التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } .

إن كان الناس قد سألوا عمّا أحِلّ لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرّم عليهم في الآية السابقة ، أو قبل أن يسمعوا ذلك ، وأريد جوابهم عن سؤالهم الآن ، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدّد السؤال ، أي تكرّره أو توقّع تكرّره . وعليه فوجه فصل جملة { يسألونك } أنّها استئناف بيانيّ ناشىء عن جملة { حرّمت عليكم الميتة } [ المائدة : 3 ] وقوله : { فمن اضطرّ في مخمصة } [ المائدة : 3 ] ؛ أو هي استئناف ابتدائي : للانتقال من بيان المحرّمات إلى بيان الحلال بالذات ، وإن كان السؤال لم يقع ، وإنَّما قصد به توقّع السؤال ، كأنَّه قيل : إن سَألوكَ ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقّع أن يسأل الناس عن ضبط الحلال ، لأنَّه ممّا تتوجَّه النفوس إلى الإحاطة به ، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عُدّد لهم في الآيات السابقة ، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم ، منها قوله تعالى : { يسألونك عن الأهلّة } في سورة البقرة ( 189 ) : أنّ صيغة { يسألونك } في القرآن تحتمل الأمرين . فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلاً ثم ببيان الحلال ، أو ببيان الحلال فقط ، إذا كان بيان المحرّمات سابقاً على السؤال ، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره .

و { الطيّبات } صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيّبة ، وهي الموصوفة بالطيِّب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلاً وآجلاً ، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً لا يسمّى طيِّباً : لأنّه يعقب ألماً أو ضُرّاً ، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه . وقد أطلق الطيِّب على المباح شرعاً ؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة ، قال تعالى : { كلوا ممَّا في الأرض حلالاً طيّباً } [ البقرة : 168 ] . والمراد بالطيّبات في قوله : { أحل لكم الطيبات } معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل { أحِلّ } إليها . وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى : { يأيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً } في سورة البقرة ( 168 ) ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى : { والبلد الطيّب } في سورة الأعراف ( 58 ) .

و{ الطيّبات } وصف للأطعمة قُرِن به حكم التحليل ، فدلّ على أنّ الطِّيبَ علّة التحليل ، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم { ويحلّ لهم الطيّباتِ ويحرّم عليهم الخبائث } [ الأعراف : 157 ] .

وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات ؛ فعن مالك : الطيّبات الحلال ، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيِّب في الطعام المباح ، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله : { الطيّبات } حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، فيتَعيّن ، إذن ، أن يكون قوله : { أحل لكم الطيبات } غيْر مراد منه ضبط الحلال ، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه الله لهم فهو طيّب ، إبطالاً لِما اعتقدوه في زمن الشرك : من تحريم ما لا موجب لتحريمه ، وتحليل ما هو خبيث .

ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن ، مثل قوله : { اليومَ أحلّ لكم الطيّبات } [ المائدة : 5 ] وقولِه في الأعراف ( 157 ) : { ويُحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث } وعن الشافعي : الطيّبات : الحلال المستلذّ ، فكلّ مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام . قال فخر الدين : العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإنّ أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، وتتأكّد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [ البقرة : 29 ] فهذا يقتضي التمكّن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلاُّ أنّه دخله التخصيص بحرمة الخبائث ، فصار هذا أصلاً كبيراً في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة . منها أنّ لحم الخيل مباح عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : ليس بمباح . حجّة الشافعي أنّه مستلذّ مستطاب ، والعلم بذلك ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً ، لقوله تعالى : { أحل لكم الطيبات } . وفي « شرح الهداية » في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي « أنّ ما استطابه العرب حلال ، لقوله تعالى : { ويحلّ لهم الطيّبات } [ الأعراف : 157 ] ، وما استخبثه العرب حرام ، لقوله : { ويحرّم عليهم الخبائث } [ الأعراف : 157 ] . والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار ، لأنّ القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به ، ولم يُعتبر أهل البوادي لأنّهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة . وما يوجد في أمصار المسلمين ممّا لا يعرفه أهل الحجاز رُدّ إلى أقرب مَا يشبهه في الحجاز اهـ . وفيه من التحكّم في تحكيم عوائد بعض الأمّة دون بعض ما لا يناسب التشريع العامّ ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضبّ بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خالد بن الوليد : « ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه » ومع ذلك لم يحرّمه على خالد .

