التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (32)

لمّا جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ناسب أن يذكّر الناس بأنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة . فيحتمل أن يكون جواباً لقول المشركين : { إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } [ الأنعام : 29 ] . فتكون الواو للحال ، أي تقولون إن هي إلاّ حياتنا الدنيا ولو نظرتم حقّ النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعباً ولهواً وليس فيها شيء باق ، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدنيا وإنّما يناله المتّقون ، أي المؤمنون ، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى ، ويكون الخطاب في قوله : { أفلا تعقلون } التفاتاً من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة .

ويحتمل أنَّه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة ، فإنَّه لما حكى قولهم : { يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها } [ الأنعام : 31 ] علم السامع أنَّهم فرّطوا في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا ، فذُيّل ذلك بخطاب المؤمينن تعريفاً بقيمة زخارف الدنيا وتبشيراً لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين ، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة . والمناسبة هي التضادّد . وأيضاً في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة الله إلى الحق . فيجعل قوله : { أفلا تعقلون } خطاباً مستأنفاً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن تغرّهم زخارف الدنيا فتلهيهم عن العمل للآخرة .

وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدنيا ، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس ، أي الحياة التي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدنيا ، أي الأولى والقريبة من الناس ، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها ، أو على مدّتها .

واللعب : عمل أو قول في خفّة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب ، وأكثره أعمال الصبيان . قالوا ولذلك فهو مشتقّ من اللّعاب ، وهو ريق الصبي السائل . وضدّ اللعب الجِدّ .

واللهو : ما يشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله . فلا يطلق إلاّ على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة .

وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي . فهما يجتمعان في العمل الذي فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفّة والطيش كالطرب واللهو بالنساء . وينفرد اللعب في لعب الصبيان . وينفرد اللهو في نحو الميسر والصيد .

وقد أفادت صيغة { وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو } قصَر الحياة على اللعب واللهو ، وهو قصر موصوف على صفة . والمراد بالحياة الأعمال التي يحبّ الإنسان الحياة لأجلها ، لأنّ الحياة مدّة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف الأزمان من طول أو قصر ، وتحديد أو ضدّه ، فتعيّن أنّ المراد بالحياة الأعمال المظروفة فيها .

واللعب واللهو في قوة الوصف ، لأنّهما مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة ، كقول الخنساء :

فإنّما هي إقبال وإدبار

وهذا القصر ادّعائي يقصد به المبالغة ، لأنّ الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة ، منها اللهو واللعب ، ومنها غيرهما ، قال تعالى : { إنّما الحياة الدنيا لعب ولَهْو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد } [ الحديد : 20 ] . فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللذات ، ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان ، فأمّا المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا التفات إليها لأنّها ليست ممّا يرغب فيه الراغبون ، لأنّ المقصود من ذكر الحياة هنا ما يحصل فيها ممّا يحبّها الناس لأجله ، وهو الملائمات .

وأمّا الملائمات فهي كثيرة ، ومنها ما ليس بلعب ولهو ، كالطعام والشراب والتدفّىء في الشتاء والتبرّد في الصيف وجمع المال عند المولع به وقرى الضيف ونكاية العدوّ وبذل الخير للمحتاج ، إلاّ أنّ هذه لمّا كان معظمها يستدعي صرف همّة وعمل كانت مشتملة على شيء من التعب وهو منافر . فكان معظم ما يحبّ الناس الحياة لأجله هو اللهو واللعب ، لأنّه الأغلب على أعمال الناس في أول العمر والغالبُ عليهم فيما بعد ذلك . فمن اللعب المزاح ومغازلة النساء ، ومن اللهو الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصيد .

فأمّا أعمالهم في القربات كالحجّ والعمرة والنذر والطواف بالأصنام والعتيرة ونحوها فلأنّها لمّا كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللعب ، كما قال تعالى : { وما كان صلاتُهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية } [ الأنفال : 35 ] ، وقال : { الذين اتّخذوا دينهم لَهَواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدنيا } [ الأعراف : 51 ] .

فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على الناس اللعب واللهو إلاّ من آمن وعمل صالحاً . فلذلك وقع القصر الادّعائي في قوله : { وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو } .

وعقّب بقوله : { وللدّار الآخرة خير للذين يتَّقون } ، فعلم منه أنّ أعمال المتَّقين في الدنيا هي ضدّ اللعب واللهو ، لأنّهم جعلت لهم دار أخرى هي خير ، وقد علم أنّ الفوز فيها لا يكون إلاّ بعمل في الدنيا فأنتج أنّ عملهم في الدنيا ليس اللهو واللعب وأنّ حياة غيرهم هي المقصورة على اللهو واللعب .

والدار محلّ إقامة الناس ، وهي الأرض التي فيها بيوت الناس من بناء أو خيام أو قباب . والآخرة مؤنّثُ وصف الآخِر بكسر الخاء وهو ضدّ الأول ، أي مقرّ الناس الأخير الذي لا تحوّل بعده .

وقرأ جمهور العشرة { وللدار } بلامين لام الابتداء ولام التعريف ، وقرأوا { الآخرة } بالرفع . وقرأ ابن عامر { ولَدارُ الآخرة } بلام الابتداء فقط وبإضافة دار منكّرة إلى الآخرة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : مسجد الجامع ، أو هو على تقدير مضاف تكون { الآخرة } وصفاً له . والتقدير : دار الحياة الآخرة .

و { خَيْر } تفضيل على الدنيا باعتبار ما في الدنيا من نعيم عاجل زائل يلحق معظمة مؤاخذةٌ وعذاب .

