هذه الآية بيان لما عرض من إجمال في فهم الآية التي قبلها ، إذ ظنّ بعض المسلمين أنّ شرب الخمر قبل نزول هذه الآية قد تلبّس بإثم لأنّ الله وصف الخمر وما ذكر معها بأنّها رجس من عمل الشيطان . فقد كان سببُ نزول هذه الآية ما في « الصحيحين » وغيرهما عن أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وابن عبّاس ، أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيفَ بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمرَ أوْ قال وهي في بطونهم وأكلوا الميسر . فأنزل الله : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية . وفي تفسير الفخر روى أبو بكر الأصمّ أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القِمار ، وكيف بالغائبين عنّا في البلدان لا يشعرون أنّ الله حرّم الخمر وهم يَطعَمُونها . فأنزل الله هذه الآيات .
وقد يَلُوح ببادىء الرأي أنّ حال الذين تُوُفُّوا قبل تحريم الخمر ليس حقيقاً بأن يَسأل عنه الصحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم بأنّ الله لا يؤاخذ أحداً بعمل لم يكن محرّماً من قبل فعله ، وأنّه لا يؤاخذ أحداً على ارتكابه إلاّ بعد أن يعلم بالتحريم ، فالجواب أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا شديدي الحذر ممّا ينقص الثواب حريصين على كمال الاستقامة فلمّا نزل في الخمر والميسر أنّهما رجس من عمل الشيطان خَشُوا أن يكون للشيطان حظّ في الذين شربوا الخمر وأكلوا اللحم بالميسر وتُوفُّوا قبل الإقلاع عن ذلك أوْ ماتوا والخمر في بطونهم مخالطة أجسادهم ، فلم يتمالكوا أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم لشدّة إشفاقهم على إخوانهم . كما سأل عبد الله بن أمّ مكتوم لمّا نزل قوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } [ النساء : 95 ] فقال : يا رسول الله ، فكيف وأنا أعمَى لا أبصر فأنزل الله { غيرَ أولِي الضّرر } [ النساء : 143 ] . وكذلك ما وقع لمّا غُيّرت القبلة من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قال ناس : فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس ، فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليُضيع إيمانكم } [ البقرة : 143 ] ، أي صلاتَكم فكان القصد من السؤال التثبّت في التفقّه وأن لا يتجاوزُوا التلقّي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم .
ونفيُ الجناح نفي الإثم والعصيان . و ( مَا ) موصولة . و { طَعموا } صلة . وعائد الصلة محذوف . وليست ( ما ) مصدرية لأنّ المقصود العفو عن شيء طعموهُ معلوممٍ من السؤال ، فتعليق ظرفية ما طعموا بالجُناح هو على تقدير : في طَعْم ما طعموه .
وأصل معنى { طَعِموا } أنّه بمعنى أكلوا ، قال تعالى : { فإذا طعِمتم فانتشروا } [ الأحزاب : 259 ] . وحقيقة الطعم الأكل والشيء المأكول طَعام . وليس الشراب من الطعام بل هو غيره ، ولذلك عُطف في قوله تعالى { فانظُر إلى طعامك وشَرابك لم يَتَسَنَّهْ } [ البقرة : 259 ] . ويدلّ لذلك استثناء المأكولات منه في قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً أهلّ لغير الله به } [ الأنعام : 145 ] . ويقال : طَعِم بمعنى أذَاق ومصدره الطُّعْم بضمّ الطاء اعتبروه مشتَقّاً من الطَّعْم الذي هو حاسّة الذوق . وتقدّم قوله تعالى { ومن لم يطْعَمه فإنّه منّي } [ البقرة : 249 ] ، أي ومن لم يذقه ، بقرينة قوله { فمن شرب منه } [ البقرة : 249 ] . ويقال : وجَدت في الماء طعْم التراب . ويقال تغيّر طعم الماء ، أي أسِنَ . فمن فصاحة القرآن إيراد فعل { طَعِمُوا } هنا لأنّ المراد نفي التَّبِعَة عمَّن شربوا الخمر وأكلوا لحم المَيْسر قبل نزول آية تحريمهما . واستعمل اللفظ في معنييه ، أي في حقيقته ومجازه ، أو هو من أسلوب التغليب .