والذي يظهر لي : أنّ الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيّب فلا جرم أن يكون ذلك منظوراً فيه إلى ذات الطعام ، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين ، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين ، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المُعتدلين من البشر ، من كلّ ما يعدّه البشر طعاماً غير مستقذر ، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات ، وعن الطبائع المنحرفات ، ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات ، ويترك بعضهم ذلك البعض . فمن العرب من يأكل الضبّ واليربوع والقنافذ ، ومنهم من لا يأكلها . ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذّر ذلك . وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز ، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز ، وفي أهل الصحاري تُستجاد لحوم الإبل وألبانُها ، وفي أهل الحضر من يكره ذلك ، وكذلك دوابّ البحر وسلاحفه وحيّاته .

والشريعة من ذلك كلّه فلا يقضي فيها طبعُ فريق على فريق . وَالمحرّمات فيها من الطعوم ما يضرّ تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدّرات كالأفيون والحشيشة المخدّرة ، وما هو نجسَ الذات بحكم الشرع ، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيوب وأرواث النعام ، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطاً للتحريم إلاّ المحرّمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله . والقول بأنّ بعضها حلال دون بعض بدون نصّ ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل ، فما الذي سوّغ الظبي وحرّم الأرنب ، وما الذي سوّغ السمكة وحرّم حيّة البحر ، وما الذي سوّغ الجَمَل وحرّم الفرس ، وما الذي سوّغ الضبّ والقنفذ وحرّم السلحفاة ، وما الذي أحلّ الجراد وحرّم الحلزون ، إلاّ أن يكون له نصّ صحيح ، أو نظر رَجيح ، وما سوى ذلك فهو ريح . وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردّد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نصّ فيه أو في مواقع المتشابهات .

{ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } .

يجوز أن يكون عطفاً على { الطيّبات } عطف المفرد ، على نيّة مضاف محذوف ، والتقدير : وصيد ما علّمتم من الجوارح ، يدلّ عليه قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } . فما موصولة وفاء { فكلوا } للتفريع . ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة ، وتكون ( ما ) شرطية وجواب الشرط { فكلوا ممّا أمسكن } .

وخُصّ بالبيان من بين الطيّبات لأنّ طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد ، لا سيما صيد الجوارح ، وهو محلّ التنبيه هنا الخاصّ بصيد الجوارح . وسيُذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى : { ليبلونّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } [ المائدة : 94 ] والمعنى : وما أمسك عليكم ما علّمتم بقرينة قوله بعدُ { فكلوا مما أمسكن عليكم } لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلّمة .

والجوارح : جمع الجارح ، أو الجارحة ، جرى على صيغة جمع فاعلة ، لأنّ الدوابّ مراعى فيها تأنيث جمعها ، كما قالت العرب للسباع : الكواسب ، قال لبيد :

غُبْس كواسِبُ ما يُمَنّ طعامها

ولذلك تُجمعَ جمعَ التأنيث ، كما سيأتي { فكلوا ممّا أمسكن عليكم } .

{ ومكلِّبين } حال من ضمير { علّمتم } مبيّنة لنوع التعليم وهو تعليم المكلِّب ، والمكلِّب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل مُعلّم الكلاب ، يقال : مكلِّب ، ويقال : كَلاَّب .

ف { مكلِّبين } وصف مشتقّ من الاسم الجامد اشتقّ من اسم الكلب جرياً على الغالب في صيد الجوارح ، ولذلك فوقوعه حالاً من ضمير { علّمتم } ليس مخصّصاً للعموم الذي أفاده قوله : { وما علّمتم } فهذا العموم يشمل غير الكلاب من فُهود وبُزَاة .

وخالف في ذلك ابن عمر ، حكى عنه ابنُ المنذر أنّه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى : { مكلّبين } قال : فأمّا ما يصاد به من البزاةِ وغيرها من الطير فما أدركتَ ذكاته فذكِّه فهو لك حلال وإلاّ فلا تَطْعَمْه . وهذا أيضاً قول الضحّاك والسُدّي .

