التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

{ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } .

يجيء في التقييد ( باليوم ) هنا ما جاء في قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } [ المائدة : 3 ] وقولِه : { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] ، عدا وجه تقييد حصول الفعل حقيقة بذلك اليوم ، فلا يجيء هنا ، لأنّ إحلال الطيّبات أمر سابق إذ لم يكن شيء منها محرّماً ، ولكن ذلك اليوم كان يوم الإعلام به بصفة كليّة ، فيكون كقوله : { ورَضيت لكم الإسلام ديناً } [ المائدة : 3 ] في تعلّق قوله : { اليوم } به ، كما تقدّم .

ومناسبة ذكر ذلك عقب قوله { اليوم يئسَ } [ المائدة : 3 ] و { اليوم أكملت } [ المائدة : 3 ] أنّ هذا أيضاً منّة كبرى لأنّ إلقاء الأحكام بصفة كلّيّة نعمة في التفقّه في الدين .

والكلام على الطيّبات تقدّم آنفاً ، فأعيدَ ليُبنى عليه قوله : { وطعام الذين أتوا الكتاب } . وعطفُ جملة { وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم } على جملة { اليومَ أحلّ لكم الطيّبات } لأجل ما في هذه الرخصة من المنّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم .

والطعام في كلام العرب ما يطعَمه المرء ويأكله ، وإضافته إلى أهل الكتاب للملابسة ، أي ما يعالجه أهل الكتاب بطبخ أو ذبح . قال ابن عطية : الطعام الذي لا محاولة فيه كالبُرّ والفاكهة ونحوهما لا يغيّره تملّك أحد له ، والطعام الذي تقَع فيه محاولة صنعته لا تعلّق للدين بها كخَبز الدقيق وعصر الزيت . فهذا إن تُجنِّبَ من الذميّ فعلى جهة التقذّر . والتذكية هي المحتاجة إلى الدّين والنية ، فلمَّا كان القياس أن لا تجوز ذبائحهم رخص الله فيها على هذه الأمّة وأخرجها عن القياس . وأراد بالقياس قياس أحوال ذبائحهم على أحوالهم المخالفة لأحوالنا ، ولهذا قال كثير من العلماء : أراد الله هنا بالطعام الذبائح ، مع اتّفاقهم على أنّ غيرها من الطعام مباح ، ولكن هؤلاء قالوا : إنّ غير الذبائح ليس مراداً ، أي لأنّه ليس موضع تردّد في إباحة أكله . والأولى حمل الآية على عمومها فتشمل كلّ طعام قد يظن أنَّه محرّم علينا إذ تدخله صنعتهم ، وهم لا يتَوَقَّوْنَ ما نتوقّى ، وتدخله ذكاتهم وهم لا يشترطون فيها ما نشترطه . ودخل في طعامهم صيدهم على الأرجح .

و { الذين أوتوا الكتاب } : هم أتباع التوراة والإنجيل ، سواء كانوا ممّن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتّباع الدين ، أم كانوا ممّن اتّبعوا الدينيين اختياراً ؛ فإنّ موسى وعيسى ودعَوا بني إسرائيل خاصّة ، وقد تهوّد من العرب أهل اليمن ، وتنصّر من العرب تغلب ، وبهراء ، وكلب ، ولخم ، ونَجران ، وبعض ربيعة وغسّان ، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليّا بن أبي طالب فإنه قال : لا تحلّ ذبائح نصارى تغلب ، وقال : إنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر .

وقال القرطبي : هذا قول الشافعي ، وروى الربيع عن الشافعي : لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب . وعن الشافعي : من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمّدية فهو من أهل الكتاب ، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلاّ الإسلام ، ولا تقبل منه الجزية ، أي كالمشركين .

وأمَّا المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع ، فلا تؤكل ذبائحهم ، وشذّ من جعلهم أهل كتاب . وأمَّا المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف .

وحِكمة الرخصة في أهل الكتاب : لأنّهم على دين إلهي يُحرّم الخبَائث ، ويتقي النجاسة ، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متّبعة لا تظنّ بهم مخالفتها ، وهي مستندة للوحي الإلهي ، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان . وأمّا المجوس فلهم كتاب لكنّه ليس بالإلهي ، فمنهم أتباع ( زَرَادشْت ) ، لهم كتابُ ( الزندفستا ) وهؤلاء هم محلّ الخلاف . وأمّا المجوس ( المَانَويَّة ) فهم إباحية فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان ، أو هم شرّ منهم . وقد قال مالك : ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتّقون النجاسة . وفي « جامع الترمذي » : أنّ أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس . فقال له : " أنْقُوها غسلاً واطبخوا فيها " وفي البخاري : أنّ أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنِيَة أهل الكتاب . فقال له : " إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها " قال ابن العربي : « فغسل آنية المجوس فرض ، وغسل آنية أهل الكتاب ندب » . يُريد لأنّ الله أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم حالهم ، وإنَّما يسري الشكّ إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه ، ولم يبح لنا طعام المجوس ، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين .

ثم الطعامُ الشامل للذكاة إنّما يعتبر طعاماً لهم إذاكانوا يستحلّونه في دينهم ، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم ، ولو كان ممّا ذكر القرآنُ أنَّه حرّمه عليهم ، لأنَّهم قد تأوّلوا في دينهم تأويلات ، وهذا قول مالك . وأرى أنّ دليله : أنّ الآية عمّمت طعامهم فكان عمومها دليلاً للمسلمين ، ولا التفات إلى ما حكَى الله أنّه حرّمه عليهم ثم أباحه للمسلمين ، فكان عموم طعامهم في شرعنا مُباحاً ناسخاً للمحرّم عليهم ، ولا نصِيرُ إلى الاحتجاج « بشرع من قبلنا . . . » إلاّ إذا لم يكن لنا دليل على حُكمهِ في شرعنا . وقيل : لا يؤكل ما علِمْنا تحريمه عليهم بنصّ القرآن ، وهو قول بعض أهل العلم ، وقيل به في مذهب مالك ، والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم ؛ لأنّ الله ذكر أنه حرّم عليهم الشحوم .

ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرّمه الله علينا بعينه : كالخنزير والدم ، ولا ما حرّمه علينا بوصفه ، الذي ليس بذكاة : كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وأكيلة السبع ، إذا كانوا هم يستحلّون ذلك ، فأمَّا ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفةَ تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محلّ نظر كالمضروبة بمحدّد على رأسها فتموت ، والمفتولة العنق فتتمزّق العروق ، فقال جمهور العلماء : لا يؤكل .

وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية : تؤكل . وقال في « الأحكام » : فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطْم الرأس فالجواب : أنّ هذه ميتة ، وهي حرام بالنصّ ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحْن ، كالخنزير فإنّه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا يريد إباحته عند النصارى ثم قال : ولقد سُئِلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها ؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه ، فقلت : تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه ، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً وكلّ ما يرونه في دينهم فإنّه حلال لنا في ديننا » . وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي ، وإنّما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم ، والأوداج ولو بالخنق ، وبين نحو الخنق لحبس النفَس ، ورَضّ الرأس وقول ابن العربي شذوذ .

وقوله : { وطعامكم حلّ لهم } لم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة بذكر { وطعامكم حلّ لهم } . والذي أراه أنّ الله تعالى نبّهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم ، فأباح لنا طعامهم ، وأباح لنا أن نُطعمهم طعَامنا ، فعُلم من هذين الحكمين أنّ علّة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم ، وذلك أيضاً تمهيد لقوله بعد : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } لأنّ ذلك يقتضي شدّة المخالطة معهم لتزوّج نسائهم والمصَاهرة معهم .

{ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } .

عُطف { والمحصنات من المؤمنات } على { وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم } عطفَ المفرد على المفرد . ولم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة لذكر حِلّ المحصنات من المؤمناتتِ في أثناء إباحة طعام أهل الكتاب ، وإباحةِ تزوّج نسائهم . وعندي : أنّه إيماء إلى أنَّهنّ أولى بالمؤمنين من محصنات أهل الكتاب ، والمقصودُ هو حكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فإنّ هذه الآية جاءت لإباجة التزوّج بالكتابيات . فقوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } عطف على { وطعام الذين أوتُوا الكتاب حلّ لكم } . فالتقدير : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حِلّ لكم .