وإذ قد عبّر بصيغة المضي في قوله { طعموا } تعيّن أن يكون { إذا } ظرفاً للماضي ، وذلك على أصحّ القولين للنحاة ، وإن كان المشهور أنّ ( إذا ) ظرف للمستقبل ، والحقّ أنّ ( إذا ) تقع ظرفاً للماضي . وهو الذي اختاره ابن مالك ودرج عليه ابن هشام في « مغني اللبيب » . وشاهده قوله تعالى : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } [ التوبة : 92 ] ، وقوله : { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها } [ الجمعة : 11 ] ، وآيات كثيرة . فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتّقوا ، ويؤوّل معنى الكلام : ليس عليهم جناح لأنّهم آمنوا واتّقوا فيما كان محرّماً يومئذٍ وما تناولوا الخمر وأكلوا الميسر إلاّ قبل تحريمهما .
هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسّرين جارياً على ما ورد في من سبّب نزولها في الأحاديث الصحيحة .
ومن المفسّرين من جعل معنى الآية غير متّصل بآية تحريم الخمر والميسر . وأحسب أنّهم لم يلاحظوا ما روي في سبب نزولها لأنّهم رأوا أنّ سبب نزولها لا يقصرها على قضيَّة السبب بل يُعمل بعموم لفظها على ما هو الحقّ في أنّ عموم اللفظ لا يخصّص بخصوص السبب ، فقالوا : رَفَع الله الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذّات المطاعم وحلالها ، إذا ما اتّقوا ما حَرّم الله عليهم ، أي ليس من البرّ حرمانُ النفس بتحريم الطيّبات بل البرّ هو التقوى ، فيكون من قبيل قوله تعالى : { وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتّقى } [ البقرة : 189 ] . وفَسَّر به في « الكشاف » مبتدئاً به . وعلى هذا الوجه يكون معنى الآية متّصلاً بآية : { يأيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم } ، فتكون استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ما تقدّم من النهي عن أن يحرّموا على أنفسهم طيّباتِ ما أحلّ الله لهم بنذرٍ أو يمينٍ على الامتناع .
وادّعى بعضهم أنّ هذه الآية نزلت في القوم الذين حَرّموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهّب . ومنهم عثمان بن مظعون ، ولم يصحّ أنّ هذا سبب نزولها . وعلى هذا التفسير يكون { طعِموا } مستعملاً في المعنى المشهور وهو الأكل ، وتكون كلمة ( إذا ) مستعملة في المستقبل ، وفعل { طعِموا } من التعْبير عن المستقبل بلفظ الماضي بقرينة كلمة ( إذا ) ، كما في قوله تعالى : { ثمّ إذَا دَعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } [ الروم : 25 ] .
ويعكّر على هذا التفسير أنّ الذين حرّموا الطيّبات على أنفسهم لم ينحصر تحريمهم في المطعوم والشراب بل يشمل اللباس والنساء ، اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الكلام جرى على مراعاة الغالب في التحريم .
وقال الفخر : زعم بعض الجهّال أنّ الله تعالى لمّا جعل الخمر محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادّة عن ذكر الله وعن الصلاة بيّن في هذه الآية أنّه لا جناح على من طعِمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل حصل معه الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق ، ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنّه لو كان ذلك لقال ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر في آية تحويل القبلة ، فقال { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [ البقرة : 143 ] ولا شكّ أنّ ( إذا ) للمستقبل لا للماضي . قال الفخر : وهذا القول مردود بإجماع كلّ الأمّة . وأمّا قولهم ( إذا ) للمستقبل ، فجوابه أنّ الحلّ للمستقبل عن وقت نزول الآية في حقّ الغائبين .
والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، ولذلك فعطْف { وعملوا الصالحات } على { اتَّقَوْا } من عطل الخاصّ على العامّ ، للاهتمام به ، كقوله تعالى : { مَن كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل } ، ولأنّ اجتناب المنهيات أسبق تبادرا إلى الأفهام في لفظ التقوى لأنّها مشتقّة من التوقّي والكفّ .