فأمَّا الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلَّمات منها ، إلاّ ما شذّ من قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم ، أي عامّ السواد ، محتجّين بقول النبي صلى الله عليه وسلم " الكلب الأسود شيطان " أخرجه مسلم ، وهو احتجاج ضعيف ، مع أنّ النبي عليه السلام سمّاه كلباً ، وهل يشكّ أحد أنّ معنى كونه شيطاناً أنَّه مظنّة للعقر وسوء الطبع . على أنّ مورد الحديث في أنَّه يقطع الصلاة إذا مرّ بين يدي المصلّي . على أنّ ذلك متأوّل . وعن أحمد بن حنبل : ما أعرف أحداً يرخّص فيه ( أي في أكل صيده ) إذا كان بهيماً ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، وكيف يصْنع بجمهور الفقهاء .

وقوله : { تعلمونهن مما علمكم الله } حال ثانية ، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان ، إذ جعله معلَّماً بالجبلّة من يومَ قال : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } [ البقرة : 33 ] ، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان ، إذ جعله قابلاً للتعلّم . فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزّل منزلة الحال المؤكّدة ، وباعتبار كونها تضمّنت معنى الامتنان فهي مؤسّسة . قال صاحب « الكشاف » « وفي تكرير الحال فائدةُ أنّ على كلّ آخذ عِلماً أن لا يأخذه إلاّ من أقْتَلِ أهلِه علماً وأنْحَرِهم دِراية وأغوصِهِم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكبادَ الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيّع أيّامه وعَضّ عند لقاء النَّحارير أنامله » . اهـ .

والفاء في قوله : « فكلوا ممّا أمسكن عليكم » فاء الفصيحة في قوله : { وما علّمتم من الجوارح } إن جعلت ( ما ) من قوله { وما علّمتم } موصولة ، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب .

وحرف ( من ) في قوله { ممّا أمسكن عليكم } للتبعيض ، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناوَلات ، كقوله : « كلوا من ثمره » . وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد ، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش ، والعظم ، والجلد ، والقرون ؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه .

وحرف ( على ) في قوله { ممّا أمسكن عليكم } بمعنى لام التعليل ، كما تقول : سجن على الاعتداء ، وضُرب الصبيّ على الكذب ، وقول علقمة بن شيبان :

ونُطاعن الأعداءَ عن أبنائنا *** وعَلَى بصائرنا وإن لم نُبْصِر

أي نطاعن على حقائقنا : أي لحماية الحقيقة ، ومن هذا الباب قوله تعالى : { أمسك عليك زوجك } [ الأحزاب : 37 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم { أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك } .

ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح : من كلاب ، وفهود ، وسباع طير : كالبزاة ، والصقور ، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد . وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنَّما اختلفُوا في تحقّق هذه القيود .

فأمَّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أُشلي ، فانْشلى ، فاشتدّ وراء الصيد ، وإذا دُعي فأقبل ، وإذا زجر فانزجر ، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه ، أنّ هذا معلّم . وهذا على مراتب التعلّم . ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك : فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع . وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد ، وأنَّه صار له معرفة ، وبذلك قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتيْن أو ثلاث ، خلافاً لأحمد ، وأبي يوسف ، ومحمد .

وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد : فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها ، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدوداً ، أو أمرُه إيّاها بلفظ اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله : « هذا لَكِ » لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة . ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد . واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه : فقال جماعة من الصحابة والتابعين : إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية ؛ لأنّه إنَّما أمسك على نفسه ، لا على ربّه . وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح : أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب ، فقال : " وإذا أكَل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه " وبه أخذ الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق . وقال جماعة من الصحابة : إذا أكل الجارح لم يضرّ أكله ، ويؤكل ما بقي . وهو قول مالك وأصحابه : لحديث أبي ثَعْلبة الخُشَني ، في « كتاب أبي داوود » : أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « وإن أكل منه » . ورام بعض أصحابنا أن يحتجّ لهذا بقوله تعالى : { ممّا أمسكن عليكم } حيث جاء بمن المفيدة للتبعيض ، المؤذنة بأنّه يؤكل إذا بَقي بعضه ، وهو دليل واه فقد ذكرنا آنفاً أنَّ ( مِن ) تدخل على الاسم في مِثل هذا وليس المقصود التَّبعيض ، والكلب أو الجارح ، إذا أشلاه القنّاص فانشلى ، وجاء بالصيد إلى ربّه . فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه ، فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان . ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أنّ أكل الجارح من الصيد هل يقدح في تعليمه ، والصواب أنّ ذلك لا يقدح في تعليمه ، إذا كانت أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد ، وإنما هذا من الفلتة أو من التهوّر . ومَال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصّة ، لأنّها لا تفقه من التعليم مَا يَفقه الكلب ، وروي هذا عن ابن عباس ، وحمّاد ، والنخعي ، وأبي حنيفة ، وأبي ثور .

