التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا} (72)

وقوله : { وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ } أي من جماعتكم وعدادكم ، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم ، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول : « قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً » ، فهؤلاء منافقون ، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله : { بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً } إلى قوله : { الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } [ النساء : 138 141 ] . وعلى كون المراد ب { من ليبطّئنّ } المنافقين حمَل الآية مجاهد ، وقتادة ، وابن جريج . وقيل : أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر . قال الفخر « وهذا اختيار جماعة من المفسرين » وعلى هذا فمعنى و { منكم } أي من أهل دينكم . وعلى كلا القولين فقد أكّد الخبر بأقوى المؤكّدات لأنّ هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب . وبَطَّأ بالتضعيف قاصر ، بمعنى تثاقل في نفسه عن أمر ، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبْن . والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه ، والتعريض به ، مع كون الخبر باقياً على حقيقته لأنّ مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز .

قوله : { فإن أصابتكم مصيبة } تفريع عن { ليَبطّئنّ } ، إذ هذا الإبطاء تارة يجرّ له الابتهاج بالسلامة ، وتارة يجرّ له الحسرة والندامة .

و ( المصيبَة ) اسم لما أصاب الإنسان من شرّ ، والمراد هنا مصيبة الحرب أعني الهزيمة من قتل وأسر .

ومعنى { أنعم الله عليّ } الإنعام بالسلامة : فإن كان من المنافقين فوصف ذلك بالنعمة ظاهر ؛ لأنّ القتل عندهم مصيبة محْضة إذ لا يرجون منه ثواباً ؛ وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عَدَّ نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة لشدّة الجبن ، وهذا من تغليب الداعي الجبليّ على الداعي الشرعي .

والشهيد على الوجه الأوّل : إمّا بمعنى الحاضر المشاهد للقتال ، وإمّا تهكّم منه على المؤمنين مثل قوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَنْ عندَ رسول الله } [ المنافقون : 7 ] ؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو القتيل في الجهاد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا} (72)

قوله تعالى : " وإن منكم لمن ليبطئن " يعني المنافقين . والتبطئة والإبطاء التأخر ، تقول : ما أبطأك عنا ، فهو لازم . ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته ، فهو متعد . والمعنيان مراد في الآية ، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم . والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم{[4623]} وممن أظهر إيمانه لكم . فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم . واللام في قوله " لمن " لام توكيد ، والثانية لام قسم ، و " من " في موضع نصب ، وصلتها " ليبطئن " لأن فيه معنى اليمين ، والخبر " منكم " . وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي " وإن منكم لمن ليبطئن " بالتخفيف ، والمعنى واحد . وقيل : المراد بقوله " وإن منكم لمن ليبطئن " بعض المؤمنين ؛ لأن الله خاطبهم بقوله : " وإن منكم " وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله " وما هم منكم{[4624]} " [ التوبة : 56 ] وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره . وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان . هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . يدل عليه قوله " فإن أصابتكم مصيبة " أي قتل وهزيمة " قال قد أنعم الله علي " يعني بالقعود ، وهذا لا يصدر إلا من منافق ، لا سيما في ذلك الزمان الكريم ، بعيد أن يقول مؤمن . وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين ( إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ) الحديث . في رواية ( ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها ) يعني صلاة العشاء . يقول : لو لاح شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه .


[4623]:في ج: جيشكم.
[4624]:راجع ج 8 ص 164.