وقوله { للذين يتّقون } تعريض بالمشركين بأنّهم صائرون إلى الآخرة لكنّها ليست لهم بخير ممّا كانوا في الدنيا . والمراد ب { الذين يتّقون } المؤمنون التابعون لما أمر الله به ، كقوله تعالى : { هدى للمتّقين } [ البقرة : 2 ] ، فإنّ الآخرة لهؤلاء خير محض . وأمّا من تلحقهم مؤاخذة على أعمالهم السيئة من المؤمنين فلمّا كان مصيرهم بعدُ إلى الجنّة كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا .

وقوله : { أفلا تعقلون } عطف بالفاء على جملة : { وما الحياة الدنيا } إلى آخرها لأنّه يتفرّع عليه مضمون الجملة المعطوفة . والاستفهام عن عدم عقلهم مستعمل في التوبيخ إن كان خطاباً للمشركين ، أو في التحذير إن كان خطاباً للمؤمنين . على أنَّه لمّا كان استعماله في أحد هذين على وجه الكناية صحّ أن يراد منه الأمران باعتبار كلا الفريقين ، لأنّ المدلولات الكنائية تتعدّد ولا يلزم من تعدّدها الاشتراك ، لأنّ دلالتها التزامية ، على أنّنا نلتزم استعمال المشترك في معنييه .

وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، { أفلا تعقلون } بتاء الخطاب على طريقة الإلتفات . وقرأه الباقون بياء تحتية ، فهو على هذه القراءة عائد لما عاد إليه ضمائر الغيبة قبله ، والاستفهام حينئذٍ للتعجيب من حالهم .

وفي قوله : { للذين يتّقون } تأييس للمشركين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (32)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو " أي لقصر مدتها كما قال :

ألا إنما الدنيا كأحلام نائم *** وما خير عيش لا يكون بدائم

تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة *** فأفنيتها هل أنت إلا كحالم

وقال آخر :

فاعمل على مَهَلٍ فإنك ميت *** واكدح لنفسك أيها الإنسان

فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى *** وكأن ما هو كائن قد كانا{[6312]}

وقيل : المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ولهو ، أي الذي يشتهوه في الدنيا لا عاقبة له ، فهو بمنزلة اللعب واللهو . ونظر سليمان بن عبدالله في المرآة فقال : أنا الملك الشاب ، فقالت له جارية له :

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى *** غير أن لا بقاء للإنسان

ليس فيما بدا لنا منك عيب *** كان{[6313]} في الناس غير أنك فاني

وقيل : معنى ( لعب ولهو ) باطل وغرور ، كما قال : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور{[6314]} ) " آل عمران : 185 ] فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم : " إن هي إلا الحياة الدنيا " واللعب معروف ، والتلعابة الكثير اللعب ، والملعب مكان اللعب ، يقال : لعب يلعب . واللهو أيضا معروف ، وكل ما شغلك فقد ألهاك ، ولهوت من اللهو ، وقيل : أصله الصرف عن الشيء ، من قولهم : لهيت عنه . قال المهدوي : وفيه بعد ؛ لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم : لهيان ، ولام الأول واو .

الثانية : ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة ، فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به ، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما ، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة{[6315]} لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها . وقال محمود الوراق :

لا تتبع الدنيا وأيامها *** ذَمًّا وإن دارت بك الدائرة

من شرف الدنيا ومن فضلها *** أن بها تستدرك الآخرة

وروى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي سعيد الخدري ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله ، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناس همج لا خير فيه ) وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال : حديث حسن غريب . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها ) . وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) . وقال الشاعر :

تسمَّع{[6316]} من الأيام إن كنت حازما *** فإنك منها بين ناه وآمر

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه *** فما فات من شيء فليس بضائر

ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة *** ولا وزن زِفٍّ{[6317]} من جناح لطائر

فما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن *** ولا رضي{[6318]} الدنيا جزاء لكافر

وقال ابن عباس : هذه حياة الكافر لأنه يزجيها{[6319]} في غرور وباطل ، فأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة ، فلا تكون لهوا ولعبا .

قوله تعالى : " وللدار الآخرة خير " أي الجنة لبقائها ، وسميت آخرة لتأخرها عنا ، والدنيا لدنوها منا . وقرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة ) بلام واحدة ، والإضافة على تقدير حذف المضاف وإقامة الصفة مقامه ، التقدير : ولدار الحياة الآخرة . وعلى قراءة الجمهور ( وللدار الآخرة ) اللام لام الابتداء ، ورفع الدار بالابتداء ، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر ( خير للذين ) يقويه " تلك الدار الآخرة{[6320]} " [ القصص : 83 ] " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان{[6321]} " [ العنكبوت : 64 ] . فأتت الآخرة صفة للدار فيهما " للذين يتقون " أي الشرك . " أفلا تعقلون " قرئ بالياء والتاء ، أي أفلا يعقلون أن الأمر هكذا فيزهدوا في الدنيا . والله أعلم .


[6312]:فيه إقواء.
[6313]:في هامش ب: عابه الناس.
[6314]:راجع ج 17 ص 255.
[6315]:في ك: تجارة.
[6316]:كذا في الأصول. وهو المعنى المراد. وفي ط الأولى: تمتع.
[6317]:الزف (بالكسر): صغير الريش، وخص بعضهم به ريش النعام، وورد في أدب الدنيا والدين (وزن ذر).
[6318]:كذا في الأصول. بل الدنيا جزاء الكافر لقوله عليه الصلاة والسلام "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".
[6319]:يزجي الأيام يدافعها.
[6320]:راجع ج 13 ص 320، ص 361.
[6321]:راجع ج 13 ص 320، ص 361.