وقد نشأ عن شرط تحقّق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح صيداً لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه ، ثم وجد الصائد بعد ذلك صيداً في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه ؛ فعن مالك : لا يؤكل ، وعن بعض أصحابه : يؤكل . وأمَّا إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد فإنَّه يؤكل لا محالة .

وأحسب أنّ قوله تعالى : { مما أمسكن عليكم } احتراز عن أن يجد أحد صيداً لم يصده هو ، ولا رأى الجارح حين أمسكه ، لأنّ ذلك قد يكون موته على غير المعتاد فلا يكون ذكاة ، وأنَّه لا يحرم على من لم يتصدّ للصيد أن يأكل صيداً رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريباً ، أو ابْتاعه من صائده ، أو استعطاه إيَّاه .

وقوله : { واذكروا اسم الله عليه } أمر بذكر الله على الصيد ، ومعناه أن يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح ، وأمَّا إذا أمسكه حيّاً فقد تعيّن ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذٍ . ولقد أبدع إيجازُ كلمة « عليه » ليشمل الحالتين . وحكمُ نسيان التسمية وتعمّد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف ، والدينُ يسر .

وقد اختلف الفقهاء : في أنّ الصيد رخصة ، أو صفة من صفات الذكاة . فالجمهور ألحقوه بالذكاة ، وهو الراجح ، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المَجوسي . وقال مالك : هو رخصَة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابيّ ولا المجوسي ولا قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } [ المائدة : 94 ] . وهو دليل ضعيف : لأنَّه وارد في غير بيان الصيد ، ولكن في حُرمة الحَرم . وخالفه أشهب ، وابن وهب ، من أصحابه . ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلاّ رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع .

وقوله : { واتَّقوا الله } الآية تذييل عامّ ختمت به آية الصيد ، وهو عامّ المناسبة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

فيه ثماني عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل ، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ، قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية .

الثانية : قوله تعالى : " ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " " ما " في موضع رفع بالابتداء ، والخبر " أحل لهم " و " ذا " زائدة ، وإن شئت كانت بمعنى الذي ، ويكون الخبر " قل أحل لكم الطيبات " وهو الحلال ، وكل حرام فليس بطيب . وقيل : ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة . وقيل : الطيبات الذبائح ؛ لأنها طابت بالتذكية .

الثالثة : قوله تعالى : " وما علمتم " أي وصيد ما علمتم ، ففي الكلام إضمار لا بد منه ، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسؤول عنه متناولا للمعلم من الجوارح المكلبين ، وذلك ليس مذهبا لأحد ، فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلم ، وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في " الأنعام " {[5301]} إن شاء الله تعالى . وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح ، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير ، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل ، وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير ، وكان لعدي كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام ، وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس ، قال السهيلي : وخامس أشك ، قال فيه أخطب ، أو قال فيه وثاب .

الرابعة : أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم ، فينشلي إذا أشلي{[5302]} ويجيب إذ دعي ، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر ، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده ، وأثر فيه بجرح أو تنييب ، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف ، فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف . فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير ، فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب . يقال : جرح فلان واجترح إذا اكتسب ، ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ، ومنه اجتراح السيئات . وقال الأعشى :

ذا جُبَار{[5303]} مُنْضِجًا مِيسَمُه *** يُذْكِرُ الجارح ما كان اجترحْ

وفي التنزيل " ويعلم ما جرحتم بالنهار{[5304]} " [ الأنعام : 60 ] وقال : " أم حسب الذين اجترحوا السيئات{[5305]} " [ الجاثية : 21 ] .

الخامسة : قوله تعالى : " مكلبين " معنى " مكلبين " أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب . وقيل : معناه مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب . قال الرماني : وكلا القولين محتمل . وليس في " مكلبين " دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ؛ لأنه بمنزلة قوله : " مؤمنين " وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة . روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال : وأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال ، وإلا فلا تطعمه . قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال : لا ، إلا أن تدرك ذكاته . وقال الضحاك والسدي : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " هي الكلاب خاصة ، فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي . وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم ، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم : ( الكلب الأسود شيطان ) ، أخرجه مسلم . احتج الجمهور بعموم الآية ، واحتجوا أيضا في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول ، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : ( ما أمسك عليك فكل ) . في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف . وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ، وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المدية والأمة على العبد ، وقد تقدم .

السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا بد للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ؛ لقوله عليه السلام : ( إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ) وهذا يقتضي النية والتسمية ، فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ابن عبدالحكم ، وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقا أشبه بباطل منه ، يعني الصيد ، فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام ؛ لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة . وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال ؛ لقوله : ( وذكرت اسم الله ) فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد ؛ وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث . وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب . وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال : لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو ؛ وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي ، وستأتي هذه المسألة في " الأنعام " {[5306]} إن شاء الله تعالى . ثم لا بد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده . فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث ، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد ، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين ، فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ؛ لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها ، ولا صنع للصائد فيه ، فلا ينسب إرسال إليه ؛ لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) . وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد .

السابعة : قرأ الجمهور " علمتم " بفتح العين واللام . وابن عباس ومحمد بن الحنفية بضم العين وكسر اللام ، أي من أمر الجوارح والصيد بها . والجوارح الكواسب ، وسميت أعضاء الإنسان جوارح ؛ لأنها تكسب وتتصرف . وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم ، فهو مأخوذ من الجراح ، وهذا ضعيف ، وأهل اللغة على خلافه ، وحكاه ابن المنذر عن قوم . و " مكلبين " قراءة الجمهور بفتح الكاف وشد اللام ، والمكلب معلم الكلاب ومضريها{[5307]} . ويقال لمن يعلم غير الكلب : مكلب ؛ لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب ؛ حكاه بعضهم . ويقال للصائد : مكلب فعلى هذا معناه صائدين . وقيل : المكلب صاحب الكلاب ، يقال : كلب فهو مكلب وكلاب . وقرأ الحسن " مكلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ، ومعناه أصحاب كلاب ، يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته ، وأكلب كثرت كلابه ، وأنشد الأصمعي{[5308]} :

وكُلٌّ فَتًى وإنْ أَمْشَى فَأَثْرَى *** سَتُخْلِجُهُ عن الدُّنْيَا مَنُونَ

الثامنة : قوله تعالى : " تعلمونهن مما علمكم الله " أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح ؛ إذ هو جمع جارحة . ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أمر{[5309]} وينزجر إذا زجر ، لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش .

واختلف فيما يصاد به من الطير ، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور . وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت ، فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا ، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت . وقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري ؛ لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي{[5310]} . وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه . وقال الشافعي : المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى ، وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه ، ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ، فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف : صار معلما فهو المعلم . وعن الشافعي أيضا والكوفيين : إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة . ومن العلماء من قال : يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة . ومنهم من قال : إذا فعل ذلك{[5311]} مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية .

التاسعة : قوله تعالى : " فكلوا مما أمسكن عليكم " أي حبسن لكم . واختلف العلماء في تأويله ؛ فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه : المعنى ولم يأكل ، فإن أكل لم يؤكل ما بقي ؛ لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه . والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه . وقال سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا : المعنى وإن أكل ، فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة ، وهذا قول مالك وجميع أصحابه ، وهو القول الثاني للشافعي ، وهو القياس . وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما : حديث عدي في الكلب المعلم ( وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ) أخرجه مسلم . الثاني : حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب : ( إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك ) أخرجه أبو داود ، وروي عن عدي ولا يصح ؛ والصحيح عنه حديث مسلم ، ولما تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع ، وحديث الإباحة على الجواز ، وقالوا : إن عديا كان موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعا ، وأبا ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز . والله أعلم . وقد دل على صحة هذا التأويل قول عليه الصلاة والسلام في حديث عدي : ( فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ) هذا تأويل علمائنا . وقال أبو عمر في كتاب " الاستذكار " : وقد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة ، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له ، فقوله : وإن أكل يا رسول الله ؟ قال : ( وإن أكل ) . قلت : هذا فيه نظر ؛ لأن التاريخ مجهول ، والجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ ، والله أعلم . وأما أصحاب الشافعي فقالوا : إن كان الأكل عن فرط جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل ؛ فإن ذلك من سوء تعليمه . وقد روي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه ، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه ، قاله النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان ، وحكي عن ابن عباس وقالوا : الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره ، والطير لا يمكن ذلك فيه ، وحد تعليمه أن يدعى فيجيب ، وأن يشلى فينشلي ، لا يمكن فيه أكثر من ذلك ، والضرب يؤذيه .

