ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال : " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته "
الأولى : قوله تعالى : " إنما المسيح " المسيح رفع بالابتداء ؛ و " عيسى " بدل منه وكذا " ابن مريم " . ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى : إنما المسيح ابن مريم . ودل بقوله : " عيسى ابن مريم " على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها ، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا . ويكون " رسول الله " خبرا بعد خبر .
الثانية : لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ، فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ ، ولا يبتذلون أسماءهن ، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت ، وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .
الثالثة : اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه{[5161]} منسوبا للام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله . والله أعلم .
قوله تعالى : " وكلمته ألقاها إلى مريم " أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه . وقيل : " كلمته " بشارة الله تعالى مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام{[5162]} ؛ وذلك قوله : " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه " {[5163]} [ آل عمران : 45 ] . وقيل : " الكلمة " ههنا بمعنى الآية ، قال الله تعالى : " وصدقت بكلمات ربها{[5164]} " [ التحريم : 12 ] و " ما نفدت كلمات الله{[5165]} " [ لقمان : 27 ] . وكان لعيسى أربعة أسماء : المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى " ألقاها إلى مريم " أمر بها مريم{[5166]} .
قوله تعالى : " وروح منه " هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال ، فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ، وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ، فلهذا قال : " وروح منه " . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ، وهذا كقوله : " وطهر بيتي للطائفين " {[5167]} [ الحج : 26 ] ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ، كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل : يسمى روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح . قال الشاعر - هو ذو الرمة :
فقلت له ارفَعْها إليك وأَحْيِها *** بروحك{[5168]} واقْتَتْهُ لها قيتَةً قَدْرَا
وقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله ، وعلى هذا يكون " وروح منه " معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في " ألقاها " التقدير : ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم . وقيل : " روح منه " {[5169]} أي من خلقه ؛ كما قال : " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " [ الجاثية : 13 ] أي من خلقه . وقيل : " روح منه " أي رحمة منه ؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه ، ومنه قوله تعالى : " وأيدهم بروح منه " {[5170]} [ المجادلة : 22 ] أي برحمة ، وقرئ : " فروح وريحان " {[5171]} . وقيل : " وروح منه " وبرهان منه ؛ وكان عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : " فآمنوا بالله ورسله " أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله ، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها . " ولا تقولوا " آلهتنا " ثلاثة " عن الزجاج . قال ابن عباس : يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه . وقال الفراء وأبو عبيد : أي لا تقولوا هم ثلاثة ، كقوله تعالى : " سيقولون ثلاثة " {[5172]} [ الكهف : 22 ] . قال{[5173]} أبو علي : التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة ؛ فحذف المبتدأ والمضاف . والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون : إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ، فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن المسيح ، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين .
ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ، فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته ، وليس كذلك ، فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ، وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى ، وغير ذلك ، وكذلك ما جرى على يد الأنبياء ، فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام ، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى ، فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن ، ويكذبون من أتى به ، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر . وقد قيل : إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ، يصلون إلى القبلة ، ويصومون شهر رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له : بولس ، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ، ونحن مغبونون{[5174]} إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار ، وكان له فرس يقال لها : العقاب ، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى : أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ، فخرج وقال : نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال : لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله . وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له الملك{[5175]} فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له : أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني ، وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها ، فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع النصارى من الفرق الثلاث ، فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ، والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] وسيأتي{[5176]} إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " انتهوا خيرا لكم " " خيرا " منصوب عند سيبويه بإضمار فعل ؛ كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ؛ لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم . قال سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره " انتهوا خيرا لكم " لأنك إذا قلت : انته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في أخر ، وأنشد :
فواعديه سَرْحتي{[5177]} مالك *** أو الرُّبَا بينهما أسهلا
ومذهب أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم . قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأنه يضمر الشرط وجوابه{[5178]} ، وهذا لا يوجد في كلام العرب . ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ؛ قال علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ؛ لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم .
قوله تعالى : " إنما الله إله واحد " هذا ابتداء وخبر ؛ و " واحد " نعت له . ويجوز أن يكون " إله " بدلا من اسم الله عز وجل و " واحد " خبره ؛ التقدير إنما المعبود واحد . " سبحانه أن يكون له ولد " أي تنزيها{[5179]} عن أن يكون له ولد ، فلما سقط " عن " كان " أن " في محل النصب بنزع الخافض ، أي كيف يكون له ولد ؟ وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل . " له ما في السماوات وما في الأرض " فلا شريك له ، وعيسى ومريم{[5180]} من جملة ما في السموات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق ! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له . " وكفى بالله وكيلا " أي لأوليائه ، وقد تقدم .