والمُحصنات : النسوة الّلاءِ أحْصَنَهُنّ ما أحْصَنَهُنّ ، أي منعهنّ عن الخنا أو عن الريب ، فأطلق الإحصان : على المعصومات بعصمة الأزواج كما في قوله تعالى في سورة النساء ( 24 ) عطفاً على المحرّمات { المحصنات من النساء } ؛ وعلى المسلمات لأنّ الإسلام وَزَعَهن عن الخنا ، قال الشاعر :

ويصدّهن عن الخنا الإسلام

وأطلق على الحرائر ، لأنّ الحرائر يترفّعن عن الخنا من عهد الجاهلية . ولا يصلح من هذه المعاني هنا الأوّل ، إذ لا يحلّ تزوّج ذات الزوج ، ولا الثاني لقوله : { من المؤمنات } الذي هو ظاهر في أنّهنّ بعض المؤمنات فتعيّن معنى الحرية ، ففسّرها مالك بالحرائر ، ولذلك منع نكاح الحرّ الأمةَ إلاّ إذا خشي العنت ولم يجد للحرائر طَوْلا ، وجوّز ذلك للعبد ، وكأنّه جعل الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء ( 25 ) { ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات } وهو تفسير بيِّن ملتئم . وأصل ذلك لعمر بن الخطاب ومجاهد . ومن العلماء من فسّر المحصنات هنا بالعفائف ، ونقل عن الشعبي وغيره ، فمنعوا تزوّج غير العفيفة من النساء لرقّة دينها وسوء خلقها .

وكذلك القول في تفسير قوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } أي الحرائر عند مالك ، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقاً للحرّ والعبد . والذين فسّروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك .

وشمل أهلُ الكتاب : الذمّييّن ، والمعاهدين ، وأهل الحرب ، وهو ظاهر ، إلاّ أنّ مالكاً كره نكاح النساء الحربيّات ، وعن ابن عبّاس : تخصيص الآية بغير نساء أهل الحرب ، فمنع نكاح الحربيات . ولم يذكروا دليله .

والأجور : المهور ، وسمَّيت هنا ( أجوراً ) مجازاً في معنى الأعْواض عن المنافع الحاصلة من آثار عُقدة النكاح ، على وجه الاستعارة أوْ المجاز المرسل . والمَهْر شِعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة . ولو كانت المهور أجوراً حقيقة لوجب تحْديد مدّة الانتفاع ومقدارِه وذلك مِمَّا تنزّه عنه عقدة النكاح .

والقول في قوله : { محصنات غير مسافحين ولا متخذي أخدان } كالقول في نظيره { محصنات غير مسافحات } [ النساء : 25 ] تقدّم في هذه السورة .

وجملة { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } معترضة بين الجمل . والمقصود التنبيه على أنّ إباحة تزوّج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم ، ولكن ذلك تيسير على المسلمين . وقد ذُكر في سبب نزولها أنّ نساء أهل الكتاب قلن « لولا أنّ الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا » . والمرادُ بالإيمان الإيمانُ المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لُقّبوا بالمؤمنين ، فالكفر هنا الكفر بالرسل ، أي : ينكر الإيمان ، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان من المعتقدات ، إذ الإيمان صار لَقباً لمجموع ما يجب التصديق به .

والحبْط بسكون الموحّدة والحُبوط : فساد شيء كان صالحاً ، ومنه سمّي الحَبَط بفتحتين مرض يصيب الإبل من جرّاء أكل الخَضِر في أوّل الربيع فتنتفخ أمعاؤها وربما ماتت . وفعل ( حَبِط ) يؤذن بأنّ الحابط كان صالحاً فانقلب إلى فساد . والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان ، وهو أشدّ الفساد ، فدلّ فعل ( حبِط ) على أنّ الأعمال صالحة ، وحُذف الوصف لدلالة الفعل عليه . وهذا تشبيه لضياع الأعمال الصالحة بفَساد الذواتِ النافعة ، ووجه الشبه عدم انتفاع مكتسبها منها . والمراد ضياع ثوابها وما يترقّبه العامل من الجزاء عليها والفوْز بها .