وأمّا عطف { وآمَنُوا } على { اتّقوا } فهو اعتراض للإشارة إلى أنّ الإيمان هو أصل التقوى ، كقوله تعالى { فَكّ رقبةٍ أو أطعام } إلى قوله ثُمّ كان من الذين آمنوا . والمقصود من هذا الظرف الذي هو كالشرط مجردّ التنويه بالتقوى والإيمانِ والعملِ الصالح ، وليس المقصود أنّ نفي الجناح عنهم قيَّد بأن يتّقوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات ، للعلم بأنّ لكلّ عمل أثراً على فِعْله أو على تركه ، وإذ قد كانوا مؤمنين من قبلُ ، وكان الإيمان عَقداً عقلياً لا يقبَل التجدّد تعيّن أنّ المراد بقوله : { وآمنوا } معنى ودَاموا على الإيمان ولم ينقضوه بالكفر .
وجملة { ثمّ اتَّقوا وآمنوا } تأكيد لفظي لجملة { إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } وقُرن بحرف { ثمّ } الدالّ على التراخي الرتبي ليكون إيماءاً إلى الازدياد في التقوى وآثارِ الإيمان ، كالتأكيد في قوله تعالى : { كلاّ سيعلمون ثمّ كلاّ سيعلمون } [ النبإ : 4 ، 5 ] ولذلك لم يكرّر قوله : { وعملوا الصالحات } لأنّ عمل الصالحات مشمول للتقوى .
وأمّا جملة { ثمّ اتّقوا وأحسنوا } فتفيد تأكيداً لفظياً لجملة { ثمّ اتّقوا } وتفيد الارتقاء في التقوء بدلالة حرف { ثمّ } على التراخي الرتبي . مع زيادة صفة الإحسان . وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الإحيان بقوله : « أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » وهذا يتضمَّن الإيمان لا محالة فلذلك استغني عن إعادة { وآمنوا } هنا . ويشمل فعل { وأحسنوا } الإحسانَ إلى المسلمين ، وهو زائد على التقوى ، لأنّ منه إحساناً غير واجب وهو ممّا يَجلب مرضاة الله ، ولذلك ذيّله بقوله : { والله يحبّ المحسنين } .
وقد ذهب المفسّرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية ، ومرجعها جعل التكرير في قوله : { ثمّ اتّقوا } على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال . وذهب بعضهم في تأويل قوله تعالى { إذا ما اتّقوا } وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط . وفي جلبها طول .
وقد تقدّم أنّ بعضاً من السلف تأوّل هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتّقى الله فيما عدّ ، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرّمات ، ولا إلى إضرار الناس . وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون ، كما تقدّم في تفسير آية تحريم الخمر : وأنّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب لم يقبلاه منه .
الأولى : قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية . روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر ، فأمر{[5931]} مناديا ينادي ، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت ، فقال : اذهب فاهرقها - وكان الخمر من الفضيخ{[5932]} - قال : فجرت في سكك المدينة ، فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية .
الثانية : هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت " وما كان الله ليضيع إيمانكم{[5933]} " [ البقرة :143 ] ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء ، لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع ، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى ، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع الله ذلك التوهم بقوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية .
الثالثة : هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر ، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه ؛ لأن الصحابة رحمهم الله{[5934]} هم أهل اللسان ، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره ، وقد قال الحكمي :
لنا خمر وليست خمر كرم *** ولكن من نتاج الباسقات
كرام في السماء ذهبن طولا *** وفات ثمارها أيدي الجناة
ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا ، أخبرنا عبيدالله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ الزبيب والتمر هو الخمر ] . وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل ، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر ، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة ، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه . وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب ، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر ، وإنما يسمى نبيذا ؛ وقال الشاعر :
تركتُ النبيذَ لأهلِ النبيذِ *** وصرتُ حليفاً لمن عابَهْ
شرابٌ يُدَنِّسُ عِرْضَ الفَتَى *** ويفتحُ للشَّرِّ أَبْوَابَهْ
الرابعة : قال الإمام أبو عبدالله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه ، قليلا كان أو كثيرا ، نيئا كان أو مطبوخا ، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره ، وأن من شرب شيئا من ذلك حُدّ ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النيئ فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه . وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه . وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر ، وهو الذي لا يبلغ الإسكار ، وفي المطبوخ المستخرج من العنب ؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب ، ونقيع الزبيب النيئ ، فأما المطبوخ منهما ، والنيئ والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار . وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل ، فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها ، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد ، وأما النيئ منه فحرام ، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه ؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار ، فإن وقع الإسكار استوى الجميع . قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد{[5935]} رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة ، فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره ، وهو مجمع عليه ، فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل ؟ فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير ، أو للتعبد ، فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا ، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك . وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس ؛ لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه ، وهذا كما يقول في قياس الأمة على العبد في سراية العتق . ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد ، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة ، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم ، وليس في الصحيح شيء منها . وسيأتي في سورة " النحل " {[5936]} تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى .
الخامسة : قوله تعالى : " طعموا " أصل هذه اللفظة في الأكل ، يقال : طعم الطعام وشرب الشراب ، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما ، قال الشاعر :
نعَامًا بوَجْرَة{[5937]} صُعْر الخدود *** لا تَطْعَمُ النَّوْمَ إلا صياما
وقد تقدم القول في " البقرة " {[5938]} في قوله تعالى : " ومن لم يطعمه " [ البقرة :249 ] بما فيه الكفاية .
السادسة : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات ، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه . وهذه الآية نظير قوله تعالى : " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " [ المائدة : 87 ] ونظير قوله : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق{[5939]} " [ الأعراف :32 ] .
السابعة : قوله تعالى : " إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ، والمعنى اتقوا شربها ، وآمنوا بتحريمها ، والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم ، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء . والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم{[5940]} ، وأحسنوا العمل . الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا . وقال محمد بن جرير : الاتقاء{[5941]} الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول ، والتصديق والدينونة به والعمل ، والاتقاء الثاني ، الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث الاتقاء بالإحسان ، والتقرب بالنوافل .
الثامنة : قوله تعالى : ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات ، فضله بأجر الإحسان .
التاسعة : قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضى الله عنهم ، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبدالله ، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعُمِّر{[5942]} . وكان ختن{[5943]} عمر بن الخطاب ، خال عبدالله وحفصة ، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين ، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبدالقيس - عليه بشرب الخمر . روى الدارقطني قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ، حدثني سعيد بن عفير ، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان ، قال : حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : أن الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد ، قال : لم تجلدني ؟ بيني وبينك كتاب الله ! فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك ؟ فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية . فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها{[5944]} ؛ فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول ، فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا لمن غبر وحجة على الناس ؛ لأن الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " الآية ؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، الآية ، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر ؛ فقال عمر : صدقت ماذا ترون ؟ فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة .
وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني{[5945]} عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا ، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك ؛ فقال عمر : من يشهد على ما تقول ؟ فقال : أبو هريرة ، فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة ؟ فقال : لم أره حين شرب ، ورأيته سكران يقيء ، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة{[5946]} ، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه ، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر ، فقال : أقم على هذا كتاب الله ، فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم ؟ فقال الجارود : أنا شهيد ، قال : قد كنت أديت الشهادة ، ثم قال لعمر : إني أنشدك الله ! فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك ، فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق ، أن يشرب ابن عمك وتسوءني ! فأوعده عمر ، فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون ، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله ، فأقامت هند على زوجها الشهادة ، فقال عمر : يا قدامة إني جالدك ، فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر . قال : ولم يا قدامة ؟ قال : لأن الله سبحانه يقول : " ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح " فيما طعموا " الآية إلى " المحسنين " . فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا{[5947]} ؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ، فقال عمر : إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط ، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي ! والله لأجلدنه ، ائتوني بسوط ، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير ، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة{[5948]} أهلك ، ائتوني بسوط غير هذا . قال : فجاءه أسلم بسوط تام ، فأمر عمر بقدامة فجلد ، فغاضب قدامة عمر وهجره ، فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا{[5949]} ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة ، انطلقوا فأتوني به ، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك ، فلما جاؤوا قدامة أبى أن يأتيه ، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له ، فكان أول صلحهما . قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره .
قال ابن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية ، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني ، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح ، وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد ، فكان هذا من أفسد تأويل ، وقد خفي على قدامة ، وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما ، قال الشاعر :
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا *** على شَجْوِهِ{[5950]} إلا بكيت على عمر
وروي عن علي رضي الله عنه{[5951]} أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية ، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا ، فإن تابوا وإلا قتلوا ، ذكره الكيا الطبري .