العاشرة : والجمهور من العلماء عل أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل ، قال عطاء : ليس شرب الدم بأكل ، وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري ، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح له لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه ، ومع الشك لا يجوز الأكل ، وهي :

الحادية عشرة : فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر ، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه ، ولا يختلف في هذا ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل - في رواية - فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ) . فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين فيه . فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله ، وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي : ( وإن رميت بسهمك فأذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك ) . وهذا نص .

الثانية عشرة : لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم يؤكل ؛ لأنه مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كالة فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه . ولو أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل ، وكان مقصرا في الذكاة ؛ لأنه قد صار مقدورا على ذبحه ، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه . ولو أخذه ثم مات قبل أن يخرج السكين ، أو تناولها وهي معه جاز أكله ، ولو لم تكن السكين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل . وقال الشافعي : فيما نالته الجوارح ولم تدمه قولان أحدهما : إلا يؤكل حتى يجرح ؛ لقوله تعالى : " من الجوارح " وهو قول ابن القاسم ؛ والآخر : أنه حر وهو قول أشهب ، قال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل .

الثالثة عشرة : قوله : ( فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ) ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود ، غير أنه زاد ( فكله بعد ثلاث ما لم ينتن ) يعارضه قوله عليه السلام : ( كل ما أصميت ودع ما أنميت ) . فالإصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه ، والإنماء أن ترمي الصيد فيغيب ، عنك فيموت وأنت لا تراه ، يقال : قد أنميت الرمية فنمت تنمي إذا غابت ثم ماتت ، قال امرؤ القيس :

فهو لا تنمِي رمِيَّتُه *** ماله لا عُدَّ من نفَرِهْ

وقد اختلف العلماء في أكل الصيد الغائب على ثلاثة أقوال : يؤكل ، وسواء قتله السهم أو الكلب . الثاني : لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب ؛ لقوله : ( كل ما أصميت ودع ما أنميت ) . وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام . الثالث : الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل ، ووجهه أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل ، والجارح على جهات متعددة فيشكل ، والثلاثة الأقوال لعلمائنا .

وقال مالك في غير الموطأ : إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم يأكله ، قال أبو عمر : فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات ، إلا أنه يكرهه إذا بات ؛ لما جاء عن ابن عباس : " وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل " ونحوه عن الثوري قال : إذا غاب عنك يوما كرهت أكله . وقال الشافعي : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه . وقال الأوزاعي : إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله ، ونحوه قال أشهب وعبدالملك وأصبغ ، قالوا : جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله ، وقوله في الحديث : ( ما لم ينتن ) تعليل ؛ لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها ، فلو أكلها لجاز ، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة{[5312]} السنخة وهي المنتنة . وقيل : هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله ، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا ، والله أعلم .

الرابعة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي والنصراني إذا كان معلما ، فكرهه الحسن البصري ، وأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبدالله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق ، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما . قالوا : وذلك مثل شفرته . وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك ، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته ، وتلا : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم{[5313]} " [ المائدة : 94 ] ، قال : فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى . وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته ، وفي كتاب محمد : لا يجوز صيد الصابئ ولا ذبحه ، وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم . وأما إن كان الصائد مجوسا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس . وقال أبو ثور فيها قولان : أحدهما : كقول هؤلاء ، والآخر : أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز . ولو اصطاد السكران أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته ؛ لأن الذكاة تحتاج إلى قصد ، والسكران لا قصد له .

الخامسة عشرة : واختلف النحاة في " من " في قوله تعالى : " مما أمسكن عليكم " فقال الأخفش : هي زائدة كقوله : " كلوا من ثمره{[5314]} " [ الأنعام : 141 ] . وخطأه البصريون وقالوا : " من " لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام ، وقوله : " من ثمره " ، " يكفر عنكم من سيئاتكم{[5315]} " [ البقرة : 271 ] و " يغفر لكم من ذنوبكم{[5316]} " [ الأحقاف : 31 ] للتبعيض ، أجاب فقال : قد قال : " يغفر لكم من ذنوبكم " [ نوح : 4 ] بإسقاط " من " فدل على زيادتها في الإيجاب ، أجيب بأن " من " ههنا للتبعيض ؛ لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون الفرث والدم .