والمراد التحذير من الارتداد عن الإيمان ، والترغيبُ في الدخول فيه كذلك ، ليعلم أهل الكتاب أنّهم لا تنفعهم قرباتهم وأعمالهم ، ويعلم المشركون ذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

فيه عشر مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " اليوم أحل لكم الطيبات " ، أي " اليوم أكملت لكم دينكم " و " اليوم أحل لكم الطيبات " فأعاد تأكيدا أي أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ، وكانت الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية ، فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا : ماذا أحل لنا ؟ . وقيل : أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال : هذه أيام فلان ، أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام ، فقد أكملت بهذا دينكم ، وأحللت لكم الطيبات . وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا .

الثانية : قوله تعالى : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " ابتداء وخبر . والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه ، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل . وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب ، قال ابن عباس : قال الله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه{[5322]} " [ الأنعام : 121 ] ، ثم استثنى فقال : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " يعني ذبيحة اليهودي والنصراني ، وإن كان النصراني يقول عند الذبح : باسم المسيح واليهودي يقول : باسم عزير ، وذلك لأنهم يذبحون على الملة . وقال عطاء : كل من ذبيحة النصراني وإن قال باسم المسيح ؛ لأن الله جل وعز قد أباح ذبائحهم ، وقد علم ما يقولون . وقال القاسم بن مخيمرة : كل من ذبيحته وإن قال باسم سرجس{[5323]} - اسم كنيسة لهم - وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول ، وروي عن صحابيين : عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت . وقالت طائفة : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم الله عز وجل فلا تأكل ، وقال بهذا من الصحابة علي وعائشة وابن عمر ؛ وهو قول طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " [ الأنعام : 121 ] . وقال مالك : أكره ذلك ، ولم يحرمه .

قلت : العجب من الكيا الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب ، ثم أخذ يستدل بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال : ولا شك أنهم لا يسمون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير ، ولو سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة ، وإنما كان على طريق آخر ، واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل ، ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة ، إذا لم تتصور منه العبادة ، ولأن النصراني إنما يذبح على اسم المسيح ، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا ، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي ، وسيأتي ما في هذا للعلماء في " الأنعام{[5324]} " إن شاء الله تعالى .

الثالثة : ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبر جائز أكله ؛ إذ لا يضر فيه تملك أحد . والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين : أحدهما : ما فيه محاولة صنعة لا تعلق للدين بها ؛ كخبز الدقيق ، وعصر الزيت ونحوه ، فهذا إن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز . والضرب الثاني : هي التذكية التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدين والنية ؛ فلما كان القياس إلا تجوز ذبائحهم - كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة - رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة ، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن عباس ، والله أعلم .

الرابعة : واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم أولا ؟ على قولين . فالجمهور على أنها عاملة في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه ، لأنه مذكى . وقالت جماعة من أهل العلم : إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم ؛ لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم ؛ فمنعت هذه الطائفة الطريف{[5325]} ، والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب ، وقصرت لفظ الطعام على البعض ، وحملته الأولى على العموم في جميع ما يؤكل . وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك . قال أبو عمر : وكره مالك شحوم اليهود وأكل ما نحروا من الإبل ، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا ، وسيأتي هذا في " الأنعام " {[5326]} إن شاء الله تعالى ، وكان مالك رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم ، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون فيها ما يذبحون ، وهذا منه رحمه الله تنزه .

الخامسة : وأما المجوس فالعلماء مجمعون - إلا من شذ منهم - على أن ذبائحهم لا تؤكل ، ولا يتزوج منهم ؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء . ولا بأس يأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة ، إلا الجبن ؛ لما فيه من إنفحة{[5327]} الميتة . فإن كان أبو الصبي مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك ، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته .

السادسة : وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب ؛ لأنهم عرب ، ويقول : إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر ، وهو قول الشافعي . وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم .

وقال جمهور الأمة : إن ذبيحة كل نصراني حلال ، سواء كان من بني تغلب أو غيرهم ، وكذلك اليهودي . واحتج ابن عباس بقوله تعالى : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم{[5328]} " [ المائدة : 51 ] ، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم .

السابعة : ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم ، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى ؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات ، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست ، وربما سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار ، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية ، فاقتضى الورع الكف عنها . وروي عن ابن عباس أنه قال : إن كان الإناء من نحاس أو حديد غسل ، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك ، فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل ؛ لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حق{[5329]} نصرانية ، وهو صحيح وسيأتي في " الفرقان{[5330]} " بكماله . وفي صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد ، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم ، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم ، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ؟ قال : ( أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم ، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ) ثم ذكر الحديث .

الثامنة : قوله تعالى : " وطعامكم حل لهم " دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا ، أي إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم .

التاسعة : قوله تعالى : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " الآية . قد تقدم معناها في " البقرة " {[5331]} و " النساء " {[5332]} والحمد لله . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " . هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا . وقال غيره : يجوز نكاح الذمية والحربية لعموم الآية . وروي عن ابن عباس أنه قال : " المحصنات " العفيفات العاقلات . وقال الشعبي : هو أن تحصن فرجها فلا تزني ، وتغتسل من الجنابة . وقرأ الشعبي " والمحصنات " بكسر الصاد ، وبه قرأ الكسائي . وقال مجاهد : " المحصنات " الحرائر ، قال أبو عبيد : يذهب إلى أنه لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ؛ لقوله تعالى : " فمن ما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات{[5333]} " [ النساء : 25 ] وهذا القول الذي عليه جلة العلماء .

العاشرة : قوله تعالى : " ومن يكفر بالإيمان " قيل : لما قال تعالى : " المحصنات من الذين أوتوا الكتاب " قال نساء أهل الكتاب : لولا أن الله تعالى رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا ، فنزلت " ومن يكفر الإيمان " أي بما أنزل على محمد . وقال أبو الهيثم : الباء صلة ، أي ومن يكفر الإيمان أي يجحده " فقد حبط عمله " وقرأ ابن السميقع " فقد حبط " بفتح الباء . وقيل : لما ذكرت فرائض وأحكام يلزم القيام بها ، ذكر الوعيد على مخالفتها ؛ لما في ذلك من تأكيد الزجر عن تضييعها . وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى : ومن يكفر بالله . قال الحسن بن الفضل : إن صحت هذه الرواية فمعناها برب الإيمان . وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا خلافا للحشوية والسالمية ؛ لأن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا ، واسم الفاعل منه مؤمن ، والإيمان التصديق ، والتصديق لا يكون إلا كلاما ، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاما{[5334]} .


[5322]:راجع ج 7 ص 74.
[5323]:ولعل الصواب: جرجس.
[5324]:ج 7 ص 75.
[5325]:كلمة عبرية في الخرشي على (مختصر خليل) "الطريفة": هي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة أي ملتصقة بظهر الحيوان، وإنما كانت الطريفة عندهم محرمة؛ لأن ذلك علامة على أنها لا تعيش من ذلك فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، بمنزلة منفوذة المقاتل عندنا.
[5326]:ج 7 ص 124.
[5327]:الإنفحة (بكسر الهمزة وفتح الفاء): كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، يستخرج منه شيء لونه أصفر يوضع على اللبن فيتجبن.
[5328]:راجع ص 216 من هذا الجزء.
[5329]:الحق والحقة (بالضم) : وعاء من خشب أو عاج.
[5330]:راجع ج 13 ص 44.
[5331]:راجع ج 3 ص 69 وما بعدها.
[5332]:راجع ج 5 ص 120.
[5333]:راجع ج 5 ص 120.
[5334]:في نسخة ز ما نصه: [وجد في ورقة بخط المصنف من ههنا إلى آخر الصفحة: قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله". العلماء أي أجر عمله وثوابه لأن الكفر، وإن وقع والعياذ بالله منه وأحبط ما تقدم من إيمانه ينقلب الموجود منه معدوما من أصله وإنما يحبط أجره ويبطل ثوابه وفي إجماع المسلمين على إثبات الردة ما دل على ثبوت الإيمان قبله فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على الإيمان قطعه من حيث وجد إلى أن مضى. حبط أجره لا أن عينه تحبط فيصير كأن لم يكن وينقلب الموجود منه حقيقة معدوما وهذا واضح والله أعلم].