قلت : هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكر على ما قال . ويحتمل أن يريد " مما أمسكن " أي مما أبقته الجوارح لكم ، وهذا على قول من قال : لو أكل الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل الجارح منه على ما تقدم .

السادسة عشرة : ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد ، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية ، وقد كان أول الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية{[5317]} من البادية يتبعها ، روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ) . وروي أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ) . قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة ، كان صاحب زرع ، فقد دلت السنة على ما ذكرنا ، وجعل النقص من أجر من أقتناها على غير ذلك من المنفعة ، إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه - كما قال بعض شعراء البصرة ، وقد نزل بعمار فسمع لكلابه نباحا فأنشأ يقول :

نزلنا بِعَمَّارٍ{[5318]} فأشْلَى كلابَهُ *** علينا فكدنا بين بيتيه نُؤْكَلُ

فقلت لأصحابي أسِرُّ إليهم *** أَذَا اليوم أم يوم القيامة أطولُ ؟

أو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته على ما يراه الشافعي ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ، والله أعلم . وقال في إحدى الروايتين : ( قيراطان ) وفي الأخرى ( قيراط ) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ، كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله ، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال : ( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان ) أخرجه مسلم . ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان ، وبغيرهما قيراط ، والله أعلم . وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر ، ويجوز بيعه وشراؤه ، حتى قال سحنون : ويحج بثمنه . وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق . وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السراق . وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية .

السابعة عشرة : وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ؛ لأن الكلب إذا علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب ، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس ، لا سيما إذا عمل بما علم ، وهذا كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه .

الثامنة عشرة : قوله تعالى : " واذكروا اسم الله عليه " أمر بالتسمية ؛ قيل : عند الإرسال على الصيد ، وفقه الصيد والذبح في معنى{[5319]} التسمية واحد ، يأتي بيانه في " الأنعام " {[5320]} . وقيل : المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل ، وهو الأظهر . وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ) . وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان ليستحل الطعام إلا يذكر اسم الله عليه ) الحديث . فإن نسي التسمية أول الأكل فليسم آخره ، وروى النسائي عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم الله ، فلما كان في آخر لقمة قال : بسم الله أوله وآخره ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله ) .

التاسعة عشرة : قوله تعالى : " واتقوا الله " أمر بالتقوى على الجملة ، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر . وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ، فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب ؛ ولهذا قال : " وكفى بنا حاسبين{[5321]} " [ الأنبياء : 47 ] فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة . ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال : إن حساب الله لكم سريع إتيانه ؛ إذ يوم القيامة قريب ، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة ؛ فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله .


[5301]:راجع ج 7 ص 115.
[5302]:أشليت الكلب على الصيد دعوته فأرسلته، وقيل: أغريته.
[5303]:الجبار: الهدر. الميسم: اسم لأثر الوسم وهو الكي، والمعنى: أن من أهجوه يبقى هجوي له ظاهرا ولا يستطيع رفعه. والشطر الأول في الأصول (ذات جد منضج ميسمها)، والتصويب عن (الصبح المنير في شعر أبي بصير).
[5304]:راجع ج 7 ص 5.
[5305]:راجع ج 16 ص 165.
[5306]:راجع ج 7 ص 75.
[5307]:ولعها بالصيد.
[5308]:البيت للنابغة . تخلجه تنتزعه.
[5309]:في ك: إذا أرسل.
[5310]:يغري.
[5311]:من ج و ك.
[5312]:روى أن خياطا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقدم إليه إهالة سنخة وخبز شعير. الإهالة: الدسم ما كان، والسنخة المتغيرة الريح.
[5313]:راجع ص 299 من هذا الجزء.
[5314]:راجع ج 7 ص 99.
[5315]:راجع ج 3 ص 332.
[5316]:راجع ج 18 ص 299 وص 86.
[5317]:المرية: هي مصغر المرأة، والأصل المريئة.
[5318]:البيت لزيادة الأعجم، وعمار اسم شخص، وروي في (اللسان): أتينا أبا عمرو... الخ.
[5319]:من ج و ك و ز.
[5320]:راجع ج 7 ص 75.
[5321]:راجع ج 11 ص 293.